كيف تأخذ من رمضان لما بعد رمضان؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » كيف تأخذ من رمضان لما بعد رمضان؟!
ramdan-4-31

من بين التصورات الخاطئة عن شهر رمضان، هو أنه "موسم" للعبادة، بينما هو ليس كذلك؛ حيث إنه موسم لمزيد من العطاء من فيض الرحمن على عباده المتقين العابدين، ولكنه لا يُعتبر "موسمًا" للعبادة؛ حيث العبادة هي إحدى الأمور التي فرض الله تعالى على الإنسان أن تكون معه طيلة يومه، وحياته.

وبلا شك؛ فإن لشهر رمضان خصوصية في العبادة، وهناك بعض العبادات التي يقتصر أداؤها على الشهر الفضيل، مثل صلاة التراويح؛ إلا أن الخطأ الشائع لدى الكثير من المسلمين، أن رمضان هو شهر العبادة، بينما رمضان هو شهر الاستزادة.

فلو تأملنا عبادات اليوم في الشهر الفضيل؛ سوف نجد أنها في الغالب فرائض مفروضة على الإنسان في كل أشهر السنة، وليس في شهر رمضان فحسب، أو سُنن رواتب لا يتوقف أداؤها على الشهر الكريم؛ فالصلوات الخمس، مفروضة، وصلاة الليل، هي في كل ليلة، وليست في ليالي رمضان فحسب.

ما يقوم به المسلم المتعبِّد في رمضان؛ فهي كلها -عدا الصوم- أمور يجب عليه في بعضها، أن يقوم بها طيلة أوقاته، مثل الصلاة، وقراءة القرآن الكريم

وختم القرآن الكريم، لا يتوقف على شهر رمضان، بل إن البعض لا يختلف معه الوضع في ختم القرآن الكريم في رمضان عن غيره؛ حيث يكون قد بدأ في ختمة قبل رمضان؛ فيكملها في رمضان، ويبدأ غيرها، وهكذا.

الفريضة الوحيدة التي تخص رمضان من غيره من شهور العام، هي فريضة صيام الشهر، وحتى هذه، فإن هناك سُنناً رواتباً للصيام، في كل أوقات العام.

أما باقي ما يقوم به المسلم المتعبِّد في رمضان؛ فهي كلها أمور يجب عليه في بعضها، أن يقوم بها طيلة أوقاته، مثل الصلاة، وقراءة القرآن الكريم.

والصلاة كفريضة مفروغ منها، ولكن البعض يظن خطأ أن ختم القرآن الكريم، أو قراءته بشكل عام، يقف عند حدود الشهر الفضيل، رغم أن الآيات القرآنية تدعوا إلى قراءة القرآن الكريم، باعتباره عبادة، ففي سُورة "الإسراء"، يقول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)}.

وفي آيات أخرى، ذمَّ ربُّ العزة بالذين يهجرون القرآن الكريم، فقال في سُورة "الفرقان": {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)}.
هنا نفهم أن تلاوة القرآن الكريم عبادة مأمورٌ بها، ولا تقف عند شهر رمضان المبارك.

أما ما يتعلق بصِلَة الرَّحِم، والإحسان إلى الفقراء، وأعمال الخير والبر؛ فهي كلها أمور واجبة ومندوبة في الشهر وفي غير الشهر، فقط يكون الجزاء والثواب عنها مضاعفًا في رمضان، ولكن الأوامر الإلهية والسُّنَن النبوية التي تدعو إلى صلة الرحم، وإيتاء الزكاة والصدقات؛ كلها على العموم، ولم توقفها النصوص الشرعية على زمن محدد.

من بين أهم رسائل رمضان، هو تذكير المسلم بما فاته، وبما هو آتٍ من حياته، وأنه حلقة وصل بين ما قبله وما بعده

ومن هنا؛ فإنه يجب أن ندرك أن شهر رمضان، بكل ما فيه من معينات إلهية على العبادة، وبكل ما فيه من ثواب مضاعف؛ إنما يجب على المسلم الذكي أن يستغله باعتبار أنه زاد له لكي يستمر في العبادات والطاعات في مرحلة ما بعد رمضان، وحتى رمضان التالي.

فمن بين أهم رسائل رمضان، وحكمة الخالق عز وجل من جعلِه موئلاً للخيرات؛ هو تذكير المسلم بما فاته، وبما هو آتٍ من حياته، وأنه حلقة وصل بين ما قبله وما بعده، وليس استثناء في حياة الإنسان وعبادته.

ومن ثَمَّ؛ فإن أهم ما يجب أن يقوم به الإنسان في شهر رمضان هو أن يجعله مفتاحًا لمرحلة ما بعد شهر رمضان، ويكون تأهيلاً وتدريبًا له للأيام التي لا يضع فيها رب العزة سبحانه، ذات ما جعله لرمضان من فضائل أعمال ومعينات.

فيكون الشهر الكريم، أشبه بالفترة التي يقضيها الرياضيون في مراكز التدريب وبناء الأجسام؛ حيث إنهم يقضون فيها كل يوم أو كل أسبوع، بضعة دقائق أو بضعة ساعات، تقود مع التمرين المتواصل إلى تربية عضلات البدن بشكل سليم، وتجعلها معلمًا دائمًا من معالم الجسد، ولو توقف الرياضي عن أداء هذه التدريبات؛ فإن جسده سوف يترهل، وسوف تختفي هذه العضلات التي قام بتربيتها خلال وقت التدريب.

رمضان يمرِّن عضلات الروح والنفس على تعوُّد العبادة، بحيث لا تكون مجرد "ظاهرة استثنائية" في شهر واحد، وإنما تكون عادة مستمرة

رمضان بالمثل في ذلك، ولكن في أمور أهم وأعظم من ذلك؛ فهو يمرِّن عضلات الروح والنفس على تعوُّد العبادة، بحيث لا تكون مجرد "ظاهرة استثنائية" في شهر رمضان، وإنما تكون عادة مستمرة، وأصل في سلوك وبرنامج الإنسان، وهو الأصل في العبادة؛ حيث هي أمر مستمر مع الإنسان، منذ أن يعقل ويبلغ، وحتى مماته، وفق ضوابط الاستطاعة التي جاءت في النصوص الشرعية.

وهنا تبرز أهمية المواظبة على العبادة في رمضان، واستغلال المعينات الربانية فيه، من تصفيد للشياطين، وزيادة قدرة الإنسان على التحمل، بحيث يستغل هذه الفترة في تنمية قدرته ومثابرته على العبادة، بحيث تكون العبادات والطاعات بعد رمضان، بمثابة أمور أساسية في حياته، بعدما استغل رمضان في ذلك.

يبقى أن نشير إلى أن من بين أهم الأمور التي يجب على الإنسان أن يعمل على استغلال وقت الشهر الفضيل فيها، لكي يؤسس نفسه من جديد عليها، في أيامه وشهوره التالية للشهر الكريم، هي تهذيب أخلاقياته، بحيث يعتاد السلوك الحَسِن، ويعتاد على حُسن الخلق، ويكون نموذجًا للإنسان المسلم، صحيح العقيدة والإيمان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …