قضايا وإشكاليات حول الصيام.. كيف نفهم الفريضة؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » قضايا وإشكاليات حول الصيام.. كيف نفهم الفريضة؟!
sawm31

طرحت إحدى الفضائيات سلسلة من الأسئلة والملاحظات المثيرة للجدل، حول شهر رمضان، والكيفية التي يتعامل بها البعض معه –لكثير الأسف– في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، بالشكل الذي يخرجه عن رسالته.

تكلمت الحلقة عن منظومة من السلوكيات السلبية التي باتت تميز الإطار العام لشهر رمضان لدى الكثير من الأفراد، وربما على مستوى مجتمعات بأكملها في عالمنا العربي والإسلامي، والتي من بينها أن البعض لا يصوم عبادةً، وإنما خوفًا من الشكل الاجتماعي، أو من العقاب القانوني على المجاهرين بالإفطار في بعض الأحيان، وتحول موائد الإفطار في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، إلى موسم للبذخ والإسراف الذي ترفضه الشريعة الإسلامية.

أهم ما طرحته القناة في حلقتها، وربما هو صلب الحديث هنا، هو ترك البعض للفريضة لأنه "لا يحب النفاق" لعدم قناعته بالفريضة، وعدم معرفته بالحكم الإلهية منها.

هناك تراجع في مستوى التعليم الديني في العالم العربي والإسلامي، وعدم وفاء مسارات التعليم المدنية بمتطلبات تعليم الأجيال الجديدة لحقائق دينهم

ويعود ذلك في جانب مهم من أسبابه، إلى تراجع مستوى التعليم الديني في العالم العربي والإسلامي، وعدم وفاء مسارات التعليم المدنية بمتطلبات تعليم الأجيال الجديدة لحقائق دينهم حتى في الأمور الأولية الأساسية، مثل الحكمة من العبادات، من واقع ما جاء في القرآن الكريم، والسُّنَّة النبوية الشريفة.

كذلك يلعب الإعلام الرسمي والخاص، دوره في هذا الصدد، فهو إما أنه لا يقدم أي شيء يعمل على ربط الإنسان بدينه، وتحسين مستوى فهمه له، في كل المناحي والاتجاهات، أو يقدم الكثير من المادة التي لا تستند إلى العلم الشرعي السليم، والتي تقوم إما على فهم ضحل، أو على إلباس الشريعة وقوانينها وقواعدها، بالعُرف والعادات والتقاليد، فتتوه الحقائق.

وأشهر مثال على ذلك، هو لجوء بعض "العلماء" في مدارسنا ووسائل إعلامنا، بالحديث عن الصيام، إلى بعض الأمور غير الصحيحة ربما جزئيًّا، مثل أنه قد نزل لكي يشعر الأغنياء بمعاناة الفقراء، وهو منطق قاصر بطبيعة الحال، حيث لم تستثنِ الأحكام الشرعية الخاصة بالصيام، فقراء المسلمين من أداء الفريضة.

وفي الواقع، فإن فريضة الصيام، التي كان لها أكثر من غيرها من العبادات والفرائض الكثير من الالتباسات وسوء الفهم لهذه الأسباب السابقة، المتعلقة بالتعليم والإعلام وقصور أساليب الدعوة والتلقين الأوَّلي لتعاليم الإسلام الأساسية في المساجد والمنتديات، ومختلف مسارات التنشئة الأخرى.

لماذا نصوم؟!

بداية، يقول الله تعالى في آية التكليف بالصوم في سُورة "البقرة": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)}.

وهنا العلَّة واضحة تمامًا، أن الصيام لكل المسلمين، غنيهم وفقيرهم، لتحقيق التقوى، وهي خشية الله تعالى، من خلال فعل ما أمر به سبحانه، وترك ما نهى عنه، والصيام هو من أهم الأدوات التي تعين الإنسان على القيام بدينه.

الصيام هو وسيلة لشكر النعم، وأداة للتغلب على الشهوات وترك المحرَّمات باختلاف ألوانها

ولقد حدد العلماء عددًا من الأمور التي استخلصوها من القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، تتعلق بحكمة الصيام وفريضته، وعلى رأسها، أن الصيام هو وسيلة لشكر النعم، وأداة للتغلب على الشهوات وترك المحرَّمات باختلاف ألوانها، مع عمله على ضبط سلوك الإنسان، وتوجيهه إلى الوجه السليمة، وعدم ترك المجال لأية نوازع ذاتية.

كما أنه تدريب للنفس وتهذيبها، وتزهيدها في الدنيا، وتعليمها فضيلة، هي من أهم الفضائل في الإنسان، وهي الصبر، وهي أمور لو يعلم الإنسان أهميتها، لأقبل على الصيام بشوق وإيجابية ورغبة حقيقية، بدلاً من أن يتأفف منه.

فالزهد في الدنيا، والصبر، يعنيان أن يعيش الإنسان حياته بشكل سَوِيٍّ، من دون أن يشق على نفسه، ويعمل على تحميلها فوق طاقتها.

فكلمة "صبر" ومشتقاتها، وردت في القرآن الكريم حوالي 96 مرة، وهي إما أن تكون دعوة من الله تعالى، لعباده المؤمنين المتقين بالصبر، كقيمة وخلق عظيم، أو بشريات من الله عز وجل للصابرين، وسوف نجد أن الصبر والزهد في القرآن الكريم، دائمًا ما وردا كصفة من صفات المؤمنين والصالحين.

ويرتبط ذلك بقضية ترك الشهوات والمحرمات، فهي إن تركها الإنسان، فلن يتحمل عبء توفير الموارد اللازمة لكي يتبعها، أو يرتكب المزيد من المحرمات لأجلها، مثل السرقة لأجل تعاطي المخدرات، أو لأجل الزنا والخمر، والعياذ بالله تعالى.

وكلما ابتعد الإنسان عن الشهوات، كلما ضعُفت قدرة الشيطان، الضعيفة أصلاً، على التأثير عليه، وعلى توجيهه، وفي الجانب الآخر المعاكس من المعادلة، فإن الإنسان في هذه الحالة، مع تحرره من ربقة شهواته، ومن قيد الشيطان الرجيم ووسوساته، سوف يكون أقرب إلى الطاعات.

وهنا سوف نرى حكمة الله، فالصيام يبعد الإنسان عن الشهوات والمحرمات، ويقرب الإنسان من الطاعات، وبالتالي فهو يحقق رسالة العبادة الرئيسية، وهي التقوى كما في آية التكليف.

تدريب وتأهيل مستمرَيْن

هنا نصل إلى بعض ما يتعلق بأسباب جعل فريضة الصيام، طيلة شهر كامل، وهو شهر رمضان.

فجاءت الأيام المعدودات، وهي أيام شهر رمضان المبارك، وسبب اختيار شهر رمضان، هو أنه الشهر الذي بدأ فيه الوحي في النزول على صدر المصطفى "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وهو من أعظم المواقف في تاريخ الإنسانية الطويل، وأهم حدث في تاريخ أمة الإسلام، حيث بدأت بعثة محمد "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، لإخراج الإنسانية من ظلمات الجهالة والعبودية لغير الله، إلى نور الإيمان، وعز إفراد الخالق ورب الكون المتصرف فيه فقط، بالعبادة من دون الأباطرة والظلمة والمستبدين والحجر، وغفلة العقل والفطرة!

ولعل أهم تأثيرات صيام الشهر الفضيل، في أيام معدودات، وفرض الصيام كأطول عبادة يقوم بها الإنسان، سواء على مستوى الوحدة الواحدة منها (نصف يوم في المتوسط)، أو في الإجمال بشكل عام، شهر رمضان بالكامل هو تعويد الإنسان على الجماليات والإيجابيات.

فلما يتعود الإنسان صيام الأيام الثلاثين أو التسعة والعشرين للشهر الفضيل، فإنه يكون كمن يتمرَّن على تنمية عضلاته، فبعد فترة تظل عضلات جسد الإنسان بارزة، بحكم المداومة على التدريب البدني.

الصيام، عبارة عن "تمرين" أو "تدريب" روحي وبدني مستمر على مكارم الأخلاق، ومع ديمومته واتصاله لكل هذه الفترة، فإن الإنسان يخرج منه وقد وُلِد من جديد

كذلك الصيام، فإنه بهذه الصورة، عبارة عن "تمرين" أو "تدريب" روحي وبدني مستمر على مكارم الأخلاق، ومع ديمومته واتصاله لكل هذه الفترة، فإن الإنسان يخرج منه وقد وُلِد من جديد.

ونلاحظ في هذا الإطار، أنه حتى في الصيام الذي جاءت فيه نصوص قرآنية أو نبوية، مثل الصيام المفروض في بعض الأمور الأخرى، مثل الكفَّارات، كما في بعض التجاوزات التي تقع من المسلم أثناء أدائه فريضة الحج، أو في غير ذلك، أو في سُنَّة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، مثل الأيام الثلاثة البِيِض في منتصف كل شهر هجري، فإننا نلاحظ أن الصيام دائمًا ما يكون عبارة عن أيام ممتدات.

فتكون، إما للتأديب والتهذيب، كما في حالة الكفَّارات؛ لما في الصيام من مشقة، أو لتعضيد رسالة الفريضة الأساسية في شهر رمضان، طيلة العام، كما في السُّنن النبوية، بحيث لا يركن الإنسان، ولا ينسى، والإنسان جُبِلَ على النسيان بحكم الفطرة للابتلاء والاختبار من ربه عز وجل.

وهنا عظمة هذه العبادة، فهي تتعهد الإنسان في كل حياته ووقته، وليس في الوقت الذي يؤديها فيه فقط، فأثرها ممتد، وعملت حكمة الخالق على تكريسها في غير وقت الفريضة، في شهر رمضان، وفي سُنن النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، وهو الذي لم يكن ينطق عن الهوى.

ولذلك، فقد كرَّم الله تعالى عبادة الصوم، ففي الحديث القدسي المتفق عليه، عن أبي هريرة (رَضِيَ اللهُ عنه)، أن رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قال: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه".

وهذا الحديث لِوَحْدِه، بحاجة إلى دراسة كاملة لاستخراج ما فيه من كنوز، ففيه تكريم لعبادة الصيام، وتعظيم من شأنها، فهو العبادة الوحيدة التي جعلها الله عز وجل له.

وفيه كذلك الكثير من الأمور المتعلقة بالحكمة من فرضه على أمة محمد "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، فهو وقاية للإنسان، وصيانة له "جُنَّة"، وفيه تهذيب لسلوكه، وفيه فرح عظيم في الدنيا والآخرة.

وبعد، فهذه بعض الجوانب المتعلقة بفريضة عظيمة، فيها من الثواب ما نعلم وما لا نعلم، فلنقبل عليها، ولنتعلم منها ما أراده الله لنا أن نتعلم!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …