لماذا عليك أن تختار تخصصك الجامعي بنفسك؟

الرئيسية » خواطر تربوية » لماذا عليك أن تختار تخصصك الجامعي بنفسك؟
learning9

قد يتشتت تفكير خريجي الثانوية العامة خلال التفكير في المرحلة القادمة وشكلها ومتطلباتها، حين يتدخل من حولهم ممن يحبونهم بدافع الإنقاذ أو الرغبة في العطاء أو التسلط وفرض الرأي، فهذا ينصح بدخول تخصص الطب فللأطباء وجاهة كبيرة، اسم رنان، ودخل مرتفع جداً، الهندسة أيضاً مرشّحة بنفس المميزات تقريباً، الإعلام والصحافة مرشح من لديهم حب الظهور والشهرة، الإدارة مرشّحة محبي السيطرة، المحاماة مرشّحة محبي التسلّط، والشريعة مرشّحة المتدينين... إلخ.

لكن ماذا تريد أنت؟

كل من حولك يرى نفسه فيك فيتمنى لو أنك تدرس التخصص الذي يحبه هو ، وهذا ما يحصل بالفعل، لا يمكن أن ننكر أن البعض يرشح التخصص إيماناً منه بأهميته، لكن عند الحديث عن الأهمية والرسالة والفائدة فإن كلّ إنسان له أهميته مهما كان عمله، والعمل بعينه شرف ورسالة أياً كان تخصصه ومكانه ، السائق، عامل النظافة، الحارس، الشرطي، الطبيب، المعلّم، الداعية، المربّي، والسياسي... إلخ. كلهم يسد ثغرة ويزيد أهمية، لكن المحور الحقيقي هو ما تريده أنت، ما سوف تتميز فيه وتبدع وتبتكر وتكون متفرداً استثناءً، ما ترغب به حتى لا تكون رقماً آخر أو ناجحاً لكن عادياً، تذكر أن العالم يكتظ ويكاد يفيض بالعاديين أصحاب التفكير النمطي والحياة الرتيبة والطموح الميّت، ماذا فعل هؤلاء، وماذا تطمح أنت أن تفعل؟

خذ وقتك في التفكير ودراسة الأمر حتى تكون شخصاً منتجاً، مؤثراً، مفيداً، وليس مجرد رقم آخر يضاف إلى البطالة والبطالة المقنّعة

قد يفوتك الكثير من الأشياء المهمة؛ هذه المرحلة تعد معبراً مهماً للانطلاق الآمن للمستقبل، ولذلك فإن عليك التفكير جيداً وترتيب الأولويات وإجراء الاختبارات الشخصية المتوفرة وإن اضطر الأمر للالتحاق بدورة أو محاضرات فلا تتردد ولا تتأخر؛ لأن ذلك مهم جداً، خذ وقتك في التفكير ودراسة الأمر حتى تكون شخصاً منتجاً، مؤثراً، مفيداً، وليس مجرد رقم آخر يضاف إلى البطالة والبطالة المقنّعة.

كان قد لفت انتباهي تصرف إحدى الفتيات اللاتي أعرفهن حين درست تخصص التحاليل الطبية؛ لأن والدها رغب في ذلك، وحين تخرّجت عادت لتدرس في تخصص العلوم؛ لأن والدتها تريدها معلمة وترى ذلك أنسب، لكنّها أجلت رغبتها في دراسة اللغة الإنجليزية حتى تنتهي من التخصصات التي ترضي بها والديها، حتى أنها كانت تخاف أن يرغبا في تخصص آخر فتضطر لتأجيل دراسة الإنجليزية، الأمر الأكثر قسوة هو أنها كانت تمتن؛ لأن والدها لا يزال يدفع مصروفاتها ورسومها الجامعية، قالت مرة: أمتن له فعلاً؛ لأنه لا يزال يتحمل مصروفاتي فلم أحصل على وظيفة في أي من التخصصات التي درستها بعد.

السؤال هنا: كم سنة ضيّعت تلك الفتاة من عمرها لتبلغ الثلاثين وهي لم تعمل بعد لا في التحاليل ولا اللغة الإنجليزية ولا التعليم، ولا حققت شيئاً على صعيد شخصيّ أو مجتمعي، الفتاة اليوم تسير إلى الأربعين وهي لا تزال تستجدي الوظيفة والاهتمام من المجتمع، فلو أنها على الأقل عملت شيئاً تحبه بجوار الدراسة لكانت في حال أفضل وليس رقماً جديداً في سجل الشقاء المدني!

كم سنةً زائدة في أعمارنا لنضيعها هباءً؟

الرغبة في اكتشاف القادم ودفع الميول الخاصة والشغف بالتجدد والانتقال للمراحل القادمة حسب تخيله، هي أقوى دوافع لشاب مقبل على الحياة

أتوقع أن اثنتي عشرة سنة كافية ليتوهج مشروع صغير جداً مبتدئ من الصفر وتحته حتى، لو أن كل إنسان درس ما أحبّه فعلاً لنجح، فالرغبة في اكتشاف القادم ودفع الميول الخاصة والشغف بالتجدد والانتقال للمراحل القادمة حسب تخيله، هي أقوى دوافع لشاب مقبل على الحياة.

في الفلك ذاته أعرف امرأة أذهلت جميع أفراد عائلتها حين وزعت بناتها وأبناءها على الدول (وليس على التخصصات بل على الدول)؛ لأنهم وجدوا ما يريدونه ويبحثون عنه هناك فتخطت المستحيل وأمنت لهم مستقبلاً يليق بهم كما اختاروا، في الكيان الذي اختاروه بأنفسهم حتى إن من يسمع بأن هؤلاء الناجحين هم في الحقيقة إخوة أشقاء لن يستغرب؛ لأن أماً عظيمة وقفت في ظهر كل نجاح يحققونه حين تركتهم لأنفسهم ثم دعمت ما اختاروه حتى لو كان الذي اختاروه هو تخصص التربية الفنية بعد الحصول على نسبة 99% في الفرع العلمي للثانوية العامة!

الأمر يبدو غريبا في الحقيقة في عالمنا العربي، إلا أنّ الغريب الحقيقي هو أن يقول من حولك: خسارة أن تدرس التاريخ مثلاً أو الجغرافيا بعد أن تحصل على الامتياز في الثانوية! نسي هؤلاء أن ماجلّان، الجبرتي، الخوارزمي، الرازي، سيبويه، ابن سينا، أبو الأسود الدؤلي، البخاري، والمتنبي... كل عظماء العالم الذين ترنّ أسماؤهم فتتدفق الغبطة في قلوبنا حين نسمعها أو نقرؤها، كانوا أعلاماً في مجالات مختلفة ، ليس في الطب والهندسة فحسب، بل في الجغرافيا والتاريخ والعلوم والنحو والاقتصاد والسياسة وصناعة الفخار والعطور، وفي إعادة تدوير النفايات وكتابة الشعر والرسم... إلخ.

المهم أن تصنع فرقاً:

هذه هي الحقيقة الوحيدة، مهما كان تخصصك الذي اخترته، فالهدف يجب أن يكون هو صناعة الفرق، التميز والإبداع والنجاح في إعطاء المزيد وتقديم الجديد للساحة العالمية، أعجبني موقف للدكتور طارق السويدان في إحدى محاضراته التدريبية، سأله أحد أبنائه: فيم يمكن أن أتخصص يا أبي؟ كلٌ ممن حولي ينصحني بتخصص مختلف! فرد عليه: ادرس إدارة.

- لكنني لا أحبها يا أبي!

- أنا أحبها يا ولدي، أرأيت... كل إنسان مهما أحبّك سوف يدفع بك إلى ما يحبه، لا إلى ما تحبه أنت، لكن المهم هو ما تحبه أنت وليس ما يحبونه هم!   وقد قال الدكتور السويدان حينها ما معناه: "إن رفض التخصص الذي يعرضه عليك والداك ودراسة ما تريد، لا يعد عقوقاً يا بنيّ، فالعقوق يكون في حقوقهما عليك، وواجباتك تجاههما، لا في ما يخص حياتك ومستقبلك".

إنه مستقبلك ولا سلطة لأحد عليك:

إنه مستقبلك وحدك ولا سلطة لأحد عليك ولا على اختياراتك وما تريده، فيتعين عليك التفكير والاطلاع والبحث والمقارنة والاختبار قبل أن تقرر

هل عرفت الآن لماذا عليك أن تختار تخصصك بنفسك، إنه مستقبلك وحدك ولا سلطة لأحد عليك ولا على اختياراتك وما تريده، فيتعين عليك التفكير والاطلاع والبحث والمقارنة والاختبار قبل أن تقرر، وتذكر ما يلي جيداً:

1. تعرّف على المفتاح (رفق) = (رغبة + فرصة + قدرة) ونمّ معلوماتك حول هذا المفتاح وكيفية حساب معادلته من الدورات التدريبية المختلفة المتوفرة عبر الإنترنت بالذات لدى الدكتور طارق السويدان.

2. اقرأ كتاب (كيف تختار تخصصك الجامعي/ للدكتور ياسر عبد الكريم بكّار) سيساعدك ويطلعك على الكثير جداً مما يجب أن تطلع عليه.

3. اسأل واستفسر لتستفيد وتنير خلفيتك، واطّلع على قصص آخرين فأمامك الوقت والفرصة ولا تزال على أول الدرب، لكن ليكن لك هدفك واختيارك دوماً.

4. لا القدوة الصالحة ولا المعلم الذي تحبه ولا ما يراه فيك من يؤمنون بك ولا من تبغضهم ولا من تريد أن تغيظهم... لن يحدد أحد بدقة ما الذي يمكن أن تتميز به، أنت فقط بإمكانك فعل ذلك ، فتجنب اختيار تخصص تحب أستاذه مثلاً فليس حب الأستاذ كحب التخصص وعلى العكس لا تبتعد عن تخصص تبغض أستاذه إذا كنت تحب التخصص فعلاً.

5. إياك وتصديق من يقول لك إن التخصص الذي ترغب به ليس له مستقبل ، تذكر أننا في هذا العالم نصنع ما نحتاج وما نريد، وفكرة شخص قد تغير العالم، فاعزم وتوكل على الله.

لا تنظر للفرق بين نظرة المجتمع للطبيب ولعامل النظافة أو الناشط المجتمعي فمتى كان المجتمع عادلاً ومنصفاً أساسا في نظرته إلى الأشياء؟

6. لا تنظر للفرق بين نظرة المجتمع للطبيب ولعامل النظافة أو الناشط المجتمعي فمتى كان المجتمع عادلاً ومنصفاً أساسا في نظرته إلى الأشياء؟

7. كل منّا خلق ليسدّ ثغرة ويؤدي دوراً مهما ظنّ المجتمع غير ذلك فلولا عامل النظافة لأحاط الدود بكبار الشخصيات وبمن يستهينون بوظيفته، والاختلاف بين البشر سنة كونية لن تتغير مهما حاولوا ذلك، وكلّ منا يكمل نقص الآخرين.  

8. تذكر أن سنوات الدراسة ستكون مؤلمة ومحبطة وسيئة وثقيلة وطويلة وسوف تجلب لك النكد اليومي والكوابيس صحواً ونوماً والإجهاد الدائم والعلل الكثيرة، إذا درست شيئاً لا تريده.

9. قد تكتشف في منتصف الطريق أنك أخطأت فتصرف المزيد من العمر والجهد والمال لأجل الذهاب إلى وجهة أخرى، بينما العمر قصير والأيام محسوبة، لكنك في النهاية سوف تكون أكثر تميزاً بالتجربة، فلا تتردد في الذهاب إلى الأفضل ما دمت على قدر قرارك ومستعداً لمجابهته.  

كل الأمنيات بحياة جامعية تفيض بالرضى وتتكلل بالتفوق وتؤدي إلى النجاح وصولاً إلى علياء طموحك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" …