حزب النّهضة (التّونسي).. تحوّلات جذريّة يكشفها مؤتمره العام

الرئيسية » بصائر الفكر » حزب النّهضة (التّونسي).. تحوّلات جذريّة يكشفها مؤتمره العام
nahda22

لم يكن الفصل المنهجي بين العمل الدعوي والعمل السياسي الذي أقرّه المؤتمر العاشر لحزب النهضة وليد اللحظة.

بل ما يدركه – جيداً- المراقبون لشؤون الحركات الإسلامية أنّ هذا التحول أتى بعد اكتمال التّجربة الإسلاميّة ووصولها الشّوط إلى نهايته، بتسيدها إلى سُدة الحكم والقيادة، من خلال شمولية التنظيم الذي انبنى على مبدأ سليم وهو شمولية الإسلام لكل واقع الحياة.

ولكن، في الحقيقة أنّ هذا المبدأ لا يقتضي شمولية التنظيم السياسي، ليتحمل عبء الدولة بكليتها ويتأبط كل برامجها وشؤونها، فإنّ ما ردده الفقهاء المعاصرون: "من أنّ شمولية الإسلام لا تفرض بالضرورة شمولية التنظيم العامل له".

والجديد - حقاً- في هذا التّحوّل أنه لم يأتِ نتيجة مراجعات في أقبية التّحقيق الأمني وردهات السّجون، بل من واقع تجربة عملية صدرت التنظيم الشمولي لأعلى سدّة القيادة في أقطار عديدة، ومعاينة فشل الاستمرار في النّسق القديم، بغض النّظر عن اللغط الدائر حول أسباب هذا الفشل والاختلاف فيه.

وإن كانت الحالة التونسية فيما سميت بأقطار الربيع العربي قد مثّلت استثناء نجاح، والذي يرجعه المتابعون في كثير من محطاته لحزب النّهضة وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي[1]؛ لما أظهره من براغماتية عالية وبراعة فائقة في تفويت الفرص على المتصيدين[2].

وقد كان لافتاً تحليه بالمسئولية الوطنيّة وتجاوبه الكبير مع مبدأ التداول السلمي للسلطة وفقاً لنتائج انتخابات 2014م، التي أعطت الغالبية لحزب نداء تونس[3].

فهذه المرونة في التّعاطي مع حالة التّكتيل العام ضد تصدره، قد أعادته بقوةٍ إلى الواجهة السياسية يوم جعل من منافسه ونقيضه إلى شريك وحليف؛ ليظلّ الأقوى والأكثر تماسكا في تونس بعد أن شهد حزب نداء تونس سلسلة انشقاقات أرجعته عن تصدره.

فكان لهذه الممارسات التي شكّلت نهجاً تصالحيّاً مع كل مكونات الدولة، هي ما أعطت مساحات واسعة بل ومنحت فرص كبيرة وضمانة قوية للتجاوز الآمن نحو الانتقال الديمقراطي الإصلاحي.

ولذلك لم يكن التّطور أو التحوّل الذي حمله المؤتمر العاشر للحزب وما جاء فيه وبخاصة تلك المسماة بـ"لائحة الخيار الاستراتيجي" التي حملت مضامين ومعاني الفصل بين العمل في الشأن العام بمعناه السياسي، وبين العمل الدعوي (الديني)، والذي جاء منسجماً تماماً مع تطور تونس الدّولة وتصالحها مع الدين والذي أسهم الحزب إسهاماً جلياً في تقرير هذا التصالح وقبول الآخر من موقع القوة والمسئولية.

لا يخرج هذا الفصل في حقيقته من منطلق التخصيص لتوزيع الكفاءات الحزبية بين المجالات المتعددة فتعمل ضمن المجتمع المدني الذي يعدّ الاصلاح الديني أحد مهامه

ثم لم يكن الفصل بين الدعوي والسياسي بشكله المعادي وبمعناه الحاد والحتمي، بل لا يخرج هذا الفصل في حقيقته من منطلق التخصيص لتوزيع الكفاءات الحزبية بين المجالات المتعددة فتعمل ضمن المجتمع المدني الذي يعدّ الاصلاح الديني أحد مهامه.

لذلك جاء التأكيد على أنّ الإسلام هو المرجعية المعتبرة في قيمه الثابتة وأصوله المعتمدة، عندما نص البيان على "تبني المرجعية الإسلامية"[4].

ولهذا جاء الطّرح استجابة حقيقية سليمة لما يعتمل في رحم الحزب من تفاعلات كبيرة، بعد تجربة حكم كان بالنسبة له فريدة وهامة؛ لما كشفته من قصور ذاتي لفكرة شمولية التنظيم في مواجهة متطلبات الواقع الموضوعي أعطت فرص لخصومه للنجاح في شيطنته والتحشيد ضدّه، في الوقت الذي بينت هذه التجربة أوجه كثيرة من قوة يمكن البناء عليها وزيادة تثميرها.

نعم، أتى هذا المؤتمر التاريخي استحصالاً لمراجعات متواصلة تمخضت في عملية ميلاد طبيعية مرّت من قبل في كل مراحل تخلقها دون تعجل ولا استعجال[5].

وإن كان العنوان الأبرز فيما أقرّه المؤتمرون وهو فصل المجال السياسي في الحزب عن المجال الدعوي الديني والمجتمعي، إلا أنّ إقرار الأولوية في الحزب للبعد الوطني كان بمثابة إعادة تموضع وترتيب أجندات الحزب على اعتبار أنّ ولاء حزب النهضة لتونس، فـ "تونس أولاً".

فإنّ وهذا ما سيعزز قوة حضوره لدى كافة شرائح المجتمع التونسي باعترافه الأكيد بخصوصية الدولة القُطرية الحديثة، وانفتاحه على خارجه ومشكلات الوطن الاقتصادية والأمنية؛ فيخرج من إسر الحزب العقائدي المغلق وميراث العمل السرى؛ وبذلك يصبح الحزب كما قال زعيمه (الغنوشي) عند افتتاح المؤتمر: "النهضة أصبحت جزءًا من الدولة"[6].

وبذلك يكون الحزب قد تهيّأ عملياً ليبدو أكثر الأحزاب على الساحة التونسية استعدادًا للانتخابات المحلية والبلدية المتوقع لها الربيع المقبل.

فقد تابع الشارع التونسي- هذا التّحول الذي أنتجه الحزب طواعية واختياراً- برضى وتقدير فتوافقت آراء غالبية الشعب التونسي مع هذا التوجه الواعد[7].

وإن كانت الأنظار تتجه للتجربة التونسية لاعتبار أنها أولى أقطار الربيع العربي واستثناء نجاحها – كما ذكرت آنفاً- إلا أن الحركة الإسلامية في المغرب قد سبقت في تطبيق الفصل بين الدعوي والسياسي، وفك الاشتباك التنظيمي بين الحزب والجماعة منذ سنوات بتدشينها لحزب الحرية والتنمية الذي تصدر الانتخابات البرلمانية والبلديات والجهويات الكبرى في البلاد.

من الواجب أن يستمر التقييم والتقويم في المتغير الذي لا يعدو كونه صورة متجدده تدل على الثوابت وتنطلق منها، وذلك مجاراة للمتغيرات التي يفرضها الواقع الموضوعي بكل تشعباته

فيما يرى آخرون بأنّ التجربة العكسية معمول بها في بعض دول الخليج العربي؛ حيث يوجد للإخوان تنظيم لا يهتم إلا بالعمل الدعوي والإصلاح الاجتماعي بعيداً عن دائرة السياسة.

وأخيراً.. فإنّه لمن الواجب أن يستمر التقييم والتقويم في المتغير الذي لا يعدو كونه صورة متجدده تدل على الثوابت وتنطلق منها؛ وذلك مجاراة للمتغيرات التي يفرضها الواقع الموضوعي بكل تشعباته وتجلياته، غير أنّ المطلوب أن تستمر هذه التحولات بأكثر جذرية وديناميكية في ظلّ التغيرات السريعة التي تدفع بالانتقال بالحالة الإسلامية من خانة العمل الإسلامي إلى خانة العمل الإصلاحي العام.

_____________________
الهوامش:

(1) والذي اعيد انتخاب الغنوشي (74 عاما) بأكثر من 75 بالمئة من الأصوات، أي 800 صوت، وحصل فتحي العيادي الرئيس المنتهية ولايته لمجلس شورى الحركة، أعلى هيئة فيها، والقيادي محمد العكروت على 22 صوتا و29 صوتا على التوالي.
(2) قبل التّخلي عن السّلطة لصالح حكومة حياديّة تشرف على انتخابات رئاسية وتشريعية أمام هبة شعبية ونقابية حاشدة ضد شبه انفراده بالحكم، رُغم أنّ الحزب (النهضة) تصدّر بالأغلبية في انتخابات المرحلة الانتقالية عام 2011م، والذي شكل على أثرها حكومة ترويكا مع أحزاب ليبرالية، ودفع في الانتخابات الرئاسية بشخصية وطنية ذات أصول يسارية، وقبل بالدستور الجديد الذي اكتفى بالنص على "أنّ تونس دولة ديانتها الإسلام"، وقبل كذلك بممارسة رجالات العهد السابق لحقهم في العمل السياسي، إذ رأى في عزلهم ما يتناقض مع النهج الديمقراطي الذي طالبت به ثورتهم.
(3) حزب "بورقيبي" الامتداد تشكل سنة 2012م، كجبهة مواجهة وتصدي لتصدر النهضة، وقد نجح في تصدّر نتائج الانتخابات وإخسار حزب النهضة بـ 400 ألف صوت من اجمالي 1.4 مليون بين انتخابات 2011 و 2014م.
(4) قد كانت– فعلاً- حاضرة تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي تميّز بأنه قبل بالنّظام العلماني بشكل واضح وبلا لبس والانتقال المرحلي من العلمانية التي ترفض الدين وتقصيه إلى العلمانية المتصالحة مع تاريخها وهويتها الحضارية.
(5) قد وضع الحزب مسيرته الشاملة في مؤتمره العام الذي انتهى فجر 23 أيار/ مايو الماضي والذي ضم (1200) كادراً من كوادره على امتداد الجغرافيا التونسية فخرج بجملة من المقررات والقرارات الهامة وجد فيها ما يطور من مواقفه السياسية والأيديولوجية.
(6) في تصريح أدلى به الغنوشي للصحافيين مساء الأحد 22 أيار/ مايو 2016م، من أن النّهضة “حركة تونسية تتطور مع تونس”، مضيفاً “نتجه بشكل جدي وتم تبني ذلك اليوم باتجاه حزب سياسي وطني مدني ذي مرجعية إسلامية ويعمل في إطار دستور البلاد ويستوحي مبادئه من قيم الإسلام والحداثة”.
(7) أفاد استطلاع أخير للرأي أن (73 %) من التونسيين يؤيدون “الفصل بين الدين والسياسة”، الذي أجرته مؤسسة "سيغما التونسية" بالتعاون مع "المرصد العربي للديانات والحريات" ومؤسسة "كونراد أديناور".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مختص بالفكر السياسي الإسلامي

شاهد أيضاً

على هامش عُطْلَة “فيسبوك” ورفاقه.. الحروب السايبرانية وصراعات الرأسمالية الخفية!

كانت فترة الساعات القليلة التي تعطَّلتها مؤخرًا بعض مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتحديد تلك المرتبطة بمجموعة …