الجهاد العلمي!!

الرئيسية » بصائر الفكر » الجهاد العلمي!!
aljihad alelmy

ودولة السيف لا تقوى دعامتها ما لم تكن حالفتها دولة الكتب.

بهذا البيت من الشعر لخص الأديب العربي عباس العقاد واحدًا من أهم عوامل النصر، فالقوة العسكرية لا تعد العامل الوحيد في انتصار الدول واستمرار نهضتها، فالأقوياء اليوم هم الأذكى والأعلم والأكثر وعيًا وتخطيطًا، وقد ينتصر الشجاع أو المدجج بالسلاح لبعض الوقت، لكن انتصاره لا يدوم إن لم يدعمه بالعلم والوعي؛ وذلك لأن ميدان القتال ما هو إلا جولة واحدة في المعركة، ثم تتواصل بقية الجولات بوسائل أخرى في ميادين السياسة والاقتصاد والإعلام.

وإن الإخلاص لوحده لا يكفي في تحقيق النصر، فلا بد أن يصحبه العلم ومعرفة الصواب، فنحن نعيش في زمن احتلت فيه المعرفة مركز الصدارة، فالعلم أمرٌ مهم للشعوب التي تخوض معارك التحرير واسترداد الحقوق، فإذا ساد الجهل وقل الوعي انحرفت البوصلة عن مسارها الصحيح، وضاعت الأولويات، واختلت الموازنات، وما أصدق ما قاله الخليفة عمر بن عبد العزيز: "من عمل على غير علم, كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [الفقيه والمتفقه: الخطيب البغدادي، (1/109)].

لو بحثت عمن هو مستعد ليقدم روحه شهيدًا فإنك ستجد الكثيرين، لكنك لن تجد هذا الاستعداد إذا طلبت مقاتلين يرابطون على ثغور العلم!

إنك لو بحثت عمن هو مستعد ليقدم روحه شهيدًا في سبيل الله فإنك ستجد الكثيرين من أبناء أمتنا، لكنك لن تجد مثل هذا الاستعداد حينما تطلب مقاتلين يرابطون على ثغور العلم والمعرفة لخدمة قضيتهم وأمتهم، وهذا إنما ينم عن خلل في الفهم، فما زالت النظرة إلى أن من يبذل روحه هو المجاهد الحقيقي دون النظر إلى نتائج ذلك البذل.

إن نظرة متأنية في تاريخ فلسطين بعد الفتح الإسلامي يجعلك تدرك أنه في فترات ما قبل الاحتلال كانت الأمة تعاني من ويلات التخلف العلمي، وحتى العلم الذي وُجِد في تلك الحقب فإنه كان مصابًا بعدة أمراض أفقدته حيويته وأقعدته عن القيام بدوره، أما في مراحل الإعداد للنصر فإن العلم يكون حيويًا وله تأثير فعال وليس مجرد زينة تتزين بها الشعوب.

من الخطأ أن نقرأ مراحل الانتصار في تاريخ أمتنا على أنها جهد عسكري فحسب دون النظر إلى الدور العلمي الذي قامت به المؤسسات العلمية

من الخطأ والسطحية أن نقرأ مراحل الانتصار في تاريخ أمتنا على أنها جهد عسكري فحسب دون النظر إلى الدور العلمي الرائد الذي قامت به المؤسسات العلمية، فمثلًا: تحرير فلسطين في زمن الأيوبيين سبقته مرحلة الإعداد التي قادها الإمام أبو حامد الغزالي وغيره من العلماء الذين أسسوا مدارسهم التي انطلقت بمناهج لها أهداف واضحة أعدت الأمة للتحرير(1).

علينا أن نعترف أن الإنفاق على التعليم لا يزال أقل من المطلوب، ولم يوضع التعليم على سلم أولويات الحكومات الفلسطينية المتعاقبة ولا الفصائل الفلسطينية، والمؤشرات على ذلك كثيرة يكفيك أن تعلم أن الإنفاق على البحث العلمي لا يتجاوز (0.2)% من الميزانية العامة(2)... ولو قارنا ذلك بدولة الكيان الغاصب سنجد أن الأمر يختلف كثيرًا، حيث ينفق الكيان الغاصب بسخاء على البحث العلمي، فيخصص نسبة كبيرة وصلت إلى (4.8%) في السنوات الأخيرة(3).

