فقه اللّهو والتّرويح

الرئيسية » كتاب ومؤلف » فقه اللّهو والتّرويح
d0528

إنَّ موضوع اللهو واللعب، أو الترويح والترفيه، من الموضوعات المهمَّة، التي دخلت حياة النَّاس في هذا العصر بقوَّة ، وأمسوا يواجهون منها صنوفًا وألواناً، وقد اختلفت أنواعها وتشعبّت، وانقسم الناس فيها ما بين مضيّق وموسّع، ومتشدّد ومتساهل، وبات من الضرورة معرفة حكم الشرع فيها، ومن الكتب القيّمة التي تناولت موضوع اللهو والترويح بنظرة وسطية واقعية لا غلو فيها ولا تفريط، كتاب (فقه اللهو والترويح) للعلاّمة يوسف القرضاوي حفظه الله تعالى، فإلى التفاصيل:

مع الكتاب:

ضمن سلسلة تيسير الفقه للمسلم المعاصر في ضوء القرآن والسنة، يأتي كتاب (فقه اللهو والترويح). ليقرّر فيه الشيخ القرضاوي مسألة اللهو والترويح مبيّناً حكم الشرع فيها مدلّلاً وموثقاً، سالكاً المنهج الوسط للأمَّة الوسط، لا غلو ولا تفريط ، لا طغيان في الميزان، وباعتبار أنَّ الإسلام دين واقعي لا يحلق في أجواء الخيال المثالية الواهمة، ولكنَّه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع. ولا يعامل الناس كأنّهم ملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ولكنَّه يعاملهم بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.

يقول العلاّمة القرضاوي في مقدّمة الكتاب: (إنَّ موضوع اللهو واللعب، أو الترويح والترفيه ، من الموضوعات الحيَّة والمهمة، التي دخلت حياة الناس في هذا العصر بقوَّة، وأمسوا يواجهون منها صنوفًا وألواناً.. منها الفردي ومنها الجماعي، منها الشعبي ومنها الرسمي.. منها ما هو من جنس الرّياضات، ومنها ما هو من جنس الفنون، ومنها ما هو من جنس الشعوذة وخفة اليد.. منها ما يقرأ، ومنها ما يسمع، ومنها ما يشاهد.. منها ما يمارس على مستوى فرد وآخر، ومنها ما هو على مستوى الجماهير.. منها ما هو محلي أو إقليمي، ومنها ما هو دولي وعالمي.. منها ما هو طيب نافع، ومنها ما هو خبيث ضار).

ويؤكّد الشيخ أنَّ التضييق في مجال اللهو والترويج ليس كلّه من تصرّف العلماء والمشايخ في عصرنا، فقد وجدنا هناك من علماء السلف والخلف قبلنا : من ضيّق في مجال اللهو واللعب والترويح، إلى جوار من وسّع فيه، ورخّص في الاستمتاع به.
ويوضح أنَّ مَنْ نظر في النصوص الجزئية للشريعة: لم يجد في مُحْكم القرآن الكريم، ولا في صحيح السنة النبوية : ما يحظر اللهو واللعب، إلاّ ما صاحبه أمر محرّم شرعاً، أو أدّى إلى مفسدة محقّقة أو مرجّحة.

المثلى الأعلى والأسوة الإنسانية المثلى، هو الرّسول الخاتم محمَّد، فقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم مثالاً رائعاً للحياة الإنسانية المتكاملة

ويبيّن أنَّ المثلى الأعلى في ذلك، والأسوة الإنسانية المثلى، هو الرّسول الخاتم محمَّد، فقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم مثالا رائعا للحياة الإنسانية المتكاملة: فهو في خلوته يصلي ويطيل الخشوع والبكاء حتى تتورم قدماه، وهو في الحق لا يبالي بأحد في جنب الله، ولكنه مع الحياة والناس بشر سوِّي، يحبّ الطيّبات، ويبش ويبتسم، ويداعب ويمزح، ولا يقول إلا حقاً، حيث كان صلّى الله عليه وسلّم يحبّ السرور وما يجلبه، ويكره الحزن وما يدفع إليه من ديون ومتاعب، ويستعيذ بالله من شره، ويقول: ((اللهم إنّي أعوذ بك من الهم والحزن)).(رواه البخاري).

ويقول: (فمشروعية الضحك والمرح والمزاح لا شكّ فيها في الأصل، ولكنّها مقيّدة بقيود وشروط لابد أن تراعى: أولها: ألاّ يكون الكذب والاختلاق أداة الإضحاك للناس. ثانيًا: ألا يشتمل على تحقير لإنسان آخر، أو استهزاء به وسخرية منه، إلا إذا أذن بذلك ورضي. ثالثاً: ألا يترتب عليه تفزيع وترويع لمسلم. رابعًا: ألا يهزل في موضع الجد، ولا يضحك في مجال يستوجب البكاء، فلكل شيء أوانه، ولكل أمر مكانه، ولكل مقام مقال).
وتحت عنوان: "حدود المشروعية في الضحك والمزاح"، يقول العلاّمة القرضاوي (ومن هنا نقول: إنَّ الضحك والمرح والمزاح: أمر مشروع في الإسلام، كما دلت على ذلك النصوص القولية، والمواقف العملية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.. وما ذلك إلا لحاجة الفطرة الإنسانية إلى شيء من الترويح يخفف عنها لأواء الحياة وقسوتها، وتشعب همومها وأعبائها. وفي هذا قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: "روّحوا عن القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان").

الإسلام دين واقعي لا يحلق في أجواء الخيال المثالية الواهمة، ولكنَّه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع. ولا يعامل الناس كأنّهم ملائكة

ويجيب الدكتور القرضاوي عن سؤال: (فهل يرحب الدين بهذا الفن " الكوميدي " أو يضيق به؟ هل يحله أو يحرِّمه؟)، بالقول: (وقد رأيت الناس ـ بفطرتهم ـ وعلى قدر ما سمحت به إمكاناتهم، وفي ضوء ما عرفوه من سماحة دينهم ـ قد ابتكروا ألواناً من الوسائل والأدوات، التي تقوم بوظيفة الترويح والإضحاك لهم.

من ذلك: " النكت "، ويلحق بذلك فن " القفشات " وما يسميه المصريون " الدخول في قافية "، وهو لون من استخدام المجاز والتورية حول موضوع واحد، يتطارح فيه الطرفان.

ومن ذلك: ألوان من الألعاب التي تدعو إلى الضحك والمرح، مثل لعبة "الأراجوز". ومثله: " خيال الظل " الذي كان يعتبر نوعاً من التمثيل الشعبي الفكاهي. ومن ذلك: الألغاز والأحاجي، أو ما يسمى في لغة العامة " الفوازير ".

ومن ذلك: القصص الفكاهية، أو ما يسميه العوام " الحواديت " المسلّية والمرفّهة. ومن ذلك: " الأمثال الشعبية " التي كثيراً ما تتضمَّن أفكاراً أو تعبيرات تبعث على الضحك والمرح...

إلى غير ذلك من الألوان، التي تخترعها الشعوب بوساطة فنانين معروفين أو مجهولين غالباً، ملائمة لكل بيئة وما يسودها من قيم ومفاهيم، وما تمر به من ظروف وأحوال. وكل عصر يضيف أشياء جديدة، ويطور الأشياء القديمة، وقد يستغني عن بعضها. كما نرى في عصرنا فن " الكاريكاتير " الذي حوَّل النكتة من مجرّد كلمة تُقال، إلى صورة معبِّرة، مصحوبة ببعض الكلام، أو غير مصحوبة).

وحول ما يجيزه الإسلام من الألعاب، يقول د. القرضاوي: (لا يمنع الإسلام من اللهو بمختلف " الألعاب "، بل يرى ذلك أمراً مشروعاً، يحتاج إليه الفرد، وتحتاج إليه الجماعة. ولو لم يكن الهدف منها إلا التسلية، أو الترويح، أو الإضحاك.. بل هناك بعض أنواع من الألعاب، يحث الإسلام عليها، مثل: الألعاب التي تدخل في فنون الرياضة، أو الفنون العسكرية، لما فيها من تقوية الأجسام، واكتساب المهارات، وتنمية القدرات).

ويقول: (إنما يتَحفّظ الإسلام على بعض ألعاب تتنافى مع مقاصده وأحكامه، مثل: الألعاب التي تقوم على المخاطرة الشديدة دون ضرورة إليها، الألعاب التي تقوم على الخداع والاحتيال على الناس، لأكل أموالهم بالباطل، لألعاب التي فيها استخفاف بكرامة الإنسان، أو السخرية به، الألعاب التي تظهر فيها أجسام النساء ـ أي ما لا يحل رؤيته منها ـ أمام الرجال الأجانب...).

logo_1134992637
مع المؤلف:

هو يوسف عبد الله القرضاوي.

ولد يوم 9 أيلول/ سبتمبر 1926م، في قرية صفط تراب مركز المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في مصر.

حفظ القرآن الكريم وجوّده وهو دون العاشرة، حصل الدكتور القرضاوي على الشهادة العالية من كلية أصول الدين (1953م)، وعلى إجازة التدريس (1954م)، وكان ترتيبه الأول في كليتيهما، وحصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى (1973م).

عمل الدكتور يوسف القرضاوي بعد تخرجه في مراقبة الشؤون الدينية بالأوقاف، وإدارة الثقافة الإسلامية بالأزهر، اشتغل بالدعوة، وشارك في الحركة الإسلامية، واعتقل عدَّة مرات، ثم أعير إلى قطر مديرًا لمعهدها الديني، فرئيسًا مؤسّسًا لقسم الدراسات الإسلامية بكليتي التربية فعميدًا مؤسِّسًا لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية.

للدكتور القرضاوي من يقارب من 200 كتاب، وحصل على جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك في الدراسات الإسلامية 1413هـ، وجائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي 1411هـ، وجائزة العطاء العلمي المتميز من رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا 1996م، وجائزة السلطان حسن البلقية (سلطان بروناي) في الفقه 1997م.

والدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وعضو في عدة مجامع ومؤسسات علمية ودعوية وعربية وإسلامية وعالمية، منها: المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد، ومجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم، ورئيس لهيئة الرقابة الشرعية في عدد من المصارف الإسلامية..
لمزيد من التفاصيل عن سيرة وحياة الدكتور العلاّمة يوسف القرضاوي:www.qaradawi.net

 

بطاقة الكتاب:

العنوان: فقه اللهو والترويح.
المؤلف: الشيخ يوسف القرضاوي.
دار وسنة النشر: مكتبة وهبة للطباعة والنشر – 2005م.
عدد الصفحات: 172 صفحة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الابتلاء والمحن وأثره في الدعوات

الابتلاء من سنن الله تعالى على هذه الأرض، ومن دون الابتلاء ما كان للصفوف أن …