“الكوتة” المسيحية وورقة عباس الطائفية في الانتخابات المحلية الفلسطينية!

الرئيسية » بصائر الفكر » “الكوتة” المسيحية وورقة عباس الطائفية في الانتخابات المحلية الفلسطينية!
election6

يوم 28 يوليو الماضي، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته، مرسومًا رئاسيًّا خاصاً بالهيئات المحلية التي سوف يتم الاقتراع لاختيار أعضائها في الثامن من أكتوبر المقبل، محددًا فيه "كوتة" أو عدد من المقاعد المخصصة للمسيحيين، تفوق ما هو مخصص للمسلمين، أو للمرشَّحين بشكل عام، في تسعة بلديات، من بين أهمها رام الله وبيت لحم.

كما أن المرسوم تضمن كذلك تحديد الهوية الدينية للفائز بمقعد رئيس البلدية، لشخصية مسيحية.

مبدئيًّا، وقبل مناقشة خطوة عباس الأخيرة؛ فإنه يجب التأكيد على أمر شديد الأهمية، وهو أن أية انتقادات لقرار أو مرسوم عباس هذا لا تعني أو تتعلق بالمسيحيين؛ حيث إنهم شركاء الوطن الفلسطيني، والتعايش بينهم وبين المسلمين قائم منذ الفتح الإسلامي لفلسطين في عهد عمر بن الخطاب "رَضِيَ اللهُ عنه"، مع التزام المسلمين بالعهدة العمرية التي أمنت المسيحيين على صلبانهم وكنائسهم.

والمسيحيون، وخصوصًا في القدس المحتلة، يعتبرون أحد أهم أعمدة التصدي لمخططات الاحتلال التهويدية، وفيهم نماذج وطنية مشرفة، يقومون بأدوار مهمة في كشف الانتهاكات الصهيونية في القدس المحتلة وفي حق المقدسات في فلسطين بشكل عام، ويسدون ثغرة مهمة في مخاطبة الرأي الغربي في هذا الصدد.

والتأكيد على ذلك ضروري، حتى لا نحقق من دون أن ندري بعض مستهدفات عباس ومَن ورائه من مثل هذه القرارات التي تستهدف ضرب النسيج الاجتماعي الفلسطيني، من أجل تحسين الموقف السياسي لحركة "فتح"، وتحقيق المزيد من الاستفراد لها بالساحة السياسية الفلسطينية.

وهذا الكلام ليس من نافلة القول؛ لأن الإفراط في انتقاد القرار من دون توضيحات مثل هذه، سوف يقود إلى تحقيق هدف مهم لمن يخططون مثل هذه الأمور السوداء، وهو خلق مشكلة طائفية لحركة "حماس" في قطاع غزة نفسه.

وبالرغم من أن عدد المسيحيين في قطاع غزة قليل؛ حيث لا يزيد تعدادهم عن 3500 مواطن؛ إلا أنه لو اندلعت أزمة؛ فإن الإعلام الموالي للسلطة، والمعادي لحركة "حماس" بشكل عام؛ سوف يعمل على تضخيم صورتها.

معضلات قانونية وسياسية في المرسوم:

"الكوتة" لا تتناسب مع عدد المسيحيين في هذه البلديات التسعة، وهو ما يعني أن هناك خلفيات أخرى للمرسوم لا تتعلق إطلاقًا بمسألة حفظ حقوق الإخوة المسيحيين في هذه البلديات

أول ما ينبغي الإشارة إليه عند مناقشة مرسوم عباس، هو أن "الكوتة" لا تتناسب مع عدد المسيحيين في هذه البلديات التسعة، وهو ما يعني أن هناك خلفيات أخرى للمرسوم لا تتعلق إطلاقًا بمسألة حفظ حقوق الإخوة المسيحيين في هذه البلديات.

فلو أخذنا بيت لحم، باعتبار أنها واحدة من ثلاثة أكبر تجمعات للمسيحيين في فلسطين التاريخية بالكامل، بعد القدس، وقبل الناصرة؛ لوجدنا أنه وفق تعداد العام 1998م، فإن المسيحيين فيها لا يتجاوز تعدادهم الأربعين بالمائة، بينما مرسوم عباس منحهم 55 بالمائة من مقاعد البلدية؛ حيث منحهم 8 مقاعد، و7 للمسلمين بالإضافة إلى مقعد رئيس البلدية.

ولو كان هذا المنطق قائمًا في بيت لحم نفسها؛ فإننا سوف نجده موجودًا في باقي الدوائر التي خصص فيها عباس مقاعد للمسيحيين.

