معالم تربوية في ظلال رمضان

الرئيسية » بصائر تربوية » معالم تربوية في ظلال رمضان
ramdan-4-31

ها نحن نتعرض لنفحة من نفحات الله في هذه الأيام بحلول شهر رمضان المبارك، نفحة طيبة وشهر كريم لا بد لنا فيه من الفائدة والوقوف على حقيقته ونيل المقصود منه، فشهر رمضان مدرسة تربوية ومنعطفٌ هام من منعطفات تهذيب النفس والثورة عليها، وهو محطة نادرة من محطات التوبة وتصحيح العلاقة مع الله.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى عنه: "هو لجام المتقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لربّ العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئاً، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها، إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وتلك حقيقة الصوم. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة وحمايتها من التخليط الجالب لها المواد الفاسدة".

وفي هذه الأيام المباركة تكون الفرصة سانحة مناسبة لتجويد العملية التربوية   وتصنع للآباء والأمهات والمربين عموماً جواً مميزاً لتعليم الأبناء والتلاميذ القيم الإسلامية الصحيحة، والعمل على بناء معتقداتهم وشخصياتهم، وتنمية مهاراتهم وقدراتهم من خلال الممارسات اليومية التي هي منهج في هذا الشهر المبارك، مرتكزين في ذلك على القوة الإيجابية والروحانية العالية والعزائم المتوقدة التي تكون على أحسن حال.

يتوفر في رمضان جو مميز لتعليم الأبناء والتلاميذ القيم الإسلامية الصحيحة، والعمل على بناء معتقداتهم وشخصياتهم، وتنمية مهاراتهم وقدراتهم

ولا بد لنا كمربين أن نستثمر هذا الشهر خير استثمار؛ لكي نقطف ثماره بشكل نرضاه ونحبه، وسنتوقف هنا مع بعض الإشارات والمعالم الأفكار التربوية المعينة للأباء والأمهات والمربين على أداء دورهم، والتأكيد على ضرورة فهم مقاصد الصوم والوقوف معها، وصناعة الوعي الإيماني التربوي في نفوس أبنائنا والمتربين بين أيدينا، ومنها:

1) تكوين حالة فريدة:

لا بد أن نكون قد وضعنا الخطط والأنشطة الرمضانية للمحاضن التربوية المختلفة لتحقيق التميز والإبداع، لأنه علينا أن نفكر بتكوين "حالة" استثنائية متميزة مستمرة في نفس المتربي ، والعمل على صنع وضعية خاصة لها تتسم بالقرب من الله تعالى والتصالح معه على مدار العام كله، من خلال العمل على غرس معاني الربانية في نفوسهم؛ لأننا نوقن بأن النصر الذي نرجوه من الله يتطلب منّا أن نكون على حال يتسم بقدر عالٍ من الصفات الروحية الإيمانية التعبدية الأخلاقية المستمرة المتصاعدة في رسمها البياني المتجهة دوماً نحو السماء.

النصر الذي نرجوه من الله يتطلب منّا أن نكون على حال يتسم بقدر عالٍ من الصفات المستمرة المتصاعدة في رسمها البياني المتجهة دوماً نحو السماء

2) غرس القيم:

وإن من أهم ما يمكن أن نستثمره في شهر رمضان المبارك هو بناء المفاهيم الصحيحة وغرس القيم الأصيلة في النفوس.

فللشهر أثر قوي واضح في تكوين شخصية المرء وسلوكه، فهو يمنحه الفرصة ويعطينا الأفضلية كي نبني إنساناً ملتزماً منضبطاً واعياً مدركاً.

ففي شهر الصوم تتجلى قيمٌ عديدة تستطيع أيها المربي أن تغرسها في نفوس من حولك، من الإخلاص والصدق مع الله، والصبر وضبط النفس، وكبح جماح الشهوات والرغبات والهوى، بالإضافة إلى قيم التضحية والبذل في سبيل الله وغيرها من تلك القيم، ولعل من أهم الوسائل لذلك أن تكون قدوة لهم بأفعالك، وقد شمرّت عن ساعديك منطلقاً إلى ميدان العمل، مبتعداً ولو قليلاً عن كرسي التنظير.

3) شهر التغيير والانتصار على النفس:

ومن المعالم التربوية التي يجب أن نعلي صرحها في هذا الشهر الكريم أن رمضان مدرسة التغيير والانتصار على النفس والثورة عليها، هو شهر تربية الإرادة وتقويتها، إذ يمتنع الصائم باختياره عن شهواته وملذاته صابراً عليها، وذلك أنفع طريقة في اكتساب الفكرة الثابتة والمبدأ الراسخ الرصين، وبهذا نكون قادرين كمربين على مخاطبة النفس ومواجهتها وتحريضها لكي تقوى على ذاتها وتسير وفق ما أمرها الله به، والعمل على تطهيرها وتحريرها من قيودها، فتكون صافية مشرقة متأنقة، إنه شهر كسر العادات المألوفة السلبية وحتى الإيجابية منها ، فالسلبية منها ننتصر عليها بالتخلي وتحويلها للأفضل، وأما الإيجابية فننتصر عليها بتجديد ألفتنا لها واعتيادنا لفعلها.

4) شهر بناء الأخلاق:

وكم نحن بحاجة إليها في هذه الأيام التي طغت فيها الأنا وحب التملك والسيطرة على الجميع، هذا شهر يبتعد فيه الصائم عن اللغو والفُحش، ويتجنّب الرفث والفسق والجدال، ففي الحديث النبوي الشريف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الصّيامُ منَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ والرَّفَث،ِ فَإنْ سَابَّكَ أحدٌ أوْ جَهِلَ عَليْكَ فَقُلْ: إنّي صَائِمٌ إنِّي صائِم" ( حديث صحيح، رواه ابن خزيمة وابن حبان).

وفي هذا الشهر تتضح معاني الجود والكرم والعطاء، ومعاني الإيثار والإحسان للناس، وفيه يقوى الإنسان على شهواته فلا تضعف همته ولا تخفت عزيمته.

على المربين أن لا يبخلوا في أن يبذلوا وسعهم لتعليم الأخلاق وتهذيبها وتحقيقها واقعاً في نفوس المتربين وحياتهم، ليحققوا بذلك ركناً أصيلاً من أركان الشخصية المسلمة

وتظهر في هذا الشهر أخلاق الشعور مع الناس وتقديم الآخرين على النفس وخدمتهم، أخلاق تتعلق بالشعور بمعاناة الآخرين، عندما يتحسس الجوع في نفسه فيسرع للإطعام، والإحساس بعوز الفقير فينطلق منفقاً باذلاً يخفف عنه.

أخلاق إذا ما حققناها في أنفسنا ومجتمعاتنا تكون كفيلة بتحقيق التكافل الإجتماعي وتدفع بالمجتمع للتماسك والوحدة، فعلى المربين أن لا يبخلوا في أن يبذلوا وسعهم لتعليم الأخلاق وتهذيبها وتحقيقها واقعاً في نفوس المتربين وحياتهم، ليحققوا بذلك ركناً أصيلاً من أركان الشخصية المسلمة.

شهر رمضان فيه من المعالم والدروس والعبر الكثير الكثير، وعلينا أن نقف معها ونستلهمها ونحققها في نفوسنا، ولنجعل رمضان هذا العام متميزاً له ما بعده، نودعه هذا العام وقد ترك فينا أثراً واضحاً وشكّل فينا نفوس تقية امتنعت عن الطعام والشراب وأدركت حكمة ذلك فكانت من المتقين، وكما يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: "ألا ما أعظمك يا شهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسمَّاك مدرسة الثلاثين يوماً".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدون أردني مهتم بالشأن التربوي

شاهد أيضاً

تسع نصائح تربوية تساعدك في تحسين شخصية الابن العنيد

كي لا ييأس الوالدان من الوصول إلى نتيجة مرضية مع أطفالهما، أؤكد على أن حيرة …