إلغاء الانتخابات المحلية في فلسطين: تداعيات، ومؤشرات، ومآلات

الرئيسية » بصائر من واقعنا » إلغاء الانتخابات المحلية في فلسطين: تداعيات، ومؤشرات، ومآلات
%d8%aa%d8%b5%d9%85%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa

تفاعل الشارع الفلسطيني على مدار شهرين خلت، مع قرار مجلس الوزراء بإجراء الانتخابات المحلية الفلسطينية، وبدأت الأحزاب والقوى المجتمعية الاستعداد لإحياء العرس الديمقراطي، على أمل إنجاب مرحلة فلسطينية جديدة، تطوي صفحة الانقسام والتفرد في القرار؛ سعياً للوصول إلى ترميم المشروع الوطني، والسير تجاه المصالحة الشاملة، والشروع في استكمال الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمجلس الوطني، غير أن هذه الطموحات الوطنية غدت سراباً بعد قرار محكمة العدل العليا، وقف قرار إجراء الانتخابات.

تداعيات القرار:

قد يبدو للوهلة الأولى أن نجاح الطعون في إسقاط قوائم فتح، وإخفاقها إدارياً وقانونياً هو السبب الوحيد الذي يقف وراء قرار التأجيل، لكن المتابع عن قرب تظهر له أسباب عديدة، وأن خلف هذا القرار تداعيات داخلية وخارجية تراكمية أخرى لها تأثيرها، لعل من أهمها:

أولاً: فرض الانتخابات بقرار أحادي من الحكومة، انصياعاً لضغوط الأطراف الخارجية المانحة، دون اعتبار التوافق الوطني، ومجيئها في أجواء غير مناسبة، في ظل تغول الاحتلال، واستمرار الانقسام، واشتداد الحصار على غزة، مما جعل الانتخابات وسيلةً لتعزيز الانقسام بأدوات جديدة، كما أنه لم يكن متوقعاً موافقة حماس على خوض الانتخابات في ظل المعطيات الراهنة، غير أنها أثبتت جهوزيتها، واستعداد كتائبها الجماهيرية والإدارية والإعلامية والقانونية، ودعمها لقوائم كفاءات دون المنافسة باسمها مباشرة، فأذهلت الجميع، وأربكت الحسابات.

ثانياً: فشلت حركة فتح في حسم نتائج الانتخابات لصالحها، بالرغم من كل الوسائل الإقصائية المستعملة، من عربدة سياسية، وملاحقة أمنية في الضفة الغربية، وتهديد المرشحين على غير قوائمها، والتضييق على الحريات، وتغييب عدد من قيادات حماس العاملة في اللجان الانتخابية في سجون الاحتلال والسلطة، ومحاولة تأجيج البعد الطائفي بين المسلمين والمسيحيين، واعتماد نظام الانتخاب النسبي للقوائم بما يقيد حرية الأفراد في الانتخاب، وبالرغم من كل ذلك أفادت تقديرات الموقف الفتحاوية، ونتائج استطلاعات الرأي، أن فتح لن تكون الرابح، وأن حماس لن تكون الخاسر على أسوأ التقديرات.

ثالثاً: إخفاق مشروع التسوية السلمية، وتكلس القيادة الفتحاوية، وفقدها للقدرة على تحفيز أتباعها، وحشد مؤيديه، مما ضاعف من أزماتها الداخلية، التي استنزفت رصيدها الشعبي، وأظهرت عمق الأزمة التي تعيشها، وكشف الفجوة التنظيمية والمهنية بينها وبين حركة حماس، وأن حركة فتح تتسم بالفوضى، والاستحواذ على ما تحت يدها من مقدرات الشعب، وتعتمد على العمل العشوائي، وتشكلت قوائمها بعيداً عن المعايير الأخلاقية والمهنية، بينما تمتلك حماس مشروعاً مقاوماً، وتعمل برؤية تنظيمية، وتنتقي الكفاءات وفق معايير مهنية.

رابعاً: عدم إيمان فتح بالشراكة والديمقراطية والقانون، فالرئيس هو من صادق على اللجنة المركزية للانتخابات، وعين رئيسها، وحدد موعدها، ونطاق عملها، الذي يستثني إجراء الانتخابات في القدس، وصادق على قانون التمثيل النسبي، بعد استفادة حماس من قانون الدوائر في انتخابات عام 2005م، والآن جاء قرار إيقافها أو قل إلغائها من المحكمة العليا المنحازة لها.

نتائج يمكن استخلاصها:

أولاً: قرار تأجيل الانتخابات سياسي محض، فالذرائع التي طرحتها المحكمة العليا لا ترقى إلى أدنى مستوى من القبول؛ لأن انتخابات الهيئات المحلية التي أجريت عام 1996م لم تشمل القدس، ومن أصدر قرار إجراء الانتخابات يعلم ذلك، كما أن الطعن في عدالة المحاكم هروب واضح، فلجنة الانتخابات المشكلة بقرار رئاسي تشهد بنزاهة الإجراءات القانونية، وإن كانت المحكمة جادة في الأسباب التي طرحتها، فهذا يلزمها بمحاكمة من قرر إجراء الانتخابات قبل توافر ظروفها، وعبث بمؤسسات الدولة، ومزاج الجمهور، واستنزف الجهود والأوقات والأموال.

ثانياً: انتصرت حماس قانونياً وشعبياً، فهي الرابح الأكبر لو أجريت الانتخابات، وكذلك ربحت من تأجيلها، وثبت أنها الفاعل الأكثر تأثيراً على الساحة الفلسطينية، وفشل مسار مواجهتها من خلال صندوق الانتخابات، بينما أخفقت فتح في الالتزام بتعهداتها للجنة الانتخابات، ولم تحترم القانون الذي ينص على اللجوء لمحاكم البداية في المحافظات، وتكشفت الحقائق، وظهر من يؤمن بحرية الشعوب في اختيار من يمثلها، ومن يمتطي الشعوب ويدعي الديمقراطية.

ثالثا: تربط فتح مصير القضية الفلسطينية، والمنظمة، والمؤسسات الوطنية، والانتخابات، بمدى تحقيقها لمصالحها، فإن كانت هي المتفوق مضت فيها، وإلا انقلبت عليها، عملاً بالمثل الشعبي السائد "تخرب بيدي ولا تعمر بيد غيري"، فهي لجأت إلى الانتخابات كمحاولة لنزع الشرعية عن حركة حماس، ولما ظهرت المؤشرات خلافاً لمصالحها أحجمت عنها، وهذا يذكرنا بما حدث في انتخابات عام 2006م من محاولة ترويضها لحماس، وتوريطها في الحكم، وإلزامها بخيار المفاوضات، ونزع سلاحها، ثم الانقلاب عليها بعدما فشلت الخطة، وحصلت حماس على الأغلبية.

رابعاً: اتجهت فتح إلى الخيار المقلوب وتركت الحل المطلوب، فالعقل والمنطق وتغليب المصلحة العامة يقتضي قيامها بمراجعات حقيقة، وتصويب مسارها، ومعاقبة من أفسدها وغرر بها، واختار مرشحين لا تنطبق عليهم الشروط القانونية، لكنها اختارت حلاً مقلوباً، تمَثَّل في معاقبة الشعب والقانون والفصائل الملتزمة، ومعاودة التفرد بالقرار الفلسطيني.

توصيتان يمكن العمل عليها:

الأولى: ينبغي بذل كل الوسائل الممكنة من الفصائل والمؤسسات والقوى الفاعلة؛ لإلزام السلطة بالعودة إلى احترام الديمقراطية، وإعطاء الشعب حقه في اختيار من يمثله، وجعل الشراكة هي الخيار الأول لدى الكل الوطني، وعدم السماح لقرارات العليا قطع الطريق على المسار الديمقراطي، ومواجهة احتكار التمثيل السياسي، والتفرد بالقرارات المصيرية، وإلى ذلك الحين فإن الشرعية ما زالت مع حركة حماس التي فازت في آخر انتخابات عقدت.

ثانياً: إذا فشل خيار التغيير الديمقراطي، وتقلصت فرص نجاح الشراكة، فعلى الفصائل الفلسطينية الداعمة لمشروع التحرير، البحث عن مظلة وطنية جديدة، تشمل قوى المقاومة، وتكون بديلة عن منظمة التحرير المهترئة التي لا تمثل الكل الفلسطيني، والعمل من خلالها على تطوير انتفاضة الشعب بكل مكوناته، وفي الساحات المختلفة، وحصر دور البلديات ومؤسسات الحكومة في المهام الخدماتية بعيداً عن الأدوار السياسية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

شهادة الشيخ محمد حسين يعقوب ومحاكم التفتيش

تلك محاكم تفتيش حقيقية، مثل سابقتها في مأساة الأندلس القديمة. فلم يأتوا بالشيخ يعقوب ليسألوه …