رمضان يبث الحياة في مساجد غزة المدمرة

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » رمضان يبث الحياة في مساجد غزة المدمرة

في رمضان هذا العام عاد صوت الأذان يصدح مجلجلًا من فوق أنقاض المساجد التي دمرتها صواريخ الاحتلال في الحرب الأخيرة على قطاع غزة صيف 2014، ليقيم جيرانها الليل ويصلّون التراويح رغم أنف المحتل في رسالةٍ مفادها (نحن هنا باقون ما دامت بيوت الله عامرة).

وليس غريبا أن تجد المساجد في غزة مكتظة بالمصلين في رمضان لاسيما في صلاة التراويح، ولكن الغريب أن تجد الإقبال على هذه المساجد المدمرة أكثر مما كان عليه الحال قبل تدميرها، وأكثر من المساجد الأخرى، في صورة تعكس مدى تحدي المصلين الفلسطينيين لإقدام دولة الاحتلال على تدمير المساجد لإبعادهم عنها.

ويتداول الفلسطينيون في غزة مقولة من يصفونه بأحد قادة دولة الاحتلال التاريخيين ابن غوريون والذي قال: "لن نخشى من المسلمين إلا عندما يكون عدد المصلين في صلاة الفجر مثل عددهم في صلاة الجمعة".

ويُصر المواطنون على أداء طقوس شهر رمضان المبارك في المساجد المدمرة للتأكيد على إحياء المساجد التي دمرها الاحتلال.

ففي مصلى " الحكمة " المؤقت شرق غزة لم يجد المصلون موطئ قدم لهم خلال تزاحمهم لأداء صلاة التراويح مع بداية شهر رمضان وذلك على الرغم من تدمير المسجد بالكامل.

الخمسيني أبو محمود حجاج يرى أن فقده أحد أبنائه أهون على نفسه من تدمير المسجد، لكن عزاءه في مصيبته -على حد وصفه- هو إصرار السكان على الصلاة على أنقاض المسجد في تحد لجرائم الاحتلال ضد أماكن العبادة.

وتساءل المسن بانفعال عن الذنب الذي اقترفه المسجد كي يجتث من الأرض، لافتاً إلى أن تدمير كافة منازل الحي أهون على نفسه من تدمير المسجد؛ لأنه بيت لكل سكان الحي الذين يعتبرونه متنفساً رئيسياً ويحتضن أفراحهم وأتراحهم.

وتعكس مشاعر رواد المسجد مدى تعلق سكان قطاع غزة بمساجدهم، ليس لكونها أماكن للعبادة فحسب، ولكن لأنها منطلق لتقديم العديد من الخدمات الأخرى المتعلقة بالتكافل ومساعدة المحتاجين وتوفير المياه الصالحة للشرب.

مسجد " القزمري " شرق حي الشجاعية بغزة ورغم تدميره بشكل كامل إلا أن أصوات المؤذنين والمقرئين النَدِيّة تصدح فيه كل ليلة، تدعو المصلين إلى الصلاة، وعليه.. لا يتوانى المصلون الذين تعلقوا بالمسجد عن الصلاة فيه رغم غياب المرافق واستبداله بمصلى بلاستيكي صنعوه لاستقبال رمضان.

روّاد المساجد المدمرة رفضوا الاستسلام للواقع الجديد، فما إن وضعت الحرب أوزارها حتى شرعوا بإنشاء مصليات مؤقتة بجوار المساجد المدمرة، أو على المكان ذاته بعد إزالة الركام

روّاد المساجد المدمرة رفضوا الاستسلام للواقع الجديد، فما إن وضعت الحرب أوزارها حتى شرعوا بإنشاء مصليات مؤقتة بجوار المساجد المدمرة، أو على المكان ذاته بعد إزالة الركام، متخذين من المُعرشات والخيام وسيلة لإنشاء مصليات بديلة.

gaza1363

الشاب "أبو أنس" أحد رواد المسجد والذي كان يهم لأداء صلاة التراويح على أنقاض مسجده قال:" لن يهدموا فينا حب الله والمقاومة والجهاد بهدمهم لبنيان مسجدنا وسنعمره بالرجال قبل أن نعمّره بالبنيان".

وأرجع سبب الهجمة على المساجد إلى يقين الاحتلال وقادته بأن هذه المساجد هي التي تربي جيلاً لا يعرف للخوف طريقاً ويتخذ من القرآن نهجاً ومسيرة ويؤمن أن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة، وفق تعبيره.

ويعتبر الشاب محمد حسن الصلاة في المساجد المدمرة مهما كانت حالتها، نوعا من أنواع تحدي الاحتلال ودليلا على التمسك بالأرض.

وقال: أعتقد أنه من الواجب الصلاة في المساجد المدمرة، وهذا نوع من أنواع تحدي الاحتلال، وبالرغم من سوء الحالة داخل تلك المساجد، إلا أن الصلاة فيها واجب ودليل على تمسكنا بالأرض".

في حي الزيتون شرق غزة أيضا تعاون عدد من شباب الحي في تحدي للاحتلال لإقامة مصلى كبير لهم، عبارة عن معرش على أنقاض مسجد "الشافعي" لاستقبال شهر رمضان المبارك.

وتزين المعرش بالإنارة والشعارات الإيمانية وعبارات التهاني بمناسبة حلول شهر رمضان، وإحياءً للأجواء الرمضانية المعتادة للمسجد.

gaza132

وبحسب إحصائية لوزارة الأوقاف الفلسطينية فإن العدوان الصهيوني على قطاع غزة أدى لتدمير (73) مسجدًا بشكل كلي و(197) مسجدا.

يوسف فرحات: إن استمرار إقبال المواطنين على المساجد المدمرة لأداء العبادات وتحديداً صلاة التراويح، دليل على فشل أهداف الحرب الصهيونية ، والتي سعت لإبعاد الناس عن المساجد
يوسف فرحات: إن استمرار إقبال المواطنين على المساجد المدمرة لأداء العبادات وتحديداً صلاة التراويح، دليل على فشل أهداف الحرب الصهيونية ، والتي سعت لإبعاد الناس عن المساجد

واعتبر رئيس دائرة الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف بغزة، يوسف فرحات، أن استمرار إقبال المواطنين على المساجد المدمرة لأداء العبادات وتحديداً صلاة التراويح، دليل على فشل أهداف الحرب الصهيونية ، والتي سعت لإبعاد الناس عن المساجد وتدمير الأماكن التي يجتمع فيها الناس على غاية واحدة.

وقال : "الحمد لله مجتمعنا مجتمع مسلم محافظ متدين، والناس كلها تقبل على الله، ورمضان فرصة عظيمة لشعبنا."
وأضاف: "الرجال والنساء والأطفال والشيوخ يقبلون على الله في هذا الشهر، لذلك تجد المسجد يغص بالمصلين بكافة الفئات العمرية، وكذلك الناس عرفوا الله تبارك وتعالي بحق لاسيما وأننا خضنا تجربة أليمة بعد الحرب والدمار، وهذا يعزز الإيمان في نفوس أهلنا وشعبنا ولا يحقق للعدو أهدافه في إبعاد الناس عن المساجد بالعكس يجعل الناس أكثر قربة إلى الله".

من جهته أكد مدير عام المديريات بوزارة الأوقاف والشئون الدينية منذر الغماري أن الوزارة قد باشرت فور الانتهاء من الحرب نصب خيم كمصليات بجانب ركام المساجد التي دمرت وتجهيزها بكافة المستلزمات الأزمة لاستمرارية أدائها والصلاة فيها.

منذر الغماري: العام الحالي سيكون مميزاً على صعيد الأنشطة والفعاليات المنوي تنفيذها في شهر رمضان
منذر الغماري: العام الحالي سيكون مميزاً على صعيد الأنشطة والفعاليات المنوي تنفيذها في شهر رمضان

وذكر أن العام الحالي سيكون مميزاً على صعيد الأنشطة والفعاليات المنوي تنفيذها في شهر رمضان مشيرا إلى انه تم تخصيص جلسات حول صلاة التراويح، وما يتخللها من ندوات ستدور حول حث الناس على الرحمات وإعانة الفقراء والصبر والتكاتف الاجتماعي وصلة الأرحام.

وكان من المقرر افتتاح 9 مساجد دمرها الاحتلال خلال عدوانه الأخير على القطاع، في 2 يونيو المقبل، أي قبل شهر رمضان بقليل، إلا أن منع الاحتلال لإدخال الاسمنت خلال الشهرين الماضيين وقلة الإمكانيات، حالا دون ذلك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفي فلسطيني مقيم في قطاع غزة، حاصل على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2000، عمل في العديد من الصحف والإذاعات والمواقع الإلكترونية العربية والدولية أبرزها: العودة اللندنية، العرب اللندنية، القدس الفلسطينية، موقع إخوان أون لاين. وله العديد من المقالات في مجالات متنوعة، يعمل حاليا مديرًا لموقع الرسالة نت الفلسطيني بغزة وكاتب في موقع " بصائر " الالكتروني.

شاهد أيضاً

طفلي بلغ السابعة.. كيف أبدأ بتعويده على أداء “الصلاة” ؟

مما ينعش قلب الأبوين أن يقف إلى جوارهما طفلهما الصغير في سنوات عمره الأولى وهو …