وإنّ لذاتكِ عليكِ حقاً

الرئيسية » خواطر تربوية » وإنّ لذاتكِ عليكِ حقاً
Idea222

كتلك الغيمة الماطرة تفيض هي، تجود بكل ما بحوزتها من جهد وعطاء حتى يرتاح غيرها؛ أمها، أبوها، ومستقبلاً عائلتها. تنسى نصيبها من كل شيء وتُفنى ذاتها حتى أنها بعد مدة تشعر وكأنها تقضي حياة ليس لديها وقت لتعيشها، وما إن بادرها هذا الشعور حتى يجتاحها باللوم والتقصير وتبدأ بجلد ذاتها واستنكارها.

يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه (التخلف الاجتماعي.. مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور) "فالمرأة في أي مجتمع هي أفصح الأمثلة على وضعية القهر بكل أوجهها في المجتمع المتخلف، بحكم أنها أضعف عنصر فيه وأكثره تعرضاً للقهر..".

لقد آمن النبي الكريم بقدرة المرأة وعنفوانها حيث قال: “إنما النساء شقائق الرجال” فلماذا تصر هي على خذلان ذاتها بذاتها؟ ولماذا تصر على أن تكون الفعل ورد الفعل معاً؟

تقول لي إحداهن أن ابنتها ذات الـ 8 أعوام تتمنى لو أنها ذكراً، فهي ترى أن في الذكورة كل المباحات التي تتحول إلى محظورات ما إن حاولت هي اقترافها، وأظن أن السبب الأعمق هو مكانة الأم أمام ابنتها، فهي أم وزوجة وحسب، تقضي ثلث يومها في المطبخ وثلثه الآخر في تنظيف منزلها، وآخر ثلث في فصل معارك أبنائها الذكور، وبهذا تكون مئات النساء قد خلفن نماذج تلك الصبية التي تتمنى الانتقام من دورها الأنثوي لأنه يتجذر في مخيلتها نموذج أمها المهترئ وحسب.

من أبسط حقوق المرأة أن يكون لها حق في ذاتها كما لزوجها وأبنائها حق عليها

يستوقفني نابليون بونابرت حين قال “إن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها“. وأبحث في عمق تلك المقولة عن النساء اللواتي قرأنها وغضضن الطرف عنها، أو تلكم اللواتي لم يؤمن بدورهن الفاعل في خضم تلك المعركة الحياتية الصعبة، فأظن أنه من أبسط حقوق المرأة أن يكون لها حق في ذاتها كما لزوجها وأبنائها حق عليها، وهذا الحق لا يؤخذ إلا حين تُنسف العبارة التي تقول أن المرأة شمعة تحترق لتضيء من حولها، فما المشكلة في أن تضيء ذاتها ثم من حولها حتى يكون شعاعها أقوى وأدوم؟

ماذا يعني أن يكون للمرأة حق في ذاتها؟

1) أن تخصص لنفسها وقتاً خاصاً تحدده هي بما يتناسب مع أولوياتها: إن شعور المرأة بأنها قادرة على أخذ إجازة يومية من شأنها أن تعيد لذاتها التوازن من جديد، ذلك لأن حجم المسؤوليات التي تلقى على عاتقها عظيم وجلل، فكل مسؤولياتها تتعلق بالأفراد لا بالمهمات، فمثلاً هي مسؤولة عن طفلها أمام نفسها وزوجها إن أدى الصلوات الخمس أو قصر بهن، أما الرجل فهو مسؤول عن مهمات أخرى، كمهمة جلب الطعام أو إتمام عمل ورقي في مكان عمله مثلاً.

ليس عيباً ولا تقصيراً أن تكوني أماً أو ابنة وتكوني صاحبة نشاط خاص بك أيضاً

2) أن لا تعيش تحت مظلة جلد الذات: ليس عيباً ولا تقصيراً أن تكوني أماً أو ابنة وتكوني صاحبة نشاط خاص بك أيضاً، فهذا كله لا ينفي قدرتك على النجاح في المسارين معاً وهذا طبعاً يرجع إلى قدرتك على تحمل نوع النشاط الذي تحملينه لذاتك سواءً كان خارج المنزل أو داخله، يقول الطبيب النفسي جون جراي في كتابه الرجال من المريخ والنساء من الزهرة: "عندما لا تشعر المرأة بأنها معززة في إطار علاقة، تصبح تدريجياً مسؤولة بطريقة قهرية ومنهكة من البذل الزائد"، لذلك فأفسحي لذاتك مجالاً لتعزز نفسك بنفسك حتى تستعيدي عافيتك الإيجابية من جديد.

3) وسعي نفوذ سلطاتك في مملكتك: لا تتخلي عن سلطاتك مع زوجك أو أطفالك أو حتى اختياراتك في تلك المملكة، وهذا النفوذ لا يعني الغلظة والفضاضة، بل القوة الأنثوية الأخاذة التي تحصل بها على مرامها بأقل التكاليف والخسائر، فالمرأة الذكية التي تعيش في توازن روحي لا تسمح لأمور بيتها الخاصة أن تتفلت من بين يديها، فمثلاً اجعلي لذاتك شأناً وقراراً في أموركما الخاصة، ولا تسمحي لزوجك أو أبنائك أن يتولوا تلك المهمة عنك حتى ولو كنتي تظنين أنها تزيح عن كاهلك حمل التخطيط، بل أشعريهم بذاتك وبرأيك حتى يكون لشأنك قدر في نفسهم.

4) أن تبدعي في كافة أركان حياتك: اعلمي أن الزواج ركن من بين أركان حياتك فأهلك وصديقاتك وثقافتك أركان أخرى عليك الالتفات إليها؛ حتى لا تعطلي المهمة الأعظم التي خلقك الله لأجلها وهي مهمة الاستخلاف، فلا تنسفي تلك الأركان وتعلقي نفسك على ركن واحد؛ لأنه بذلك إن انهار ذلك الركن انهارت ذاتك بأكملها، بل ارتقي في كل مجالات حياتك، واعلمي أن الله وضع في المرأة قدرات خارقة حتى تتناسب وظيفتها العظيمة مع باقي وظائفها المجتمعية الأخرى.

مهمتك في الحياة هي "إحياء" الأنفس واستثمارها، فكيف ستمدين الحياة لتلك الأنفس وأنتِ حتى الآن لم تمدي الحياة لذاتك؟!

إن مهمتك في الحياة هي"الحياة" أو فلنقل "إحياء" الأنفس واستثمارها، فكيف يا رعاك الله ستمدين الحياة لتلك الأنفس وأنتِ حتى الآن لم تمدي الحياة لذاتك؟! إن صناعة الأمة تعتمد عليكِ والأمة كلها تنتظرك، فارتقي وأبدعي وتألقي في ذاتك، وعملك، ومجتمعك، ونشاطك، وفي بيتك وهذا الثقل لم يلق عليك إلا لمعرفة الخالق بقدراتك الخارقة، فالنساء أمم والنساء همم والنساء قمم فالنساء النساء يا نساء.

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الأم
  • المرأة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

    شاهد أيضاً

    نظرتنا إلى تفاوت النعيم في الدنيا.. بين الغيرة والزهد

    ثمة قوانين في حياتنا اتفق أصحاب الاختصاص على تقنينها وفرضها من أجل تحقيق أكبر قدر …