الأمر الآخر الذي تجب الإشارة إليه في هذا الصدد، هو أن موضوع "الكوتة" يخالف المادة التاسعة من القانون الأساسي الفلسطيني، تحت باب الحريات العامة والحقوق، والتي تقول: "الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة".

في حقيقة الأمر، أن المشكلة ليست في مرسوم عباس فحسب، بل إنها تكمن في القانون المعروف باسم قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية، وهو القانون رقم (10) لسنة 2005م وتعديلاته، والتي أعطت رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، صلاحية إصدار مرسوم يخصص فيه عددًا من المقاعد للمسيحيين في بعض دوائر الهيئات المحلية.

فهذا البند يخالف المادة السابقة من القانون الأساسي الفلسطيني، والتي تؤكد على مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين جميع الفلسطينيين، وحتى هذه الصلاحية لم تخوِّل رئيس السلطة أن يعطي رئاسة تلك المجالس للمسيحيين كما فعل عباس.

بعض المؤيدين للسلطة ورئيسها يرون في القرار أنه تثبيت للوجود المسيحي في هذه البلديات، وهو أمر مردود عليه، فالوجود المسيحي في هذه البلديات ضعيف من الأصل باستثناء بيت لحم، ولا يمكن منع هجرة المسيحيين خارج هذه البلديات لمجرد أن لهم غالبية في مجالسها البلدية؛ حيث لا علاقة بين الأمرَيْن.

هجرة المسيحيين من مناطقهم خاضعة لسياسات الاحتلال الصهيوني، وعباس هو والسلطة هما المسؤولان عن التصدي لهذه السياسات

فهجرة المسيحيين من مناطقهم خاضعة لسياسات الاحتلال الصهيوني، وعباس هو والسلطة هما المسؤولان عن التصدي لهذه السياسات، وليس من بين حلول ذلك افتعال أزمة طائفية؛ حيث لن تقبل كل المكونات الفلسطينية في هذه البلديات، هذا الوضع.

التفسير الأقرب للمنطق هو أن الأمر محاولة للتحكم بأكبر قدر ممكن من الآليات في نتائج الانتخابات المقبلة في اتجاهَيْن، تأطيرها لصالح "فتح"، ومنع "حماس" من تحقيق اختراقات غير متوقعة في الانتخابات.

فالمخطَّط منذ البداية، كان يشمل توقُّعًا بأن "حماس" لن تدخل هذه الانتخابات، وأنها سوف تعمل على تعطيلها في قطاع غزة، وهو ما سوف يكون ورقة سياسية وإعلامية تلعب بها حركة "فتح" في أزمة الانقسام، وتصوير "حماس" على أنها هي التي تصر على الاستمرار في الانقسام.

ولما قبلت "حماس" التحدي؛ فإنها على يقين من أنها لن تتمكن من دخول الانتخابات في الضفة بقوائم صريحة تخصها، لأنها تعلم أن التعامل الأمني من جانب السلطة ومن جانب الاحتلال؛ سوف يكون هو الأساس في التعامل مع أعضاء أية قوائم تشكلها "حماس".

ومن ثَمَّ؛ فإنه من المتوقع أن تقوم "حماس" بخوض الانتخابات من خلال قوائم أخرى بالتضامن مع قوى فلسطينية أخرى.

ومن هنا جاءت خطوة عباس التي تحصِّن أكبر تسعة بلديات في الضفة، مع وجود هاجس لديه من أن الانقسام الداخلي بين الجناح المؤيد له في حركة "فتح"، والجناح المؤيد لمحمد دحلان، سوف يؤثر على موقف قوائم "فتح" في الانتخابات.

عباس يلعب بأهم ورقتَيْن له في هذه الانتخابات من أجل إعاقة حركة "حماس" عن تحقيق اختراق كبير في الانتخابات المحلية، في دوائر الضفة، وهما: الأولى التنسيق الأمني والورقة الطائفية

إذًا في الأخير؛ فإن عباس يلعب بأهم ورقتَيْن له في هذه الانتخابات من أجل إعاقة حركة "حماس" عن تحقيق اختراق كبير في الانتخابات المحلية، في دوائر الضفة، وهما: الأولى التنسيق الأمني كما يتضح من خلال عمليات الاعتقال المنسقة بين قوات السلطة وقوات الاحتلال لرموز "حماس" وكل مَن هو متوقع أن يدخل الانتخابات.

أما الورقة الثانية، فهي الورقة الطائفية، والتي تبرز كيف أن السياسة الدَّنِسَة قد تفعل أي شيء لمجرد الحفاظ على الكرسي والمصالح الشخصية!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

مسألة إغلاق المساجد.. وفن إدارة الأزمة

بعد مرور أكثر من شهرين على إغلاق المساجد، ما زال الكل يتساءل هل بات إغلاقها …