ينفق الكيان الصهيوني الغاصب بسخاء على البحث العلمي، فيخصص نسبة كبيرة وصلت إلى (4.8%) في السنوات الأخيرة

ولا غرابة بعد هذا الإنفاق السخي أن تحتل دولة الاحتلال المركز الـ15 على مستوى العالم في إنتاج الأبحاث، وقياسًا بمساحتها وعدد سكانها، فهي الأولى على العالم في إنتاج الأبحاث والاختراعات.

وإذا كانت معظم الأبحاث ما تزال ملقاة على الأرفف، ولا يعدو دور مراكز الأبحاث أن تكون "ديكورًا" شكليًا في العديد من الدول، إلا أن مراكز البحث العلمي في الكيان الغاصب لها دور ريادي في قيادة الدولة، بل تشكل مصدرًا أساسيًا للمعلومات والنصح لصناع القرار في الدولة على مختلف مستوياتهم... وينظر إليها على أنها بمثابة الخطوط الخلفية للحكومة ووزارتي الدفاع والخارجية(4).

وحسب الترتيب الأكاديمي للجامعات العالمية لسنة 2015م (شنغهاي) فقد جاءت جامعتان من جامعات الكيان الغاصب ضمن أفضل مائة جامعة على مستوى العالم، ولم تأتِ أي جامعة عربية، وأما ضمن أفضل خمسمائة جامعة فقد جاءت ست جامعات للكيان الغاصب، بينما جاءت للدول العربية مجتمعة خمس جامعات فقط، ولا توجد من بينها أي جامعة فلسطينية... والهدف من سرد هذه المعلومات هو استفزاز القارئ العربي ووضع يده على موطن الخلل.

إن عدم استشعار القيمة الحقيقية للعلم ساهم في إجهاض تجربة مراكز الأبحاث الفلسطينية التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي، وقدمت دراسات ثرية في خدمة القضية، لكن عطاءها لم يستمر أكثر من عشر سنين فقط، ويرجع ذلك لعدة أسباب من أهمها: ثقافة احتقار الشهادات العلمية والألقاب الأكاديمية التي شاعت في بعض أوساط الثورة الفلسطينية، وصار البعض يتساءل باستخفاف: لماذا العلم؟ وما نفع الشهادات؟ غدًا سنحرر فلسطين، وكفى، فنحن إما مقاتلون أو شهداء.. وذاعت مقولة: "إن الحارس في المخيم أفضل من الباحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، إضافة لسطوة القيادات السياسية وتدخلاتها في البحث العلمي، وإهمال الدراسات الصادرة عن تلك المراكز، واعتماد العشوائية في أخذ القرارات(5).

نحن بحاجة إلى مراكز أبحاث تقدم لنا صورة عن العالم الذي نعيش فيه، هذه الصورة تظهر لنا العالم كما هو، وليس كما نتوهم أو نريد نحن

إن المقاومة الفلسطينية اليوم أحوج ما تكون إلى جهود علمية كبيرة؛ كي تتمكن من دعم صمود شعبنا، واستثمار تضحياته، لذلك فنحن بحاجة إلى مراكز أبحاث قوية تقدم لنا صورة عن أنفسنا وعن عدونا وعن العالم الذي نعيش فيه، هذه الصورة تظهر لنا العالم والحقائق والوقائع كما هي، وليس كما نتوهم أو نريد نحن.

إن الذي يعتمد في قراراته على الدراسات والأبحاث الجادة يكون دومًا هو صانع الفعل والمتحكم في الميدان، لكن الذي لا يخطط ولا يدرس ولا يعد نفسه مسبقًا فإنه يكون ضمن دائرة ردود الأفعال.. ولقد اعتبر القرآن الكريم أن الخروج لطلب العلم نفيرٌ كالنفير للجهاد، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
___________
الهوامش
(1) حول هذه المرحلة، بإمكانك قراءة كتاب: هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس: د. ماجد الكيلاني.
(2) انظر: مقال بعنوان: واقع التَّعليم في فلسطين اليوم: د. أسامة عثمان.
(3) انظر: مقال "استراتيجية البحث العلمي في إسرائيل: الواقع والتحديات": عبد المعطي زكي إبراهيم.
(4) انظر: مراكز البحث العلمي في إسرائيل: عدنان أبو عامر، ص 80، 81، 137.
(5) انظر: بحث بعنوان: "الحرية الفكرية وحرية البحث العلمي في منظمة التحرير الفلسطينية (مركزي الأبحاث والتخطيط مثالًا)": صقر أبو فخر، ص )107-116).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

فقه الأولويات في ضوء سورة يوسف

توطئة لقد شرع الله عز وجل الدين ليضمن به سعادة الإنسان وصلاحه وهدايته ونجاته في …