أمريكا والتحريض على “صِدَام” الخدمي والسياسي للصوفية الحركية في تركيا

الرئيسية » بصائر الفكر » أمريكا والتحريض على “صِدَام” الخدمي والسياسي للصوفية الحركية في تركيا
980764_Turkey-Military-Coup.JPE45

من بين حقائق التاريخ أن أصل حزب العدالة والتنمية وجماعة "الخدمة" في تركيا، هو أصلٌ واحد، وهو الصوفية الحركية التي كان بديع الزمان النورسي أبًا لها، ولئن كان هناك صِدامٌ في الوقت الراهن، كما هو ظاهر للعيان، بين ما هو سياسي وما هو دعوي في الوقت الراهن من روافد دعوة النورسي؛ فإن الصدام لا يعود إلى محتوىً قيمي أو فكري، أو صدام حقيقي بين الاتجاهين، بقدر ما هو يعود إلى أدوار لعبتها قوى خارجية، لا ترغب في أن ترى أية تجربة إسلامية ناجحة.

ينتمي حزب العدالة والتنمية في جذوره، وجماعة "الخدمة" كذلك، إلى النورسية، وهي جماعة إسلامية قريبة في الطريقة التي تكونت بها إلى الجماعات الصوفية؛ حيث يدور أتباعها حول شخصية مؤسسها، سعيد النورسي أو بديع الزمان النورسي كما يُعرَف في أدبيات أتباعه، وهو عالم مسلم سُنِّي من أصول كردية، بينما لم يعرف للحركة النورسية إطار تنظيمي محدد، مما جعلها أقرب إلى أسلوب الطرق الصوفية المعروف.

ولكن، وهو أمر معروف تاريخيًّا؛ فإن النورسية لم تكن جماعة صوفية بالمعنى المتعارف عليه؛ حيث فيها الكثير من الاختلافات عن الطرق الصوفية العادية، جعلتها تُسمَّى بالصوفية الحركية، مع كونها لم تقف عند حدود قضية التقاء أتباعها عند رؤى مؤسسها حول الله سبحانه وتعالى، وحول حقائق الإيمان، وكيفية تهذيب النفس والسلوك، وإنما كان لها جانب حركي شديد الأهمية، فيه الكثير من سمات حركات الإسلام السياسي المعاصرة، وهو التصدي للمد العلماني الذي فرض نفسه على تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية، وإمساك مصطفى كمال أتاتورك بزمام الأمور في هذا البلد، وإعلانه قيام جمهورية علمانية على أنقاض الدولة العثمانية بين عامَيْ 1923م و1924م.

ومع كون النورسية جماعة غير حركية، فقد انساحت أفكارها في الكثير من القنوات السياسية والاجتماعية، وحتى الحزبية، عندما تحالف الزعيم الإسلامي التركي الراحل، نجم الدين أربكان، معها لتأسيس أول حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية، وهو حزب النظام الوطني، عام 1970م، والذي كان حزب العدالة والتنمية آخر "أحفاده"، واستطاع أن يتولى الحكم في تركيا منذ العام 2002م، وحتى يومنا هذا.

كما يُنسب رئيس الحكومة الراحل عدنان مندريس إلى التيار النورسي؛ حيث كان من بين "اتهامات" الانقلابيين له، خلال أزمة انقلاب العام 1960م، بأنه عمل على إذكاء المشاعر الدينية لدى الفلاحين، وأنه استغل في ذلك، سلسلة من سياسات الإصلاح الزراعي التي وضعت تركيا على رأس دول الشرق الأوسط وأوروبا إنتاجًا للكثير من المحاصيل الاستراتيجية.

وهي نفس استراتيجية النورسي التي لجأ إليها حتى بعد نفيه إلى خارج البلاد؛ حيث إنه فهم أنه من الصعوبة بمكان مواجهة العلمانية الأتاتوركية في المدن التركية، وكان أن بدأ بإرسال مطبوعاته إلى المناطق الريفية التي وجد أنه من الأسهل التغلغل فيها، مع كونها – كذلك – لا تزال تحافظ على هويتها أكثر من المدن.

ومندريس – وهو أو رئيس حكومة منتخب في تاريخ تركيا – كان بالفعل قد وعد صراحة بتخفيف مظاهر العلمانية في البلاد، ومنح الأتراك المزيد من الحقوق في مجال حرية الاعتقاد.

تجمع المصادر التاريخية كافة على أن كولن وجماعته، تعود إلى ذات الجذر الذي نشأته منه حركة مندريس وحزب أربكان الأول، وهو الحركة النورسية، أو الصوفية الحركية

اللافت أنه، وفي نفس العام الذي أسس فيه أربكان حزبه الأول، أسس فتح الله كولن جماعة "الخدمة"، في أزمير، ولكن جماعته ركزت على العمل الاجتماعي والخيري، وتأسيس المدارس، ثم لم تلبث أن تمددت لكي تشمل في أنشطتها قارات العالم الخمس.

وتجمع المصادر التاريخية كافة على أن كولن وجماعته، تعود إلى ذات الجذر الذي نشأته منه حركة مندريس وحزب أربكان الأول، وهو الحركة النورسية، أو الصوفية الحركية، وإن مال كولن وجماعة الخدمة، إلى خدمة الجانب الروحي في الإسلام، أكثر من الناحية الحركية.

ثم نصل هنا إلى نقطة زمنية مهمة، وهي انتقال كولن إلى الولايات المتحدة عام 1999م، وهو ذات العام الذي وقع في الانقلاب العسكري الناعم على أربكان عندما كان في منصب رئيس الوزراء؛ حيث نأى كولن بنفسه وجماعته عن الانقلاب برمته.

ومن المعلوم من السياسة بالضرورة، وهي ظاهرة مرصودة ولها مقاييسها الإحصائية المضمونة النتائج في عالمنا العربي والإسلامي، أن أية معارضة تتشكل ضد أنظمة الحكم الوطنية أو القومية أو الإسلامية التي تختط لنفسها خطًّا مخالفًا للسياسة الغربية، غالبًا ما تقودها شخصيات ورموز تلقت تعليمها الأكاديمي، أو قضت فترة طويلة من حياتها في الولايات المتحدة.

أية معارضة تتشكل ضد أنظمة الحكم الوطنية التي تختط لنفسها خطًّا مخالفًا للسياسة الغربية، غالبًا ما تقودها شخصيات تلقت تعليمها الأكاديمي، أو قضت فترة طويلة من حياتها في الولايات المتحدة

وهي قاعدة لم تشذ ولو في حالة واحدة، من إندونيسيا سوكارنو في الستينيات، وحتى فنزويلا شافيز في العقد الأول من الألفية الجديدة، ثم وصولاً إلى تركيا يوليو 2016م.

ولو تأملنا في حالة المعارضة الليبرالية حاليًا في دول الخليج العربية؛ لوجدنا أن غالبية الرموز التي تتزعم حركة الخروج عن التقاليد والعادات الإسلامية المتينة لهذه المنطقة، بما فيها بلاد الحرمَيْن، تحت مسمى "الانفتاح" و"التحرر" و"حقوق المرأة"؛ هي من صنيعة الكليات والجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية، والتي كثيرٌ منها مقرب من دوائر الاستخبارات والأمن القومي.

ومنذ بداية الأزمة في سوريا، مثلت المواقف التركية المتعارضة مع السياسات الأمريكية في الأزمة، نقطة توتر بين الجانبين، التركي والأمريكي، وتُوِّجت الأزمة في الأخير، وهو ما ثبت بأدلة بصرية ووثائق تسرب بعضها إلى الإعلام، بتورط بعض الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكيين في دعم المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت في تركيا.

وكان مخلب القط الأمريكي في هذا الأمر، هو حركة "الخدمة" التي تغلغلت في صفوف المجتمع التركي وفي مختلف مؤسساته وسلطاته، عبر عقود طويلة من العمل المتواصل، وسمحت حتى حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة به، قبل أن يتضح دور كولن في محاولة هدم الدولة التركية.

سماح العدالة والتنمية لجماعة "الخدمة" على مدار أكثر من عشر سنوات من حكمه، منذ 2002م، وحتى العام 2012/2013م، عندما ظهرت الأزمة بين الطرفين إلى العلن، بعدما بدا للحكومة التركية أدلة واضحة على تآمر كولن على نظام الحكم الحالي في تركيا؛ يقول بأن المشكلة بين الطرفَيْن لا تتعلق بأزمة منهج أو قيمة بعينها بين التطبيق السياسي والحزبي للحركة النورسية، ممثلاً في حزب العدالة والتنمية، وبين التطبيق الدعوي والاجتماعي لها، ممثلاً في جماعة "الخدمة".

الأزمة بين الطرفَيْن نشبت بسبب استغلال الغرب، ممثلاً هنا في الولايات المتحدة، لرموز بعينها داخل جماعة "الخدمة"، من أجل تصفية حسابات مع الحكومة التركية، والتي حتى من قبل الأزمة السورية، وقفت ضد المحاولات الأمريكية لاستخدام القواعد الجوية التابعة لحلف "الناتو" في تركيا، في غزو العراق في العام 2003م.

الكثير من الأقلام؛ تحاول أن تصور الأزمة الراهنة بين الدولة التركية وجماعة "الخدمة" على أنها صراع إسلاميين، وأن المشروع الإسلامي غير قادر على استيعاب بعضه البعض

هذه الإيضاحات هي من الأهمية بمكان؛ لأن الكثير من الأقلام في الوقت الحالي؛ تحاول أن تصور الأزمة الراهنة بين الدولة التركية وجماعة "الخدمة" على أنها صراع إسلاميين، وأن المشروع الإسلامي غير قادر على استيعاب بعضه البعض، وأنه لو حقق نجاحًا في المجال السياسي؛ فإنه يفشل في التعامل مع نظرائه الناشطين في المجال الاجتماعي.

وهؤلاء من الأصل يتناسون حقيقة مهمة، وهي أن الأساس الذي بنى حزب العدالة والتنمية تجربته عليه، إنما هو الأساس الاجتماعي والتنموي، فهو ليس بدعًا من ذلك من بين الأحزاب الإسلامية الحركية في مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي.

والآن؛ الواجب الرئيسي على الحكومة التركية في عمليات التطهير التي تقوم بها في الوقت الراهن ضد العناصر الانقلابية والمتآمرة، أن تعمل على بث رسالة مفادها أن المشروع الإسلامي الحركي واحد، وإن كل الصراعات التي تجري؛ إنما هي عبارة عن مؤامرات يفتعلها الخارج العدو، من أجل إفشال التجربة!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير كرة الثلج” وكيفية التعامل مع الخبرات المتراكمة

مصطلح "تأثير كرة الثلج" هو مصطلح مجازي يصف حدثًاً يبدأ من مرحلة مبدئية لا يؤثر …