انحرافاتنا الأخلاقية والتربوية وضرورات الإصلاح السياسي

الرئيسية » بصائر الفكر » انحرافاتنا الأخلاقية والتربوية وضرورات الإصلاح السياسي
society27

إن المتأمل المعتبِر في الوقت الراهن للأزمات والمشكلات التي تمر بها مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ فإننا سوف نقف أمام ظاهرة هي ربما واحدة من أخطر المشكلات التي تنتزع هذه المجتمعات من جذورها وهويتها، وتقود إلى انهيارها، وهو ما هو متحقق في وقتنا الراهن، بشكل أو بآخر في أكثر من مجتمع.

تتعلق هذه المشكلة بالتحريف الكبير الذي طال الكثير من الآفات الأخلاقية والانحرافات السلوكية، والتي، وعبر عقود طويلة من النشاط الإعلامي والفكري المحموم، استخدِمَتْ فيها مختلف وسائل وأدوات القوة الناعمة، بكل ما لها من قدرة على النفاذية، بحيث صار الخطأ متاحًا، بل وقد يكون له جاذبية "إنسانية" لدى أبناء هذا المجتمع.

ولنأخذ على سبيل المثال في هذا الصدد، آفة العلاقات غير الشرعية، الآن "الزنا" صار له مصطلحات "ألطف"، وهدف ذلك تسهيله، لنشر الرذيلة في المجتمعات العربية والمسلمة؛ حيث صار "علاقات عاطفية"، أو "علاقات حميمية"، أو حتى إطلاق عبارات سلبية أخف عليها، مثل "علاقات غير شرعية"، بينما غابت تمامًا كلمة "الفاحشة" و"الزنا" عن توصيف هذا الفعل القبيح.

بل إنه تم تقنينه؛ حيث إن الجيل الجديد الآن، تجد فيه فتيات لا تقبل بممارسة الزنا إلا مع الشاب الذي "تحبه" فقط، بل وتعتبر ذلك نوعًا من الشرف والارتقاء العاطفي!..

ونفس الأمر يتم في العلاقات بين بعض الشباب الخاطِب؛ حيث إن الصورة التي تناقلتها بعض الأعمال السينمائية المُسِفَّة والروايات المنحطة، والمبرمجة في إطار مخطط شامل لتذويب هوية الأمة؛ جعلت الخاطبين يضعون أنفسهم في مقام المتزوجين، وتكون الطامة الكبرى، ألا تتم الزيجة بعد وقوع جريمة الزنا، فيضيع مستقبل الفتاة على وجه الخصوص؛ حيث هي التي تدفع في الغالب ثمن تلك الخطيئة.

والمؤسف في الأمر، أن الشباب من الأجيال التي تعرضت لهذا التجريف الفكري، وصار عندها هذا اللون من ألوان الانحراف المعياري، الذي يتجاوز الانحراف القيمي لآفاق ضياع أكبر؛ يرون أمامهم نماذج أخرى لمشكلات وقعت لغيرهم، ولا يأخذون منها العبرة والعظة، وهو ما يعني أن العقل غائب تمامًا.

فحتى لو فرضنا أن الإنسان يسمح لنفسه بما حرَّم ربه عليه؛ فإنه على الأقل ينبغي أن يتمتع ببعض العقل والتمييز الذي يسمح له بتفادي ما يمكن أن يتسبب له في أي ضرر، حتى بالمنطق البراجماتي النفعي، لكن حتى هذه غائبة.

نحن أمام ظاهرة تراكمية ترسخت عبر الزمن؛ حيث تم تسهيل الرذيلة، والانحرافات بحجج مختلفة

ومن ثَمَّ؛ فنحن أمام ظاهرة تراكمية ترسخت عبر الزمن؛ حيث تم تسهيل الرذيلة، والانحرافات بحجج مختلفة، وإن ظل الأمر في إطاره المفاهيمي السليم؛ أن هذا انحراف، وسلوك خاطئ، وهو ما نسميه بالانحراف القيمي والأخلاقي.

ثم تطورت هذه الظاهرة إلى مستوىً أسوأ، وهو المتعلق بعدم وضوح فكرة الحرام والخطأ في هذا الأمر أو ذاك، وهو ما يُسمَّى بالانحراف المعياري؛ حيث غابت المعايير السليمة لتوصيف هذا السلوك أو ذاك.

ثم دخلنا الآن محطة غياب التمييز؛ حيث يقع الإنسان في ذات الخطأ الذي رأى غيره يقع فيه، وتسبب له في أبلغ الأضرار، وبرغم ذلك فهو يفعله!..

بل إننا الآن أمام ظاهرة وأجرؤ على التأكيد عليها وفق مقياس موضوعي؛ وهي أن غالبية الزناة والمنحرفين أخلاقيًّا الآن بشكل عام، قد لا يعرفون فُحش وخطورة ما يقومون به، لأنهم معبؤون بثقافة مجتمعية غاب عنها غرس حقيقة تعاليم الإسلام في هذه الأمور، وكيف قبَّحتها الشريعة، وذمت فيها أية مذمة.

