الله لا يحابي .. حتى الذين يدعونه!

الرئيسية » خواطر تربوية » الله لا يحابي .. حتى الذين يدعونه!
victory6

اختلطت بعض المفاهيم لدى الكثيرين من الناس فيما يتعلق بتأييد الله لنا كمسلمين ونصرة الله لعباده المؤمنين؛ خاصة المظلومين منهم والمقهورين. فترى الكثير من الدعاة والخطباء يخطبون بالناس أن الله ناصرنا وأن الله مولانا ولا مولى لهم، وأنه مهما طال ليل الظلم فإنه ستشرق أنوار فجر الحق وغير ذلك من هذه العبارات الرنانة والخطب المنبرية الخاوية.

وبالاستقراء منذ زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا بل إلى يوم الدين فإن يد الله لا تتدخل لفئة على حساب فئة تحيزاً دونما أسباب واقعية، وهناك خلط كبير بين نصر الله لعباده المؤمنين الذين أعدوا عدتهم وجهزوا أنفسهم وأخذوا بكامل الأسباب وبين أن ينصر الله الناس فقط لأنهم يؤمنون به متكلين على ذلك دون عمل واجتهاد.

{يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد:7]. بهذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث يستشهد جل الوعاظ الذين لا عمل لهم سوى الكلام.

وفي الحقيقة أن الآية لا تعنيهم من قريب ولا من بعيد، فلن ينصر الله بالهوية فقط، لن ينصر الله بالكلمة فقط، ولن ينصر الله بالانتساب فقط، ولو استمر الحال على حاله قرناً من الزمان أو أكثر!

القارئ للتاريخ يعلم أن الله ينصر من أعد عدته وجهز نفسه وأخذ بكافة الأسباب، أما إذا كان هناك قصور إيماني أو تقصير في الإعداد فإن الله لا يتدخل، وستحكم النتيجة تلك الأسباب المادية

وإن القارئ للتاريخ ليعلم أن الله ينصر من أعد عدته وجهز نفسه وأخذ بكافة الأسباب، هنا سينصره الله عز وجل، لكن إذا كان هناك قصور إيماني أو تقصير في الإعداد فإن الله لا يتدخل، وستحكم النتيجة تلك الأسباب المادية.

فلعل المسلمون ينتصرون بتجهيزهم والله لم يساعدهم، ولعل الكافر يتغلب على المؤمن لتغلبه عليه بالتخطيط والإعداد طالما أن المؤمن بعيد عن الله أو أنه ساذج لدرجة أنه ترك الأسباب وعلق الآمال على معجزة سمائية تهبط إلى الأرض لتحسم الأمر لصالحه؛ ولغزوة حنين أكبر شاهد على ذلك.

وهذا ينطبق على شؤون حياتنا كلها وليس فقط على الحرب والإعداد فالذي قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} هو الذي قال: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} وهو القائل تعالى: {فامشوا في مناكبها} وكثير من الآيات والأحاديث النبوية جاءت لتحث على العلم والتخطيط والإعداد الجيد، وكلنا نعلم كيف فرق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بين التوكل والتواكل.

لن يأتيك رزقك طالما أنك جالس لا تسعى، لن يأتيك النصر طالما أنك متخاذل متنسك في صومعتك، لن يأتيك التفوق والنجاح طالما أنك لاعب لاهٍ، باختصار لن تتقدم طالما أنك قائم مكانك لا تتحرك.

اعمل ما طلبه الله منك، وبيقين تام على الله، عندها سيحقق الله لك المعجزات

ولقد علمنا القرآن الكريم الكثير الكثير من الدروس والعبر في ذلك، فالله أمر موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه لينشق له، فلا موسى عليه السلام ولا العصا بقوة شق البحر، ولكنه الله الذي لم يرد أن يشق البحر دون عمل من موسى، والله الذي أمر مريم العذراء عليها السلام بهز جذع النخل يتساقط عليها رطبا جنياً، فما حيلة امرأة تعاني آلام المخاض لتهز جذع النخل حتى يتساقط عليها الرطب، وإن العصبة من الرجال ليصعب عليهم هز جذع النخل، ولكنه العمل المسابق للنتيجة، الفعل الذي يجب أن تبادر به، اعمل ما طلبه الله منك، وبيقين تام على الله، عندها سيحقق الله لك المعجزات، فالمعادلة باتت واضحة إيمان ويقين بالله، وعمل وإعداد، ثم اترك النتيجة على الله، هذا فعلا وحقاً هو التوكل.

ليس هناك ذنب أبغض على الله على وجه الأرض من إراقة دم المسلم، وإن الله لم يرفع الظلم عن المسلمين مرات عديدة، حتى سعوا بأنفسهم لرفع الظلم عنهم، فالمسلمون رزحوا تحت الاحتلال الصليبي لبيت المقدس وجل الشام قرابة قرن كامل من الزمان، ولم يذهب هذاالظلم إلا بذلك الإعداد المتناهي جيلا بعد جيل من مدرسة الإمام الغزالي إلى عماد الدين زنكي إلى أبنائه ومن ثم إلى صلاح الدين الأيوبي الذي مكث السنوات الطوال وهو يعد بالجيش الخاص لتحرير بيت المقدس ورفع الظلم عن العباد المظلومين المقهورين.

بالتأكيد لقد رأى الله عز وجل دماء المسلمين التي سالت يوم احتلال بيت المقدس، ورأى المظلومين هناك، ورأى الطفل يسحب من يد أمه ثم يقتل أمامها، ورأى الأم تقتل وفي أحشائها طفل جنين، وسمع صرخات الثكالى ودعاء المسنين، لكن الله لم ينزل غضبه على المحتلين وعلى الكافرين، لم ينزل ملائكة تقاتل عن المسلمين، قد ينزل الله الملائكة لتقاتل مع المؤمنين، لكنه مطلقاً لا ينزلهم لتقاتل عنهم، فهذه سنة الله في كونه.

لقد أصاب اليأس قلوب كثير من عوام الناس يوم الانقلاب المشؤوم في مصر وقد سالت دماء الصائمين القائمين والطاهرات العفيفات في ميادين ومساجد مصر إبان الانقلاب، ونادى العوام أين الله؟ أين وعد الله؟ لماذا لا ينصر المظلومين؟

لن ينتصر المؤمن فقط لأنه مؤمن، وهذا لا علاقة له بدخوله الجنة، قد يكون كل المقتولين في الجنة عند الله في الآخرة، لكن هذا لا يوجب لهم نصراً في الدنيا دونما إعداد

لا تتعبوا أنفسكم بهذه الأسئلة فطالما أنه هناك قلة في العمل وضعف في الإعداد فإن الله عز وجل لن يتدخل، لن ينزل جبريل ليعيد الشرعية للرئيس المنتخب، ولن تنزل الملائكة لتقاتل الجيش الباغي القاتل، ببساطة إنها سنة الله في كونه، لن ينتصر المؤمن فقط لأنه مؤمن، وهذا لا علاقة له بدخوله الجنة، قد يكون كل المقتولين في الجنة عند الله في الآخرة، لكن هذا لا يوجب لهم نصراً في الدنيا دونما إعداد، ونستطيع أن نقول أن عكس هذا تماماً هو ما حدث في تركيا الشهر المنصرم؛ حيث كان الإعداد السياسي ووعي الناس وتماسك النظام السبب الرئيسي لمنع تلك المحاولة الفاشلة ولو أنهم لم يكونوا على هذا الاستعداد لما نصرهم الله ولباتت تركيا ومصر مترافقتان اليوم في قبو التخلف سوية.

على كل هذا قس في مصر واليمن وأفغانستان والعراق حتى فلسطين، في شؤون العامة وفي شأنك الخاص، لو مكثت الدهر كله تدعو وتستنصر بإيمانك دون الأسباب المادية فإن الله لن يعطيك شيئاً مطلقاً؛ وقد اختصر ذلك كله المفكر مصطفى محمود في عبارته الشهيرة: "إذا نزل مؤمن وكافر إلى البحر فلا ينجو إلا من تعلم السباحة، فالله لا يحابي الجهلاء فالمسلم الجاهل سيغرق والكافر المتعلم سينجو”.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

بين إدراك الحاجات والانسياق وراء الشهوات

كثيرا ما يتحدث علماء الأخلاق والتربية عن ضرورة تعهد الإنسان نفسه ومن يعول وضبطهم بالأخلاق …