خواطر.. “من وحي الأربعين”

الرئيسية » بأقلامكم » خواطر.. “من وحي الأربعين”
2015 - 1

منذ أن اقترب عمري من حاجز ذلك السن الوحيد الذي اختصه الله ذكراً في كتابه العزيز وأنا تصيبني قشعريرة كلما مرت بخاطري (..حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة..) لماذا أشعر أن في هذه الآية نداءً لي دون غيري؟! لماذا أحس أنني الوحيد في هذا الكون الذي سيبلغ الأربعين بعد بضعة أشهر؟!

دعوت الله أن يريني من آياته ما يدلني.. ما يرشدني على كينونة هذا النداء.

هاجسٌ دائمٌ متواصلٌ لا ينفك عني يشعرني أحيانا بالطمأنينة وأحيانا بالقلق حد الرعب.. نعم.. رعبٌ من مجهول.. كمن يسير بعتمة قاتمة لا يدرك نهاية مسيره أوما ستؤول إليه خطاه.

وقبيل أسابيع من الموعد المحدد حدث الفاصل العجيب وحضرت الآية؛ فقد قدّر الله لي أن أعيش خلوة وعزلة تامة عن كل العالم الخارجي وجاء يوم ذكرى ميلادي الأربعين وأنا في هذه العزلة الموحشة -إلا من حلاوة الخلوة مع الله جل في علاه- وحيثما تكون الخلوة يكون التفكر وتتجلى فتوحات العقل دون منغصات أو ملهيات أومعكرات صفو.

فجلست سارحا ربما لساعات أتأمل قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) - الأحقاف 15-.

وكأن الآية تسألني هل علاقتك بكل ما حولك واضحة ومسؤولياتك محددة تجاه كل ما له سبب في وجودك وبلوغك أشدك وصولا إلى مآلك ومثواك الأخير؟!

فبدأت أحلل عناصر الآية لأجيب على هذا التساؤل.

أول عنصر هو العلاقة مع الله.. وتتلخص في فعلين مهمين لطالما غفلت عنهما.. الشكر والتوبة.

وإن كانت الآية قد بدأت بالتذكير بفضل الأم وصبرها وحملها لكن كلمة (كُرها) تحيلني للتفكير بفضل الله علي وعلى أمي أن صبّرها وغرز فيها غريرة الأمومة التي تحيل المشقة والعنت والألم وهي كارهة إلى عطف وحنان في الصغر وحرص ونصح وتربية حتى أبلغ أشدي..

أليس الله هو من غرز هذه الغريزة الساحرة في نفس الوالدين؟!!  فهذه نعمة واحدة عظيمة من نعم الله علي وعلى غيري من البشر فلله الشكر والمنة والفضل والخضوع..

وقبل أن أعرّج إلى الفعل الثاني في العلاقة مع الخالق عز وجل، استوقفتني كلمة (قال)، وهل يكون القول مع الله إلا عبر الدعاء؟! يااااه كم أنا مقصر في هذه العبادة العظيمة.. الدعاء... ما عرفت لذة الدعاء والمناجاة إلا عندما قدّر الله لي هذه الخلوة... وعندما قرنت هذا الأمر بكثير من الآيات والأحاديث التي تحض عليها أدركت أنها ركن أساسي في العلاقة بيني وبين خالقي؛ فمالي أوصدت بابا فتحه الله لي لا يُوصَد إلا بموتي ليُفتح لولدي من بعدي إن كان صالحا (..أو ولد صالح يدعو له..)؟!

التوبة... كم هي ذات حروف سلسة سهلة لا يبذل بها الفك ذلك الجهد للنطق بها لكن فعلها هو المراد وكم هو شاق إلا على من رزقه الله قوة إرادة كافية تدفعه للقيام بها فكم من غاضب متهور يستغفر ربه بلسانه وقلبه وعقله يدفعانه لفعلٍ أشد عليه مما استغفر منه ربه !!

ومن ثم الشكر.. على ماذا؟!

وهل هناك نعمة  تستوجب شكر المسلم لربه أكثر من نعمة الاستقرار النفسي الذي يحياه نتيجة وضوح علاقته بمن حوله من أهل وذرية ومجتمع مسلم مسالم؟! ويتوج ذلك كله العلاقة التي أشرنا لها سابقا مع الخالق الشكور...

إذا فالآية دعوة صريحة لمن بلغ الأربعين أن يتأكد من صحة علاقاته بكامل أركان كيانه المحيط به بدءا بخالقه عز وجل (رب أوزعني..) مرورا بنفسه وجسده (...أنعمت علي...)؛ فكم منا من هو مقصر بحق نفسه فلا يزكيها وبحق جسده فلا يعتني به ليبقى قويا قادرا على القيام بدور خلافة الله في الأرض ومرورا كذلك بوالديه (...وعلى والديّ...) بالبر والإحسان لهما في حياتهما وبعد مماتهما حتى لا يرغم أنفه كما حذّر من ذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، وذريته (...وأصلح لي في ذريتي) فكم منا من عقّ أبناءه قبل أن يعقوه، وانتهاءً بمجتمعه المسلم (..وإني من المسلمين) وكم نحن مقصرون بحق مجتمعنا الذي ينتظر منا أخلاقا نبثها فيها قبل أن نبث المظاهر والأحكام.

لكن لماذا سن الأربعين؟!

قلت في نفسي؛ لربما هو تقريبا منتصف متوسط أعمارأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي حدثنا عنها رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه بقوله (أعمار أمتي بين الستين والسبعين..) فبعد هذا السن يأتينا الحديث الآخر والذي رواه البخاري (أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلَّغه ستين سنة)!!

حديث عظيم لو قرنّاه بهذه الآية العظيمة سنستنتج أنها محطات تنبيه كالجرس الذي يُدق قبيل اللفة الأخيرة في مضمار السباق لرياضة الجري في الألعاب الأولمبية؛ أن انتبه أيها المسلم وراجع حساباتك وراجع علاقاتك مع كل من هم حولك.

وما عزز هذا الفهم لدي أن قدوتنا سيد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه بدأ بحمل أعظم أمانة ممكن أن يحملها بشر وهو في سن الأربعين وقد كانت علاقاته واضحة ومستقرة مع كافة الأركان التي ذكرتها آنفا فكان هذا الوضوح دافعا وعاملا مساعدا له للمضي قدما بما اختصه الله به.

فحريٌّ بمن بلغ الأربعين أن يراجع هذه الآية ويتخذها شعارا لتعديل مسار حياته وتعويض ما فاته، وحريٌّ بمن لم يبلغها أن يراجع نفسه كذلك حتى إذا ما بلغ الأربعين استشعر فعلا نعم الله عليه بكامل تفاصيلها والمذكورة في هذه الآية العظيمة.

إن كل ما سبق هو انطباع واستنباط  شخصي وخاطرٌ خطر ببالي فأحببت أن أشارككم اياه عله يفيد أو يذكر من يقرأه؛ لم أعتمد فيه على مرجع ولم ألجأ لأي كتاب تفسير أو حديث سوى للتأكد من صحة الأحاديث النبوية التي أوردتها فيه.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يفهّمنا ما علمنا وأن يعيننا على العمل بما علمنا به وفهمناه وأن يتقبل منا صالح الأعمال والأقوال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أبجديات السعادة الزوجية

أيعقلُ أن يرغب الإنسان أن تُثمر أشجاره دون أن يعتني بها، أو يسقيها بالماء، أو …