وفي علوم العمران والاجتماع؛ فإنه من المعلوم بالضرورة، أن الاعتماد على رشادة المجتمعات، والوعي الجمعي لها، للتصدي للقيم السلبية والانحرافات، وتيارات الإسفاف والانحدار الحضاري بشكل عام، هو من أهم ما يمكن، بل ربما إنه الوسيلة الرئيسية لمواجهة هذه الأمور السلبية، والتصدي لمختلف التيارات الأخلاقية والفكرية الهدامة التي تستهدف هوية وقيم هذه المجتمعات.

وهنا مكمن خطورة هذا الأمر؛ فلو غابت هذه الرشادة، وهذا الوعي؛ فإنك تتصور المزيد من الانحدار لهذا المجتمع أو ذاك.

وهو ما يحدث بشكل عام في مجتمعات عربية وإسلامية!

فعندما تخلت الدولة عن دورها، وتركت المجتمع لتيارات وافدة، وداخلية، سعت إلى التجهيل والإفساد، لتسهيل مهمة الحاكم؛ عرفت المجتمعات العربية والإسلامية أزمة المعيارية في تقييم السلوك، سواء أكان منحرفًا أم إيجابيًّا.

يتعرض المرء إلى تأثيرات سلبية بمقادير أضعاف مضاعفة لما تلقاه من تنوير تربوي في المحاضن المختلفة

والمشكلة الكبرى الآن أنه لا يمكن مواجهة هذا الأمر من خلال جهد الدعاة والتربويين فحسب؛ حيث إن ما يتلقاه المرء في المسجد أو المدرسة، أو في أسرته إذا ما كان من أسرة تربوية لا تزال على فهمها وإدراكها؛ فإنه سوف يتعرض إلى تأثيرات سلبية بمقادير أضعاف مضاعفة لما تلقاه من تنوير تربوي في هذه المحاضن.

فنحن نرى الآن ما يتم عرضه على الشاشات الصغيرة والكبيرة، وفي الكتب والإصدارات، من أفلام ومواد وبرامج وروايات وصور، تقود مباشرةً إلى جهنم.

والشباب حتى الواعي منهم؛ فإن أثر ما المادة التي تحتويها هذه الوسائط؛ له تأثيراته البيولوجية التي لا يمكن معها التحكم فيها.

وهو أمرٌ في صحيح السُّنَّة النبوية؛ عندما سأل الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، ابنته السيدة فاطمة الزهراء "رَضِيَ اللهُ عنها"، عما يحول بين الرجل والزنا؛ فقالت له: "ألا يرى المرأة".

وهو أمرٌ صحيح تمامًا؛ فالزنا، ولو بالنظر؛ سيقع لا محالة في ظل ما نراه في شوارعنا وفي إعلامنا وفي كتبنا، من فواحش تشعل الغرائز.

الإصلاح بحاجة إلى منظومة تربوية متكاملة، وهذه المنظومة لن تكتمل وتصبح على القدر المطلوب من الفاعلية؛ إلا لو أصبح الإطار السياسي الموجود، داعمًا لفكرة الإصلاح الأخلاقي والتربوي

ومن هنا؛ فإن الأمر بحاجة إلى منظومة تربوية متكاملة، وهذه المنظومة لن تكتمل وتصبح على القدر المطلوب من الفاعلية؛ إلا لو أصبح الإطار السياسي الموجود، داعمًا لفكرة الإصلاح الأخلاقي والتربوي، واستعادة هوية الأمة وتربوياتها التي كانت عليها.

وهو ما يقودنا إلى مربط فرس مهم، وهو أن الإصلاح السياسي هو رأس الأمر، وأساس أي إصلاح آخر، إداري أو اجتماعي، أو غير ذلك.

ومن هنا نفهم حقيقة موقف القوى الدولية من الربيع العربي، الذي كان لو نجح؛ فإنه كان سوف يؤسس لنوعية مختلفة من الأنظمة تعيد للمجتمعات هويتها الأخلاقية والقيمية، وتعيد ارتباطها بالقرآن الكريم وتعاليمه.

بداية انتكاسة الأمة، كانت عندما تم فصل الأمة عن المعين الأساسي لقيمها ومنهاجها؛ القرآن الكريم، وهو هدف لا يخفي خصوم الأمة أنهم يسعون إليه

فبداية انتكاسة الأمة، كانت عندما تم فصل الأمة عن المعين الأساسي لقيمها ومنهاجها، وتعاليم الشريعة الإسلامية؛ القرآن الكريم، وهو هدف لا يخفي خصوم الأمة أنهم يسعون إليه كما كشفت وثائق عدة ظهرت خلال العقود الماضية.

وهنا نؤكد على أن بداية الإصلاح والتصدي لهذه الانحرافات؛ يبدأ من إصلاح المنظومة السياسية الموجودة!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …