ماذا تحقق في نفسك من روح الصيام وغاياته؟

الرئيسية » خواطر تربوية » ماذا تحقق في نفسك من روح الصيام وغاياته؟
checklist20

ومع اقتراب شهر رمضان المبارك من نهايته، وها هي أيامه تطوى وتمضي سريعاً، ولعلنا فيما تبقى نسأل أنفسنا إذا ما حققنا مقصود الشهر، وهل عشنا فيه ومعه وفق ما أراد الله سبحانه وتعالى؟

هل كنا منسجمين مع حكمته ومقاصد تشريعه، وهل تحققت في نفوسنا غايته؟

فنحن نعلم أن لهذا الشهر الكريم انعكاسات جلية واضحة على تلك الروح البشرية التي تغرق في بحور المادية طيلة أيام العام كله، حيث يأتي بأيامه المعدودات ليصحح المسار ويعدل السلوك ويهذب تلك النفوس ويزكيها، فهل أدركنا شيئاً من معانيه، وهل تأثرنا ببعض من غاياته؟

أضع بين يديك أموراً يجب أن نفتش عنها في نفوسنا كي نعلم ما كسبناه في هذه الأيام المعدودات.

هل تحققت التقوى في نفسك؟

فالغاية الأولى من فريضة الصيام على المسلمين هي تحقيق التقوى في قلوبهم، والخشية من الله في نفوسهم:{لعلكم تتقون}.

الصوم يعيننا على التقوى؛ إذ فيه انكسار للشهوة ومخالفة للهوى، وتهوين للذات الدنيا وزينتها

تلك التقوى التي تحرس القلوب وتجعلها حية يقظة بحساسية إيمانية تخشى الذنب وتحذر الوقوع في المعاصي وتخشى الابتعاد عن باب الله سبحانه وتعالى. فلقد وصف البصري العابد طلق بن حبيب التقوى، فقال: هي "عملٌ بطاعة الله، رجاءَ رحمةِ الله، على نورٍ من الله، وترك معصية الله، مخافةَ الله، على نورٍ من الله"، والصوم يعيننا على ذلك إذ فيه انكسار للشهوة ومخالفة للهوى، وتهوين للذات الدنيا وزينتها.

هل غيرت نفسك للأفضل؟

فمن معاني هذا الشهر الكريم، هو تحقيق الثورة على الماديات التي ترهقنا، الثورة على العادات اليومية التي ألفناها، وهو شهر للثورة على سيء الأخلاق في نفوسنا .

يجيء هذا الشهر ليغيّر الحال وليكسر تلك النمطية في الحياة وليصحح كل تلك العلاقات المهملة الجافة بين الناس، إنه شهر مبارك يعطيك القوة والفرصة معاً، كي تحقق ذاتك المتصالحة مع الله ومع الناس، والمتصالحة مع نفسها.

من ضبط نفسه ثلاثين يوماً كان أقدرَ على ضبط نفسه والسيطرة عليها ومسك زمام قيادتها طيلة أيام العام

شهر هو أنفع الطرق في تربية الإرادة واستقلالها، وذلك "لأنّ العزيمة تتجدد بالصيام الإسلامي كل يوم، وهذه مزية تجعل العزيمة أمراً مُتجدداً ما بين الصباح والمساء، ولا تُلحقها بحكم العادة"، ومن ضبط نفسه ثلاثين يوماً كان أقدرَ على ضبط نفسه والسيطرة عليها ومسك زمام قيادتها طيلة أيام العام.

هل تدربت على المجاهدة؟

في الصوم مجابهة للنفس ورغباتها، ورفض للشهوات والملذات، والسعيد من صدق فيه قول الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40،41]، ونجد في الصيام تهذيباً وتأديباً للنفس البشرية، وتدريباً على مصالحة النفس وتزكيتها .

فالنفس محبة للراحة والدعة، تعشق الملذات وتُكثرُ من الطلبات والرغبات، وتَبرعُ بالتسويف والتأجيل وكثرة الآمال، يقول سُفْيان الثوري -رحمه الله تعالى-: "ما عَالَجْتُ شيئًا أشد عليَّ من نفسي: مرة لي؛ ومرة علي".

والأصل أن الصوم محطة تعينك على المجاهدة وتربية النفس، كما يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله: "الصوم معركة مجابهة النفس وشهواتها، وإن جهاد النفس عبادة في حد ذاتها؛ لأن كل صور العبادات نوع من المجاهدة. فأنت حين تصوم فإنك تقاوم إغراء الشهوات وتكف عن النظر إلى مغريات ألوان الطعام وتبتعد عن فُحش القول، وتُدرب نفسك على مجابهة الصعوبات والعقبات، فتتعلم النفس الصبر على المكاره والحرمان وكبح الشهوات".

هل أدركت خصائص الجندية؟

لا عجب أن جيلاً تمكن من نفسه وضبطها، وخالف هواه وشهواته، كان يقضي شهر الصيام في فتوحاته ومعاركه ضد أعداء الدين

إذ يُربي الصيام في المرء السيطرة على هوى النفس والتغلب عليها والتحكم بها، وذلك هو أعدى أعداء المرء، فإن هو نجح بذلك حال بينها وبين ضعفها وترددها وخوفها، وكان المرء أقدر على مواجهة عدوه في ميدان المعركة، ولا يخفى أن الصوم يحتاج العزم الصادق والهمة المتوقدة لكي يتم وينجح، وذاك أفضل ما يمكن أن يتحلى به الجندي في ساحة الوغى، لذا لا عجب أن جيلاً تمكن من نفسه وضبطها، وخالف هواه وشهواته، كان يقضي شهر الصيام في فتوحاته ومعاركه ضد أعداء الدين.

هذه قراءة في روح الصوم وحديث عن معانيه وفلسفته، ويبقى القول أنه لا بد علينا أن نتفكر بها وأن نعيها، وأن نقيم أنفسنا ونحن على مشارف انتهاء هذا الشهر، فإن تحققت هذه الآثار فهذا فضل من الله، وإلا فعلينا استغلال ما تبقى من أيام، لكي ترسخ هذه الآثار في نفوسنا ونكون مما أراد الله لنا أقرب، من صلة صادقة بالله، وتغيير للنفس وانتصار عليها، ومن مجاهدة ومحاولة وتربية، لكي نكون أولئك الجنود الأقوياء الصالحون القادرون على النصر بإذن الله ومعيته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدون أردني مهتم بالشأن التربوي

شاهد أيضاً

كيف تمت الفتوحات الإسلامية بشكل سريع؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع …