الأسرة .. دعامة المجتمع وصمام الأمان لحماية الأبناء من الانحراف

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » الأسرة .. دعامة المجتمع وصمام الأمان لحماية الأبناء من الانحراف
parents5

مما لا شك فيه أن مسؤولية أمن الوطن تقع على عاتق كل من يعيش على أرض الدولة من مواطنين ومقيمين؛ حيث إنهم هم الذين ينعمون بالراحة والطمأنينة فيه، وبالطبع فإن المسؤولية الأولى تقع على الأسرة؛ باعتبارها البوتقة التي يخرج منها المواطن الصالح. لذا يجب على الأسرة أن تعي دورها تماماً تجاه أمن المجتمع، وأن تقوم بدورها من خلال تنشئة أولادها على حب الوطن وحفظ أمنه من خلال أدوارها المختلفة من (تربية ووقاية ورقابة وتعاون وتوعية).

وتعزيز الأمن الفكري للأبناء مسؤولية يتحملها الأبوان في الأسرة، كما بين الرسول صلى الله وعليه وسلم حيث قال "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).

ومن القيم العظيمة التي أرساها الإسلام تحمل المسؤولية، وقد خاطب بذلك الأفراد والمجتمع والأمة، وجعل القيام بهذه المسؤولية سببًا للحياة السعيدة الطيبة والنجاة في الآخرة.

وللأسرة دور كبير في تعزيز الأمن الفكري للأبناء؛ فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الأبناء جميع السلوكيات والقيم والأخلاق والثوابت، وعلى عاتقها يقع الدور الكبير في وقاية أبنائها من جميع أشكال الانحراف الفكري، وتعزيز المناعة الفكرية لديهم منذ طفولتهم، لينشؤوا قادرين على مواجهة التحديات الفكرية وخاصة في ظل الانفتاح العالمي على كافة الثقافات والتوجيهات المختلفة.

وعي واستقرار اجتماعي

الباحثة الاجتماعية "عروب جملة": عملية التربية الأسرية تهدف إلى تعميق المسؤولية الاجتماعية عند الأبناء؛ كي تجعلهم مدركين للمهام والواجبات التي تناط بهم

الباحثة والمختصة الاجتماعية "عروب جملة" ترى أن عملية التربية الأسرية تهدف إلى تعميق المسؤولية الاجتماعية عند الأبناء كي تجعلهم مدركين للمهام والواجبات التي تناط بهم، ومستوعبين لطبيعة المرحلة الحضارية التاريخية التي يمر بها مجتمعهم.

وأشارت في حديث خاص " لبصائر " إلى أن الأبناء يجب أن يكونوا متسلحين بالوعي الاجتماعي والسياسي الذي يمكنهم من مواجهة الصعاب، وملمّين بماهية ما ينتظره المجتمع منهم من أعمال وتضحيات جسيمة وعطاءات غير محدودة تضمن مسيرة المجتمع نحو تحقيق أهدافه العليا.

وترى الباحثة جملة إلى أن الأسرة لا تعمل فقط على الاستقرار المادي للمجتمع بإمداده بأعضاء جدد عن طريق التناسل لحفظ كيانه العضوي، بل تتولى أيضاً الاستقرار المعنوي لهذا المجتمع وذلك بتأصيل معايير سلوكه واتجاهاته وعاداته عند أبناء هذا المجتمع وبهذا تحفظ كيانه الثقافي.

جملة: الأسرة وسيطة المجتمع للحفاظ على معاييره وعلى مستوى الأداء المناسب لتلك المعايير

وعن طريق الأسرة والكلام يكتسب النشء المعايير الخاصة التي تفرضها أنماط الثقافة السائدة في المجتمع، ويكتسب المعايير الخاصة بالأسرة التي تفرضها عليه، وبذلك تصبح الأسرة وسيطة المجتمع للحفاظ على معاييره وعلى مستوى الأداء المناسب لتلك المعايير.

وتقوم الأسرة بدور فعال في تنمية الطفل نمواً نفسياً سليماً، وتعمل على الارتقاء بصحته النفسية، وإشباع حاجاته ودوافعه الأساسية، وتزوده بالحب والحنان، وتعمل على حمايته وإشعاره بالأمن والأمان، وإبعاده عن المواقف التي قد تعرضه للأذى والخوف أو القلق، بما يساعده على التكيف مع بيئته ومجتمعه على النحو المطلوب.

وإلى جانب ذلك كله توضح الباحثة جملة أن الأسرة تقوم أيضاً بعملية التنشئة الاجتماعية لإدماج الطفل في الإطار الثقافي العام لمجتمعه، وذلك عن طريق إدخال التراث الثقافي في تكوينه، ويؤدي ذلك إلى اكتساب الطفل لغته، وعاداته، وعقيدته، ويتعرف على طرق التفكير السائدة، والأفكار والمعتقدات وأساليب السلوك القيم الاجتماعية في مجتمعه، وتصبح من مكونات شخصيته التي تؤثر على حياته وتوافقه مستقبلاً.

نحو تعزيز للمناعة الفكرية

الباحثة "رائدة وشاح": ضعف أساليب التنشئة الأسرية والجهل بالأساليب الصحيحة والسليمة في تنشئة الأبناء يؤدي إلى تدمير وإفساد عقولهم

وتتفق الباحثة رائدة وشاح الاختصاصيةَ النفسيةَ في المركزِ الفلسطينيِّ للديمقراطيةِ وحلِّ النزاعات في أن غياب المسؤولية الاجتماعية للأسرة تجاه أبنائها يؤدي في الغالب إلى التأثير السلبي للتنشئة، ومن ذلك عدم إخضاع الأبناء للقواعد المنظمة للسلوك واستجابتهم للمؤثرات البيئية السيئة، كما أن ضعف أساليب التنشئة الأسرية والجهل بالأساليب الصحيحة والسليمة في تنشئة الأبناء يؤدي إلى تدمير وإفساد عقولهم.

وترى وشاح أن ضعف الإمكانات المادية والاجتماعية والثقافية عند الأسرة يجعلها غير قادرة على تربية الأبناء وزرع قيمة المسؤولية الاجتماعية لديهم، إذ تضعف هذه الإمكانات دور الأسرة في عملية التنمية الاجتماعية وتطلق العنان للجماعات الأخرى وخاصة جماعة اللعب في التأثير السيئ على سلوك الأبناء وعلاقاتهم وقيمهم.

كذلك يظهر التأثير السلبي للمسؤولية الاجتماعية الغائبة في ترك الأبناء ينتمون إلى جماعات مؤسسية أو مرجعية كالمدارس والإعلام والمجتمع المحلي، وغيرها من الجماعات التي تزود الأبناء بخبرات وتجارب ومعلومات قد تتناقض مع الخبرات والمعلومات التي تزود بها الأسرة الأبناء الأمر الذي يجعلهم لا يتمسكون بقيمة المسؤولية الجماعية التي تغرسها الأسرة والذي قد تختلف قيمتها عند جماعة أخرى فيحدث التصادم والتقاطع بين قيم الأسرة وقيم الجماعات الأخرى.

وشاح: على وزارتي الإعلام والتعليم التعاون معاً في إيجاد آلية مناسبة لكل قضية وقعت أو متوقع وقوعها، وتكمن مسؤولية الأسرة في تشجيع الأبناء على المشاركة فيها

ولتعزيز المناعة الفكرية ودور الأسرة في ذلك تقول وشاح:

أولاً: عن طريق الإعلام بكل أنواعه، فعلى وزارتي الإعلام والتعليم التعاون معاً في إيجاد آلية مناسبة لكل قضية وقعت أو متوقع وقوعها. وتكمن مسؤولية الأسرة في تشجيع الأبناء على المشاركة، ويسبقه تشجيع الأسرة بما يحقق الهدف؛ كإنتاج أفلام قصيرة أو وثائقية مؤثرة عن مآلات الانحراف الفكري بالتعاون مع أهل الاختصاص وهم العلماء الشرعيون والإعلاميون بدلاً من تركه لمن يشوّه الدين الذي يدين به المجتمع.

ثانياً: بضبط حرية الرأي تجاه الدين، والفرد، والمجتمع، وأجهزة الدولة، وذلك بسن قانون يحفظ للجميع حقه، وتوعية الأسرة في حث الأبناء على التمسك بتلك الضوابط من خلال خُطب الجمعة والإعلام.

ثالثاً: تحديد أماكن تجمّع الشباب كالاستراحات، والمقاهي، وإعداد برامج متنوعة على مدار الـ24 ساعة ليتسنى للجميع التوافد في أي وقت.

رابعاً: تفعيل دور ملاعب الأحياء بإعداد برامج رياضية وسلوكية لرعاية الشباب والأبناء.

خامسا: غرس القيم والفضائل الكريمة والآداب والأخلاقيات والعادات الاجتماعية التي تدعم حياة الفرد وتحثه على أداء دوره في الحياة وإشعاره بمسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه وتجعله مواطنا صالحاً في المجتمع مثل: الصدق والمحبة والتعاون والإخلاص وإتقان العمل.

وتتفق الباحثتان على أهمية تعاون الأسرة مع أعضائها وكذلك مع البيئة المجتمعية المحيطة بها وبأطفالها لمساعدة النشء على الإيجابية، والتغلب على الصعاب، فكلما وجد الطفل الدعم والتقبل والحدود الواضحة، واحترام الأفعال الفردية التي تنشأ داخل هذه الحدود؛ لتصبح قاعدة آمنة، أمكنه توسيع أهدافه وعند ذلك يصبح لديه القدرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفي فلسطيني مقيم في قطاع غزة، حاصل على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2000، عمل في العديد من الصحف والإذاعات والمواقع الإلكترونية العربية والدولية أبرزها: العودة اللندنية، العرب اللندنية، القدس الفلسطينية، موقع إخوان أون لاين. وله العديد من المقالات في مجالات متنوعة، يعمل حاليا مديرًا لموقع الرسالة نت الفلسطيني بغزة وكاتب في موقع " بصائر " الالكتروني.

شاهد أيضاً

دروس وعبر من معركة “العصف المأكول” في ذكراها السادسة

ستة أعوام مرّت على معركة "العصف المأكول" التي بدأت في السابع من تموز/ يوليو من …