نوال السّباعي لـ(بصائر): الثورة فعلٌ تاريخيٌّ يُولد ليستمر لا يخبو ولا يموت (1/2)

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » نوال السّباعي لـ(بصائر): الثورة فعلٌ تاريخيٌّ يُولد ليستمر لا يخبو ولا يموت (1/2)
نوال السباعي

مع استمرار ثورة الشعب السوري ضد نظام قمعي حَكَمَه بآلة من الاستبداد وقمع الحريات وتكميم الأفواه ومصادرة الحقوق، قرابة نصف قرن، تطفو إلى السطح أسئلة جوهرية حول دور النخبة المثقفة في المحنة التي عاشها الشعب السوري بمختلف أطيافه وطوائفه، وفي هذا الحراك الثوري الممتد منذ عهد الأسد الأب إلى حكم الأسد الابن، وأسئلة أخرى حول أهمية التوثيق والكتابة والتأصيل والتوجيه لهذا الثورة المستمرة في عامها السَّادس، (بصائر) حاورت الكاتبة نوال السّباعي، التي عايشت زمن تلك المحنة، لتكتب فيه (خواطر في زمن المحنة)، ولتكون بقلمها وفكرها من الأوائل الذين شاركوا في الثورة السورية دعماً وتوجيهاً وترشيداً، وترسيخاً للمنظومة الفكرية والأخلاقية للثورة، لتبدأ الكتابة من جديد (خواطر في زمن الثورة).. حول تلك المعاني والأفكار، وبين زمني المحنة والثورة، وآفاق الحل وسط تشتّت الجهود، وتفرّق الآراء، وتوحّش إجرام النظام وحلفائه، كان الحوار معها ..

نوال السباعي أكّدت في حوارها مع (بصائر) أنَّ النَّاس الذين عجزوا عن مقارعة نظام حافظ الأسد الفاجر، تركوا الأمانة في صدور أبنائهم، وبيّنوا لهم الحق والباطل، كانوا يهمسون لهم بحقيقة ما يجري.

وأوضحت أنَّ هناك تغييباً بالغ الخطورة والإجرام لصوتنا، "نحن الصوت الآخر"، الصوت الذي يمثل الشعب، يمثل الهوية، الصوت القادر على النقد والتقييم، وطرح رؤيته في التقويم.

وقالت السّباعي لـ(بصائر): إنَّ "الكتابة في زمن الثورة ثورة، وينبغي أن تكون في سياق الثورة، وأن تكون معبرة عنها كثورة، لا تبالي بالمثبطين والمحبطين والأغبياء من صغار الآدميين الذي يريدون لنا أن نسكت".

وشدّدت على أنَّ "الحل يمرّ بوعي الناس أنهم يعيشون ثورة، وبإدراكهم أنه لا بدَّ من المضي قدماً ولا عودة، وبفهمهم أننا ما لم نحدث ثورة في أنفسنا، فقد نمضي نحو صحراء "تيهٍ" لا نخرج منها إلاَّ بعد عقود من الزمن".

فإلى تفاصيل الحوار مع الكاتبة السورية نوال السباعي في جزئه الأوّل:

بصائر: كتابك (خواطر في زمن المحنة) جاء بعد الحكم الجائر بالإعدام على الإنسان الذي أصدره قاضيان خائنان، أحدهما يدعى الظلم السياسيّ، والثاني اسمه الفساد الاجتماعيّ، كما وصفتيه في مقدمة الكتاب، فماذا عن (خواطر في زمن الثورة)؟

السّباعي: يأتي "خواطر في زمن الثورة"، استمراراً لمشروع خواطر "في زمن المحنة"، وربما تمهيداً للجزء الثالث "خواطر في زمن الحرب".. يأتي ليواكب ثورة شعب، ومنطقة، نهضت تحاول الفكاك من ذلك الواقع الكئيب المقيت الذي كبلتها فيه المظالم على كل المستويات، الاجتماعية والسياسية، الداخلية والخارجية.

"خواطر في زمن الثورة" تواكب هذه الثورة، منذ اللحظة التي أشعل فيها البوعزيزي النيران في قهره، مروراً بانفجار البركان في ميدان التحرير في القاهرة، معرجة على نداءات الليبيين للخلاص من حكم قذاذفة الدّم، هاتفة مع اليمنيين بالثبات والحق في "الوجود"، متضمخة بعبير دماء الأبرياء من أطفال درعا في سورية، الذين اعتقلتهم السلطات المتوحشة وعذبتهم وفرمتهم أن كانوا يلعبون لعبة الحرية بالطباشير في صف مدرستهم.

"خواطر في زمن الثورة"، تأتي مسجلة –أحياناً ساعة فساعة- لأحداث ثورة المنطقة منذ أيام فجرها الأول، مفسرة ملابسات ما كان يشهده العالم في سورية -بالذات-، ممَّا لا يمكن فهمه من تصرفات المستعمرين وأحذيتهم في بلادنا، ناقدة بصدق وتجرد كل تصرفاتنا وأخطائنا وتجاوزاتنا ورؤيتنا القاصرة للواقع والعصر الذي نعيشه، باعتبارنا الطرف الأهم في هذا الصراع الذي نشب على هامش الثورة، وباعتبار أنَّ الثورة لا يمكن اعتبارها ثورة، دون أن تمضي في اتجاهين ثابتين، شاقولياً وأفقياً، تفتح الطريق مكتسحة الأهوال التي تقف في وجهها، في ذات الوقت الذي تضرب فيه عميقا في الأرض مقتلعة جذور الخبث والفساد والخلل في أنفسنا، التي لم نؤتَ إلاّ منها.

بصائر: كتاب (خواطر في زمن المحنة) تمَّ تأليفه سنة 1986م، كيف تقيّمين تجربة المحنة المستمرة للشعب السوري مع استمرار ثورته لعامها السَّادس؟

السباعي: استغرقت كتابتي لخواطري في زمن المحنة عشرة أعوام، بدأت بتسجيلها وأنا على مقاعد الدرس في كلية العلوم في جامعة دمشق، أعيش تلك المحنة كعشرات الآلاف من الطلبة والشباب السوريين، كنا جيلاً يشعر بالإهانة، قد استُلِبت هويته، ومنع من حقوقه في بلده، وعاثت الغيلان فسادا في حياته.. أنهكه الظلم والتوحش والقمع، فبادرت فئات منه بانتفاضات وحرب عصابات مسلحة، كما تمليه أدبيات الثورات والانتفاضات المسلحة التي كانت سائدة في بلدان العالم الذي يسمونه ثالثا في تلك الأيام، التي لم يكن فيها هواتف متحرّكة ذكية ولا انترنت ولا فيسبوك ولا تويتر، ولا أيّ نوع من وسائل "التوعية العامة" لدى الناس بخطورة ما كان يجري في سورية، من ترسيخ حكم طائفي استبدادي مرتهن بالكامل لدى المجتمع الاستعماري الدولي بشقيه الشرقي والغربي، خادماً فعلياً لوجود وتسرطن الكيان "الإسرائيلي" في قلب المنطقة الناطقة بالعربية، خاصة وأنه –هذا النظام الطائفي المتوحش- قد ركب مركب المقاومة والممانعة فخدع الأحرار في مشارق الأرض ومغاربها، وبدعم مادي واستراتيجي ولوجستيكي من أئمة الثورة الخمينية الذين حاولوا تصديرها إلى أرض العرب أول مرَّة بالحرب، ولما فشلوا قرَّروا فرضها بسطوة الإعلام والعمل التشبيحي الشبحي عابر الحدود في كافة دول المنطقة.

النَّاس الذين عجزوا عن مقارعة هذا النظام الفاجر، تركوا الأمانة في صدور أبنائهم، وبيّنوا لهم الحق والباطل، كانوا يهمسون لهم بحقيقة ما يجري

بعد تدمير مدينة حماة السورية عام 1982م، معقل الثوار الذين كانت تقودهم "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين"، واستشهاد عشرات الآلاف في كلّ من حلب وإدلب وجسر الشغور وحماة ودمشق، واعتقال الآلاف، وتشريد مئات الآلاف من السوريين، وسط تعتيم إخباري كامل، بدا أنَّ الشعب السوري قد استكان وصمت، وأقول "بدا"؛ لأنَّ الشعب لم يكن في حقيقة الأمر مستكيناً ولا ساكتاً.

النَّاس الذين عجزوا عن مقارعة هذا النظام الفاجر، تركوا الأمانة في صدور أبنائهم، وبيّنوا لهم الحق والباطل، كانوا يهمسون لهم بحقيقة ما يجري، ذلك أنه كان للحيطان آذان في كل بيت في سورية، وكان تمادي النظام في غيّه وصلفه واستكباره وبطشه وسياساته الموغلة في الطائفية والنهب المنظم، اليد الطولى في تأجيج نيران الثورة ضده في قلوب الشباب من الجيل الذي ولد بعد تدمير مدينة حماة، ولم يشهد، ولم يعرف ماذا حدث في هاتيك الأيام .

انفجرت الثورة، وكانت هذه المرَّة، ثورة منطقة، وليست ثورة بلد واحد أو شريحة معينة، إنَّها ثورة شعب، وليس ثورة مجموعة سياسية فكرية دينية، كانت ثورة إنسانية عارمة، ذات أهداف بسيطة واضحة، لكنها في حقيقة الأمر بالغة الخطورة التاريخية، متشابكة معقدة مزلزلة، ليس في المنطقة العربية وحسب، بل بالنسبة للمجتمع الدولي الاستعماري بكافة أركانه.

اصطفاف وسائل الإعلام العربية مع الثورة في بداياتها، وخاصة في مصر وليبيا، تمخّض لاحقاً عن صمت القبور التي تمور فيها أشباح الظلم والحقد التاريخي والأنانية المطلقة للحفاظ على مصالح المستعمرين في بقاء المنطقة راكعة مكسورة الرّكب إلى الأبد.

ظهر الأمر بكل بساطة في عبارة واحدة، راح يردّدها معظم صناع الرأي الغربي في تعليقاتهم التحليلية على البث الحيّ والمباشر لما كان يجري في ميدان التحرير، عبارة واحدة فقط تفوّه بها أحدهم، ثمَّ ردّدها الجميع: "لا أدري بم تحتفون؟!، هذه الثورة وهذا الذي نشهده في القاهرة، إنَّما يعني بداية النهاية بالنسبة لنا!".

منذ ذلك الحين، وتماشياً مع كل الحماقات، والغباء المطبق الذي تصرّف به "الثائرون" أو من "ركب الثورة".. بدأت المحنة الرَّهيبة التي نعيشها ونشهدها اليوم على هامش الثورة.

اخترعوا "داعش" أو دعموها أو اخترقوها أو شجّعوها.. وجعلوا الثورة تمرّ في ذهن شعوب العالم على أنَّها "داعش"، فبرَّروا بذلك تدخلهم للقضاء عليها

انقضّ العالم كلّه علينا بخيله ورجله، بسطوته العسكرية، وسلطته الإعلامية، ومكره المخابراتي، ليقضي على الثورة، وبكل وسيلة ممكنة، ومهما كان الثمن.
اخترعوا "داعش" أو دعموها أو اخترقوها أو شجّعوها أو حرَّكوها بأجهزة تحكمهم في الأغبياء عن بعد!.. وجعلوا الثورة تمرّ في ذهن شعوب العالم على أنَّها "داعش"، فبرَّروا بذلك تدخلهم للقضاء عليها، جنباً إلى جنب مع اجتهادهم في إبادة تلك الفئات من الشعوب التي تجرأت فثارت.. وهم الآن يصفون حساباتهم فيما بينهم في أرضنا بدمائنا وأشلائنا، وعلى حساب وجودنا وآلامنا.

لا يمكن تقييم محنة، وأنت متلبس فيها، تعيشها، رائحة الدم تملأ رئتيك، ولون الدم يلون كل شيء في حياتك.. إلاَّ أنَّه لابدَّ من إيضاح أمرين بالغي الخطورة والأهمية على هامش الثورة، وهذه المحنة الكبرى التي يعيشها الشعب السوري، وكذلك اليمني والليبي والعراقي، ولم يسلم منها الشعب المصري ولا التونسي.

الثورة فعل تاريخي يولد ليستمر، لا يموت ولا يتلاشى ولا يفنى، يتحوَّل يتطوَّر يتقهقر يبدل مساراته.. لكنَّه لا يخبو ولا يموت

الأول: أنَّ الثورة فعل تاريخي يولد ليستمر، لا يموت ولا يتلاشى ولا يفنى، يتحوَّل يتطوَّر يتقهقر يبدل مساراته.. لكنَّه لا يخبو ولا يموت، إنَّه يذهب في الأرض كمِلحها وسمادها، ما يلبث أن يوفر أسباب الانتعاش والولادة من جديد ومن حيث ندري أو لا ندري.

والثاني: أنَّنا في هذه المحنة، كما في هذه الثورة، لم نؤت كشعوب إلاّ من عند أنفسنا، من قصورنا الإنساني والأخلاقي والحضاري، من ارتكاس النخب جميعها بكل انتماآتها، وعجزها عن أن تكون في قامة ثورة شعبية عارمة كهذه، أوتينا من ضمور قدرة اليمين الفكري والثقافي في المنطقة العربية على خوض ميادين السياسة والعمل الاجتماعي المنظم، ومن سقوط اليسار الفكري والسياسي في المنطقة العربية في مستنقعات التصعّر والنّأي بالنفس عن هوية المجتمع ومعاناته وإرادته. ناهيك عن صراعاتهما في خضم مرحلة تاريخية كهذه التي نعيشها.

بصائر: بين (المحنة) و(الثورة) ثنائيتان يجمع بينها خواطر في كتابيك، ما الجامع والرابط بينهما، ما دلالة التسمية؟ وهل المحنة سابقة للثورة أو مفجّر لها؟ رؤيتك للحل؟

السباعي: الرَّابط بين الكتابين، هو "إرادة التوثيق والتسجيل"، و"ضرورة" أن نترك للأجيال شهادتنا عمَّا يحدث وحدث.. تنقضي المحن، وتذهب الدماء في الأرض بعيداً، ويصبح الشهداء والعذابات –كما هو الفعل الثوري- سماد القمح الجديد الذي لا يستسيغه إلاَّ الأحرار، وتبقى "الكلمة" للتاريخ. لا تاريخ دون كلمات، ولقد اعتدنا أن لا يسجل تاريخنا إلاَّ "الأعداء" من الخارج ومن عند أنفسنا، أو المنتصرون، منا أو من الآخرين، ولا نملك "نحن" رؤيتنا الخاصة، رؤية الشارع، والجماهير، والثوار عن ثوراتنا وتاريخنا المعاصر والأحداث المجلجلة التي جرت وتجري فيه.

في هذه المحنة، كما في هذه الثورة، لم نؤت كشعوب إلاّ من عند أنفسنا، من قصورنا الإنساني والأخلاقي والحضاري

هناك تغييب بالغ الخطوة والإجرام لصوتنا، "نحن الصوت الآخر"، الصوت الذي يمثل الشعب، يمثل الهوية، الصوت القادر على النقد والتقييم، وطرح رؤيته في التقويم.. من أجل هذا ومنذ اليوم الأوَّل للثورة، كنت أراسل كلّ من أقرأ لهم في وسائل التواصل الاجتماعية من غير "مشاهيرنا اليمينيين واليساريين" ممَّن يمتلكون أقلاماً وبصائر.. كي يجمعوا ما يكتبونه ويسجلوا شهاداتهم على الثورة، لأننا "نحن".. ضمير الشعب الحقيقي المغيّب.. الموصدة في وجوهنا أبواب الإعلام، وساحات الثقافة، ووسائل الوصول إلى النَّاس، وسفن عبور الحدود بيننا وبين الآخر.

أمَّا ما يجمع بين "المحنة" و"الثورة".. فهو تصميم أسطوري لشعب قام يطالب بحريته وكرامته، فدفعته المحنة للتحدّي والصمود والمقاومة حتّى نيل الخلاص وتحقيق إرادته واستعادة هويته.

ما يجمع المحنة والثورة.. هو "الحق" و"الحقيقة" والدم.. الدم البريء الذي أريق، والقهر الفظيع الذي أصاب الناس، والاكتشافات المذهلة، والفضائح الرنانة التي تركتها الثورة كما المحنة في طريق شعوب كانت غائبة مغيبة، كانت كالسكارى وما هم بسكارى.. ولكن السكوت الطويل على "الظلم"، والاستكانة والرضوخ للظالمين، ومداهنة المستبدين الفاجرين.. لا تمرّ مرّ الكرام على أحد، إنَّ الشعوب تدفع ثمن نومها وشخيرها ولامبالاتها وتهويماتها، تدفعها غالياً جدّاً.. وهكذا كان.

دلالة التسمية، فرضها الحال الذي نعيشه، كنا نعيش في سورية محنتنا الخاصة في صمت، كنا أصحاب القضية التي لا يعرفها ولا يعترف بها أحد!، ولم يكن "النظام السوري" يختلف كثيراً عن "السرطان الإسرائيلي" الذي ضرب فلسطين، بل إنَّه صِنوه المستنسخ منه بحذافيره في صمت وشبحية وتمويه وكذب وتقية متلفعة بادعاءات نصرة القضية.

المحنة واقع امتدّ في حياتنا عقوداً، والثورة حالة تاريخية يريدون إخمادها باستمرار المحنة ومضاعفة معاناة الشعوب

"النظام السوري" ليس إلاّ الممثل الأمثل لكل "المنظومة الاستعمارية" المفروضة في المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها، والمتمثلة في "حكم نظام الطوائف" السياسية والفكرية والدينية والقبلية والأسرية.. "حكم الأقليات" التي ركّبها الاستعمار ليركب بها ظهور الشعوب بأقصى درجات القمع والاستلاب والكذب والتمويه. وهذه إحدى الحقائق الرنَّانة التي كشفتها الثورة، كما الحرب والمحن التي نشبت على هامشها.

المحنة واقع امتدّ في حياتنا عقوداً، والثورة حالة تاريخية يريدون إخمادها باستمرار المحنة ومضاعفة معاناة الشعوب، وصل الحال في سورية أن يقوم المجتمع الدولي الاستعماري اليوم بحرب إبادة حقيقية ضد أغلبية مكونات المجتمع السوري، ليغير التركيبة السكانية ويجعل الأغلبية أقلية.. ونحن هنا نتحدث عن "الملايين"، مئات الآلاف من القتلى، ومثلهم من المعتقلين والمختفين والمستعبدين في الظل، وملايين المهاجرين والمهجّرين.. أمام سمع وبصر عالم لا يرى ولا يسمع إلاَّ ما يريدُه له أكابرُ مجرميه.

زمن المحنة امتد اليوم ليتشابك مع زمن الثورة، محاولاً إغراق الثورة في لجج الدّماء والعذابات الرهيبة التي يعيشها الناس في سورية واليمن والعراق

هذا التواطؤ الرَّهيب، هذا الموت المجاني المعلن، هذا الدفع باتجاه نفق اليأس.. جعلنا نتأكّد ونؤكّد على أنَّ مجازر حماة وحلب وإدلب وجسر الشغور ودمشق ما بين السبعينات والثمانينات، إنَّما كانت تجري بمعرفة وإذن هذا المجتمع الاستعماري المهيمن على المنطقة منذ خمسين عاماً.

زمن المحنة امتد اليوم ليتشابك مع زمن الثورة، محاولاً إغراق الثورة في لجج الدّماء والعذابات الرهيبة التي يعيشها الناس في سورية واليمن والعراق –على الرغم من أن العراق لم يشهد ثورة، وإن كان ما يجري فيه، لا يمكن فصله ولا رؤيته إلاَّ في سياق "زمن الثورة".

الكتابة في "زمن الثورة" ليست إلاَّ نوعاً من أنواع التحدّي الصَّارخ لهذا الخلط الفظيع في الأوراق ما بين "المحنة" و"الثورة"، أو على وجه الدقة ما بين "الإرهاب" و"الحرب على الإرهاب" و"إرهاب الحرب على الإرهاب".

الكتابة في "زمن الثورة" ليست إلاَّ نوعاً من أنواع التحدّي الصَّارخ لهذا الخلط الفظيع في الأوراق ما بين "المحنة" و"الثورة"

إنَّها محاولاتهم الانتحارية للإبقاء على هيمنتهم، ومحاولاتنا الاستشهادية للبقاء، والتشبث بحقنا، والقبض على الجمر، والمضي نحو كوة النور في الدرب المظلمة الشائكة المليئة بالعوائق.

الكتابة في زمن الثورة ثورة، وينبغي أن تكون في سياق الثورة، وأن تكون معبرة عنها كثورة، لا تبالي بالمثبطين والمحبطين والأغبياء من صغار الآدميين الذي يريدون لنا أن نسكت، أو نسكت! يريدون لنا أن نسكت عن أخطائنا وزلاتنا وتجاوزاتنا كشعوب وكجماعات، وأن نطبطب على أكتاف الثوار بكل ما اقترفته أيديهم من "جرائم" بحق أنفسهم وحق الثورة، أو أن نكون ببغاوات تردّد ما يطلبه الجمهور من دغدغة للعواطف الرخيصة، أو مراقصة للجراح، أو أن نتبهرج بدماء الضحايا... فنكتب باكيين مولولين نادبين.

لم أسكت في "خواطر في زمن المحنة" عن الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبها الثوار في حينه، ولن أسكت اليوم عن الأخطاء والتجاوزات التي يرتكبها الشعب والثوار في قلب ثورة

ليس هذا ما كتبته في خواطري في زمن الثورة، ولن يكون أبداً بإذن الله، لم أسكت في "خواطر في زمن المحنة" عن الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبها الثوار في حينه، ولن أسكت اليوم عن الأخطاء والتجاوزات التي يرتكبها الشعب والثوار في قلب ثورة، لن تستكمل أهدافها ما لم نغيّر ما بأنفسنا، وما بأنفسنا قبيح يقعد بنا عن أن نكون في مستوى ثورة عظيمة كهذه.. الحل، من وجهة نظري، يتعلق مباشرة "بنا"، وليس بكل هذه القوى المتوحشة الوالغة في دمائنا.

طالما تحدّث المتفكرون والمنظرون وصناع الرَّأي من الإسلاميين خاصة، عن ضرورة الإعداد والتربية والتمهيد للتغير والإصلاح، بينما كان غير الإسلاميين منهمكون في اجترار الأفكار المستوردة من هنا وهناك، وإعادة تدويرها فيما بينهم وحدهم، في منابرهم العاجية، ووسائل إعلامهم المغلقة عليهم وحدهم... لا يصل منها للشعب إلاّ اللّمم.. وقد فشلت الجهتان في قيادة الثورة.

الإسلاميون نجحوا في تربية جيل عريض حفظوا عليه بعض جوانب هويته، فهو يمثل الشعب شاء مَنْ شاء وأبى مَنْ أبى، وغير الإسلاميين نجحوا في إيصال فكرهم إلى نخبة قليلة جداً من الشباب الذي يتطّلع إلى الخلاص ولكنَّه لا يمثل عامَّة الشعب، ضائع من منظور الهوية، متخبط ما بين المثل الفكرية غربها وشرقها.. كلا الفريقين من إسلاميين وغير إسلاميين، كان عاجزاً عن فهم طبيعة الشعب وأبعاد إرادته وتطلعاته ومحنته الحقيقية..

هكذا شبّ الشعبُ بكل انتماآته عن الطوق، وتجاوز هؤلاء جميعهم، واندلعت الثورة بكل فئاتها الشبابية من إسلامية وغير إسلامية، لا تلوي على تلك النخب يمينها ويسارها، وكانت بدايات الثورة مذهلة بكل مقاييس ما أسمّيه "المنظومة الأخلاقية والفكرية للثورة"، صهرت الشعب كلّه بكل تنوّعه الإنساني والفكري والسياسي والديني في بوتقة الثورة التي تتوجه نحو المطالبة بالحرية والكرامة للجميع.

حتّى جاءت القوى الإقليمية الغبية والدولية المتوحشة فتدخلت في سياق الثورة واخترعت لنا "داعش"، واخترقت الثورة باسم مساعدتها ونصرتها فحرفتها عن مسارها الشعبي الطبيعي، وبرز دورها التدميري في هذه الثورة، ممَّا جعلنا نعود من جديد إلى زمن المحنة العامة الشاملة الطامة هذه المرَّة.
لا خلاص ولا حل إلاّ بوعي الشعب لهذه الحقائق، ووعي النخب الإسلامية وغير الإسلامية -قبل الشعب- لها..

الحل يمرّ بوعي الناس أنهم يعيشون ثورة، وبإدراكهم أنه لابدَّ من المضي قدماً ولا عودة

كثيرٌ من هذه النخب بدأت بمراجعات كبيرة وخطيرة ومشكورة، ولكن هذه المراجعات الفكرية والثقافية، لم يصاحبها سلوك يقدّم مؤشرات حقيقية على رغبتها في مدّ الجسور.

وما دامت النخب تتذبذب بين هذه الاستقطابات السياسية والفكرية، ولا تجد مساحة مشتركة تضمها في سياق ثورة شعب يذبح، فلن نجد هادياً حقيقياً -طبقة قيادية جماعية هادية- يحمل النور ويرسم طريق الخلاص لهذه الجموع.

الحل يمرّ بوعي الناس أنهم يعيشون ثورة، وبإدراكهم أنه لابدَّ من المضي قدماً ولا عودة، وبفهمهم أننا ما لم نحدث ثورة في أنفسنا، فقد نمضي نحو صحراء "تيهٍ" لا نخرج منها إلاَّ بعد عقود من الزَّمن. ودور النّخب في هذا استثنائي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف يمكن للحركات الإسلامية جبَّ الغيبة عن نفسها وأتباعها؟

يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لو أصبت تسعاً وتسعين وأخطأت واحدة لترك النـاس ما أصبت …