د. أوصديق: اليوم الوطني للقانون الدولي الإنساني تخليداً لوصيّة أبي بكر الصدّيق

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. أوصديق: اليوم الوطني للقانون الدولي الإنساني تخليداً لوصيّة أبي بكر الصدّيق

لم تعرف البشرية أعدلَ ولا أنصفَ من تعاليم الشريعة الإسلامية في مجال حقوق الإنسان، حيث كان لها السبقُ المطلق في إرساء دعائمه في وقت السلم والحرب، وإرساء مبدأ المساواة بين البشر على أسس واضحة ومتينة، كما كفلت الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة أمام القانون، وغيرها من التعاليم العادلة التي سبقت القوانين والتشريعات الوضعية التي تحكمها أهواء البشر ومصالح السياسة وغلبة الأقوياء.

(بصائر) حاورت الدكتور فوزي أوصديق رئيس المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني حول طبيعة عمل هذا المنتدى وإنجازاته، وعن اختيار يوم 9 أيار/ مايو يوماً وطنياً للقانون الدولي الإنساني، وواقع العمل الإنساني في ظل الأزمات التي تعصف بعالمنا العربي والإسلامي، وكيف يقيّم تفاعل مؤسسات القانون الدولي الإنساني مع فلسطين.

الأكاديمي الجزائري فوزي أوصديق، أكَّد في حواره مع (بصائر) على أنَّ "العمل الإنساني بخير، وهو يحاول إيجاد سبيلٍ للتخلّص من الضغوطات المحاطة به". واستدرك قائلاً: "إلاَّ أنَّ غياب التنسيق بين الجمعيات أفرغ العمل الخيري من محتواه بسبب تسييسه من قبل البعض، وهذا ما لا يخدم البشرية، بل سيجرّنا إلى الدخول في متاهات جيوسياسية نحن في غنى عنها"، على حدّ قوله.

وأوضح د. أوصديق أنَّ تخصيصَ يومٍ وطنيّ للقانون الدولي الإنساني، والاحتفال به على مستوى دول منظمة التعاون الإسلامي، وهو يوم (09 مايو من كل سنة)، جاء تخليداً لصدور وصيّة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى قائد الجيش الإسلامي أسامة بن زيد رضي الله عنه والذي كان متجهاً إلى محاربة الرّوم عام 634م.

وأضاف: "تعدّ القواعد الإنسانية الواردة في هذه الوصية غير المسبوقة اتفاقية إنسانية مصغّرة شاملة لكافة القواعد الإنسانية المعمول بها في حالات الحروب منذ حوالي 14 قرناً".

وعند سؤال (بصائر) عن تقييمه لتفاعل الأمَّة العربية والإسلامية بمؤسساتها في خدمة فلسطين، قال الدكتور أوصديق: "تفاعل الأمَّة مخجل، ولا يرتقي لتطلّعات الشعوب، والقانون الدولي الإنساني للأسف قُبِرَ العديد من المرّات في غزّة العزّة، نتيجة استهداف المدنيين واستعمال الأسلحة المحرَّمة دولياً".

فإلى تفاصيل الحوار مع الدكتور فوزي أوصديق رئيس المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني:

بصائر: بصفتكم رئيساً للمنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني، ما طبيعة عمل هذا المنتدى، وما أهدافه، وما أبرز إنجازاته وخططه المستقبلية؟

د. أوصديق: يتولّى المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني (مقرّه مدينة الدوحة - قطر) التابع للجنة الإسلامية للهلال الدولي منذ عام 2002م نشاطات تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني وترقيته والعمل على نشر مبادئه وأحكامه في ضوء الشريعة الإسلامية وفق برنامج عمل سنوي يعتمد من قبل اجتماعات اللجنة الإسلامية للهلال الدولي، وينفذ بالتعاون مع المؤسسات الاجتماعية والعلمية في مختلف بلدان العالم الإسلامي، واستحدثت اللجنة الإسلامية للهلال الدولي "المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني" كجهاز تابع لها متخصّص في مجالات التعريف ونشر القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية، وهو برنامج مشترك مع جمعية الهلال الأحمر القطري، وفقاً لمذكرة التفاهم الموقعة بتـاريـخ 26/10/2002م، المنتدى يشتغل به كوادر متخصّصين في المجال العمل الإنساني.

استحدثت اللجنة الإسلامية للهلال الدولي "المنتدى الإسلامي للقانون الدولي الإنساني" كجهاز تابع لها متخصّص في مجالات التعريف ونشر القانون الدولي الإنساني والشريعة الإسلامية

قمنا كمنتدى بعدَّة إنجازات أهمّها المساهمة في تحويل كلية الدراسات الإسلامية بجمهورية المالديف إلى جامعة، وقمنا بدعم طلبتها من خلال تزويدهم المكتبات بالمراجع الأكاديمية والأساتذة الزائرين المتخصّصين في المجال القانوني، كما قمنا بخلق برنامج مسابقة المحكمة الصورية، والتي تنظم كل سنة من قبل الجامعة الإسلامية بأوغندا، ونحن الآن في عامنا الثالث من عمر المسابقة وستعمّم إن شاء الله في الجامعات الإفريقية.

أبرمنا عدَّة اتفاقيات من أجل إرساء السلام بالمناطق متعددة من العالم منها منطقة بورما في 2015م، أيضا أبرمنا اتفاقية تفاهم مع جامعة ماهيدول بتايلاند لتصحيح مفاهيم عن الإسلام وحقيقة ما يروّج له من أكاذيب وشائعات شوّهت نظرته لهم.

من بين مشاريعنا المستقبلية نطمح إلى تعميم مصطلح الهجرة غير النظامية على كل الدول خاصة منها الأوروبية بدل الهجرة غير الشرعية التي هضمت حقوق اللاّجئ وأهدرت كرامته.

لدينا محطات قارّة أهمها مسابقة المحكمة الصورية بالجامعة الإسلامية بأوغندة؛ والتي تنظم كل سنة نطمح إلى تعميمها على كل الجامعات الإفريقية، كما نطمح إلى الاستمرار في إصدار مجلة "الوصية"؛ وهي دورية محكمة ومتخصّصة في القانون الدولي الإنسانية ومحاكاته للشريعة الإسلامية وهي توزّع مجاناً؛ حيث يشرف عليها الدكتور محمد حمد العسبلي، وتساعده في جمع المعلومات والمساهمات المستشارة الإعلامية راضية صحراوي.

نطمحُ إلى إصدار مؤلفات جديدة لتجارب إنسانية واستمرار في تنظيم لمؤتمرات أهمها خلال هذه السنة الملتقى الدولي للقانون الدولي الإنساني بالجامعة الزيتونة.

نطمحُ إلى التوصل لحلّ ولو مؤقتاً للأزمة البورمية من خلال توقيع مذكرة التفاهم مع جامعة ماهيدول بالمملكة تايلاند حول إرساء الحوار بين الديانات، فالتحديات كبيرة نحاول مواكبة التطوّرات التي تشهدها المنطقة الإسلامية.

بصائر: العمل الإنساني في البلدان العربية، كيف تقيّمونه، وهل يرقى إلى حجم التحديّات والأزمات التي تعصف بالمنطقة العربية، كيف ترون السبيل الأمثل لرفع مستواه تخطيطاً وتنفيذاً؟

د. أوصديق: لن أخفي عليكم إن قلت: إنَّ العمل الإنساني بخير هو يحاول إيجادَ سبيلٍ للتخلّص من الضغوطات المحاطة به، فالعديد من المنظمات العاملة في هذا المجال تحاول مدّ يد العون للمستضعفين في الأرض خاصة المهجرين من بلدانهم جراء النزاعات المسلحة، وما تولّد عنه من عنف وتقتيل جماعي وطمس للهوية الوطنية والعقائدية، إلاّ أنَّ غياب التنسيق بين الجمعيات أفرغ العمل الخيري من محتواه بسبب تسييسه من قبل البعض، وهذا ما لا يخدم البشرية، بل سيجرّنا إلى الدخول في متاهات جيوسياسية نحن في غنى عنها، فالالتزام بالحيادية والتحلّي بالأخلاق واحترام الآخر ووجود إرادة صادقة هو من سيرفع ويفعل مخططات العمل الإنساني في العالم ويحقّق تنمية مستدامة سليمة، نحن لم نيأس لأنَّ هناك بعض الجمعيات خاصة المتواجدة في الخليج العربي والتي نشاطاتها وإنجازاتها تشهد لها كالسعودية والإمارات وقطر وبعض الدول المغاربية كتونس التي أسهمت في تخفيف إرهاب الهجرة غير النظامية.

الالتزام بالحيادية والتحلّي بالأخلاق واحترام الآخر ووجود إرادة صادقة هو من سيرفع ويفعل مخططات العمل الإنساني في العالم ويحقّق تنمية مستدامة سليمة

بصائر: ماذا تعني لكم، إقرار وزراء الخارجية للتعاون الإسلامي يوم 9 مايو من كل سنة يوماً وطنياً للقانون الدولي الإنساني، وما هي إيجابياته على واقع الأمّة العربية والإسلامية؟

د. أوصديق: اليوم الوطني للقانون الدولي الإنساني فكرة لم تكن وليدة الساعة، بل هي نتاج عمل دؤوب وجهد كبير لإقناع صناع القرار بإلزامية تبني هذا اليوم وجعله صرحاً إنسانياً يراد به إرساء أواصر السَّلام والأمن بين الشعوب خاصة منها الإسلامية التي تعيش أزمات خانقة.

تخصيص يوم وطني للقانون الدولي الإنساني تخليداً لصدور وصيّة أبي بكر الصديق إلى قائد الجيش الإسلامي أسامة بن زيد والذي كان متجهاً إلى محاربة الروم عام 634م

فقد أقرَّت الدورة الثلاثون للجنة الإسلامية للهلال الدولي المنعقدة في 17 – 18 مارس 2015م، بمدينة تونس الاقتراح المقدّم من سعادة الدكتور محمد بن غانم العلي المعاضيد عضو اللجنة الإسلامية للهلال الدولي ورئيس جمعية الهلال الأحمر القطري، بشأن اليوم الوطني للقانون الدولي الإنساني في العالم الإسلامي بموجب رسالته رقم 2-15717 / 2015 بتاريخ 08/ 02/ 2015م، والذي يقضي بطرح تخصيص يوم وطني للقانون الدولي الإنساني، والاحتفال به على مستوى دول منظمة التعاون الإسلامي، وهو يوم (09 مايو من كل سنة) تخليداً لصدور (وصيّة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى قائد الجيش الإسلامي أسامة بن زيد رضي الله عنه والذي كان متجهاً إلى محاربة الروم عام 634م)؛ وهي أول وثيقة احتوت على قواعد إنسانية وجهت إلى المقاتلين، تضمَّنت قواعد المعاملة الإنسانية في وقت الحرب والتي صدرت بتاريخ 09 مايو 634 ميلادي الموافق 14 من شهر صفر عام 11 هجري.

وتعدّ القواعد الإنسانية الواردة في هذه الوصية غير المسبوقة اتفاقية إنسانية مصغرة شاملة لكافة القواعد الإنسانية المعمول بها في حالات الحروب منذ حوالي 14 قرناً، والتي تناولتها بتوسع فيما بعد اتفاقيات لاهاي لعام 1907م، واتفاقيات جنيف لعام 1949م، والبروتوكولان الإضافيان إليها لعام 1977م.

تعدّ القواعد الإنسانية الواردة في هذه الوصية غير المسبوقة اتفاقية إنسانية مصغرة شاملة لكافة القواعد الإنسانية المعمول بها في حالات الحروب منذ حوالي 14 قرناً

ويأتي اعتبار يوم 09 مايو من كلّ عام مناسبة وطنية في دول منظمة التعاون الإسلامي، لبيان اهتمامها بتطبيق مبادئ وأحكام القانون الدولي الإنساني السارية، وهو مساهمة كبيرة في تعزيز احترام قواعد القانون الدولي الإنساني لإثراء هذا القانون بالأحكام الإسلامية ذات الصلة.

ففكرة إحياء يوم وطني هو إنجاز عظيم في تاريخ الحركة الدولية، ومن الضروري تطوير آليات العمل الإنساني والارتقاء به إلى مستوى عالٍ من الجودة، شاكراً جهود المنظمة العربية للهلال والصليب الأحمر، وكذا منظمة التعاون الإسلامي لدفع عجلة التنمية في العمل الإنساني، وتطبيقه سيكون له الأثر الكبير على أمّتنا الإسلامية.

بصائر: تعدّ القضية الفلسطينية أمّ القضايا العربية والإسلامية لعقود، في مجال تخصّصكم القانوني والإنساني، كيف تقيّمون تفاعل الأمَّة العربية والإسلامية بمؤسساتها في خدمة تلك القضية، وما سبل تفعيل التضامن معها في هذا المجال؟

د. أوصديق: تفاعل الأمَّة مخجل، ولا يرتقي لتطلّعات الشعوب، والقانون الدولي الإنساني للأسف قُبِرَ العديد من المرّات في غزّة العزّة، نتيجة استهداف المدنيين واستعمال الأسلحة المحرَّمة دولياً.

فالقانون الدولي عامَّة، وقرارات مجلس الأمن إمّا مسيّسة أو لعنت بالازدواجية بإيعاز وتواطؤ بعض الأطراف العربية.

أمَّا على المستوي المؤسسات الرَّسمية، فهناك صحوة بالاتجاه الصَّحيح بما يخدم حقوق الشعب الفلسطيني، إلاّ أنّها أحياناً تفتقر للحصانة، فتخضع للتحدّيات وللأبجديات السياسية... ولذلك لا أكبّر أربع تكبيرات بقدر ما أنتظر أن تتحدّى الشعوب، وتكون قوهَّ اقتراح لحلّ القضية الفلسطينية.

تفاعل الأمَّة مخجل، ولا يرتقي لتطلّعات الشعوب، والقانون الدولي الإنساني للأسف قُبِرَ العديد من المرّات في غزّة العزّة، نتيجة استهداف المدنيين واستعمال الأسلحة المحرَّمة دولياً

بصائر: قمتم بتقديم برنامج "بساط الرّيح" على قناة البلاد الجزائرية، الذي يعرض تجارب وهموم الفرد والمجتمع المسلم في أكثر من بلد، كيف وجدتم واقع المسلمين؟ وهل من نماذج تبعث بالأمل؟ ما أبرز الاستخلاصات التي يمكن أن نستفيد من تلك التجارب؟

د. أوصديق: البرنامج مقتبسٌ من كتابي الذي ألفته في عام 2010م، عن دار الفاروق بالجزائر، وقد ارتأيت ترجمت تجربتي في العمل الإنساني، وزياراتي التي قادتني إلى أكثر من مئتي دولة لتقديم مساعدات ونشر القانون الدولي الإنساني بما يحاكي الشريعة الإسلامية السَّمحاء.

قناة البلاد الجزائرية كانت من القنوات التي دعمت الفكرة، وقد بثّ جزأين من البرنامج الذي لقي تجاوباً كبيراً من قبل الجمهور داخل الجزائر وخارجها، كما لقي إعجابَ سفراء ورؤساء دول، ففكرة البرنامج تنصبّ على كشف حقائق الأوضاع المعاشة من قبل الأقلية المسلمة المترامية في أصقاع العالم.

البرنامج لم أرد به إبراز الجانب السياحي لدول بقدر ما أردت إرسال برقيات سلام ومحبَّة ليعلم العالم أنَّ الإسلامَ دينُ تسامحٍ وأنَّ هناك دولاً لا يعرفها أحدٌ، تتعطّش إلى أن نمدَّ لها يدَ العون والمساعدة

تطرّقت إلى حرب البوسنة والهرسك، والصّراع الدامي بسبب العقيدة الإسلامية وعدم تقبّل الآخر. تحدّثت عن بورما وسياسة التهجير والتقتيل التي شتت المسلمين وعدم اعتراف بالروهينغا كجزء من بورما.

تحدثت عن الاتفاقية التي أبرمت لإرساء حوار بين الفرقاء، الكثير من كان يجهل حياة الشعب المنغولي الذي كان العديد ينظر إليه نظرة سوداوية ودموية، ولكن عبر حلقات بساط الريح كشفت عن بساطة المجتمع المغولي والانسجام والتكافل الاجتماعي وعوامل المحبة والتسامح والاستقرار.

عرَّجت في برنامجي على العائلات الدينية في الدول الإفريقية، ودورها في نشر القانون الدولي الإنساني وتأثيرها في المنطقة؛ كالزاوية التيجانية والقادرية التي عملت على بناء المدارس القرآنية وتحفيظ كتاب الله، ومحاولة الحفاظ على تعليم اللغة العربية.

البرنامج لم أرد به إبراز الجانب السياحي لدول، بقدر ما أردت إرسال برقيات سلام ومحبَّة ليعلم العالم أنَّ الإسلامَ دينُ تسامحٍ، وأنَّ هناك دولاً لا يعرفها أحدٌ، تتعطّش إلى أن نمدَّ لها يدَ العون والمساعدة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إفشاء الطفل لأسرار البيت: كيف ندفعه لكتمانها والحفاظ عليها؟

تجتمع "أم عمر" كل أسبوع مع جاراتها في جلسة "فضفضة" يتناولن خلالها كلّ ما يخطر …