يا حبّذا رمضان..

الرئيسية » خواطر تربوية » يا حبّذا رمضان..
1_201665_41401
4.20 / 5 (15 votes)

وَضَعَ أهلُ اللغة العربية أسلوباً للمدح، وجعلوه مركّباً من كلمتين، الأولى (حبّ) وهي فعل المدح، و(ذا) اسم الإشارة الذي هو فاعله، وعرّفوا هذا الأسلوب بقولهم: فعلٌ وُضِع لإنشاء مدح على سبيل المبالغة.

ولا يكون المدح ذا قيمة جمالية تعزّز المثل العليا وتمجّد معالي الأمور إلاّ إذا كان صادقاً نابعاً من القلب، تربط أواصرُ المحبّة والشوق بين المادح والممدوح، سواء كان ذلك في عالم الإنسان أو الجماد أو الرّوح، وقديماً قال جرير مستحضراً جبل الرّيان ومن سكنوا فيه:

يا حبّذا جبلُ الرَّيان من جَبَلٍ … وحبَّذا ساكنُ الرَّيان مَنْ كانا

ولا أبالغُ إذا قلت: إنَّ نفحاتِ الله سبحانه في دهرنا كثيرة، منها شهر رمضان، الذي لا نكاد نملأ قلوبنا وأرواحنا من زاده وخيره وبركاته، حتّى يمضي مودّعاً، وكلّنا رغبة في أن يطول مُكْثُه بيننا، لكنّها سنّة الله الماضية في رحيله، ليعاود الرّجوع إلينا كلّ سنة.

ليلةً رأيتُ هلاله مضيئاً في سماء صافية، وقد مضى عليه خمسة أيام، وأمعنت النظر إليه بحبّ وشوق، وقلت له: هلالَ رمضان، أيّها الحبيب، كنت مميّزاً بين أهلّة الأشهر التي جعلها الله مواقيت للناس، لإيذانك بحلول شهر عظيم، وطال انتظارك سنة كاملة، لقد جئت بخير الشهور، شهرِ الصيام، شهرِ القرآن، شهرِ القيام، موسم التغيير والعودة إلى الله.

لقد جئت بخير الشهور، شهرِ الصيام، شهرِ القرآن، شهرِ القيام، موسم التغيير والعودة إلى الله

فأجابني الهلال وقد تلألأ نوراً وضياءً : أنا القمر {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}، أكون هلالاً، وأكون بدراً، وأتناقص حتى أبدو كأنني عِذْقٌ عتيق، وهكذا هي الحياة والأعمار تمضي، والسعيد من اعتبر بسرعة انقضائها، وبادر إلى اغتنام الفرص والاستفادة من مواسم الطاعة والعبادة.

فقلت له: هلال رمضان، أيّها الحبيب، يا حبّذا شهرٌ قد أذنت بحلوله، وحبَّذا هلال رمضان من مؤذّن بالخير والطاعة والبركة.

ومضيتُ ليلتي، وأنا أرقبُ هذا القمر الجميل، متفكّراً في آلاء الله في الآفاق والكون، عملاً بقول الله تبارك وتعالى على لسان رسول صلّى الله عليه وسلّم: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}. فنسجتُ من إبداعه وإتقانه خيوطاً ذهبية مزدانة بحروف الحبّ والشوق مع شهر القرآن الكريم.. فحبَّذا رمضانُ الخيرِ من شهرٍ، يرمُضُ الذنوب والمعاصي والآثام، فيُقْبِلُ المؤمنون فيه إلى الله بالطاعة والتوبة والإنابة..

وحبّذا رمضانُ من شهر أنزل فيه القرآن الكريم {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.. فمفتاح العودة إلى الله يبدأ من آياته تدبراً وتفكّراً وتلاوة وعملاً..

حبّذا رمضانُ التقوى من ميدانٍ وسبيلٍ للتنافس والتسابق نحو { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

وحبَّذا رمضانُ التغيير من فرصة، يصلح فيها الناس أحوالهم مع الله، ويتقرّبون إليه بشتى صنوف الطاعة والعبادة، فينعمون بالسعادة وأيّ سعادة ..

وحبّذا رمضانُ التقوى من ميدانٍ وسبيلٍ للتنافس والتسابق نحو { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}..

وحبَّذا رمضان، فيه أكلة السّحور، فيها خيرٌ عميمٌ وبركة عظيمة، كما أخبرنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: ((تسحّروا فإنَّ في السّحور بركة)). (متفق عليه).

حبّذا رمضان شهر الفتوحات والانتصارات، نقتبس منها معاني العزّة ونستذكر أيام المجد ونستلهم منها القدوة والعمل والإعداد

وحبّذا رمضان الجود من شهر،((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ)). (رواه مسلم). شهرٌ فيه التكافل وإفطار الصّائم ((من فطّر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء)). (رواه الترمذي).

وحبّذا رمضان شهر الفتوحات والانتصارات، نقتبس منها معاني العزّة ونستذكر أيام المجد ونستلهم منها القدوة والعمل والإعداد .. {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ..}.

وحبّذا رمضان بلياليه العامرة بصلاة التراويح بالقيام والتهجّد والبكاء، فيها ليلة القدر { خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} .. ليلة هي سلامٌ {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْر}. قال الضحَّاك : (لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السَّلامة). وأيّ سلام وسلامة من السلام سبحانه وتعالى..
ويا حبّذا رمضان، والسَّلام ..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

عيد الأضحية وركن التضحية

في عيد الأضحى نتذكر التضحية في أسمى معانيها، إذ يُضحّي الناس بذبائحهم ليتذكروا بذلك قصة …