استراتيجيات التعطيل الحضاري بين استجابة الأمة ومتطلبات التصدي

الرئيسية » بصائر الفكر » استراتيجيات التعطيل الحضاري بين استجابة الأمة ومتطلبات التصدي
arab8

لا يمكن بحال النظر إلى المرحلة الحالية من التراجع الحضاري التي تمر بها الأمة في سياقها المجتزأ الذي ينظر به البعض إليها؛ حيث يرتبط الأمر بأبعاد أخطر وأعمق زمنيًّا وموضوعيًّا مما هو عليه الأمر.

وأهم ما يجب أن يقرَّ في وجدان وعقول أبناء الأمة جميعًا، ولاسيما الطليعة التي تعمل على إعادة حشد وتنظيم الصفوف، وتوجيه الجهد في مواجهة هذه الأزمات، والتصدي للأخطار الداخلية والخارجية؛ هو أن ما يجري، إنما يتم في إطار مخطط دقيق تتضافر فيه جهود أطراف عدة، من بين ظهرانينا، وعبر البحار والتخوم، من أجل تعطيل السياق الحضاري للأمة.

ويمكن القول بكل اطمئنان إلى أن ما يجري تجاه الأمة في الوقت الراهن من حروب ومؤامرات تستهدف هويتها وثرواتها ووجودها ذاته، إنما بدأت جذوره الأولى منذ نهايات بعثة الرسول الكريم، محمد "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، عندما بدأت الحروب الحدودية بين الدولة الإسلامية الوليدة، وبين الإمبراطورية الرومانية عند مناطق التماس بين شبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام التي كانت تحت سيطرة الرومان في ذلك الوقت.

ومثل أي كيان استعماري؛ فإنه دائمًا وأبدًا، وفي كل زمان ومكان، ما تجد لهذا الكيان الاستعماري أعوان داخليون، يساعدونه في مقابل بخس الثمن .

فمن العرب الغساسنة في بلاد الشام، وحتى الأنظمة المستبدة الفاسدة التي تحكم منذ عقود طويلة، خيط متصل ومتين من الارتباط والتشابه في الأدوار والوظائف، وفي الأثر كذلك.

ولعل فيما في الفقرة السابقة، أبلغ دليل على أن الأمر عبارة عن مخطط متصل، ومستمر إلى الآن؛ حيث التشابه في السياسات والأدوات، يؤكد أن محاولات التعطيل الحضاري للأمة ليست وليدة اليوم، أو حتى القرنَيْن التاسع عشر والقرن العشرين، اللذَيْن شهدا الاحتلال الغربي المباشر للعالم العربي والإسلامي.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن استهدافنا كأمة بهذه المخططات لا يعني أن نتجاهل بعض الأمور المهمة فيها، وأهمها أن هذا الذي يجري، بسياقه التاريخي؛ إنما هو أحد القوانين والسُّنَن التي وضعها الله عز وجل في العمران الإنساني في الحياة الدنيا، وجزءٌ منه يدخل في إطار سُنن التدافع وصعود وهبوط الحضارات، والحضارة الإسلامية ليست استثناءً منها.

إسلامك أو حتى إيمانك، لا يحول بينك وبين قوانين وسنن الخالق عز وجل، وأن العبرة بالعمل، وليس بالانتماء

و"ليست استثناءً" هذه، هي عبارة شديدة الأهمية؛ حيث إنها تضع الأمة أمام واجبات عديدة للتصدي لهذه المخططات، والدرس أو العبرة الأبرز في هذا الصدد، هو أن إسلامك أو حتى إيمانك، لا يحول بينك وبين قوانين وسنن الخالق عز وجل، وأن العبرة بالعمل، وليس بالانتماء.

وبالرغم من تعدد الآليات التي تحتويها استراتيجيات التعطيل الحضاري التي تبناها خصوم الأمة في الخارج، وأعوانهم في الداخل من أنظمة وقوى مرتزقة ومنتفعين؛ إلا أنها تلتقي جميعًا في ثلاثة سياقات أساسية.

السياق الأول، هو فصل الأمة عن القرآن الكريم، وينبثق من ذلك تعطيلها أخلاقيًّا، وفصلها عن قيمها الأساسية بمختلف وسائل القوة الناعمة، ويشمل ذلك، تعديل اهتمامات وأولويات الأجيال الجديدة، من معالي الأمور إلى سفيهها!

السياق الثاني، هو تفتيت الأمة، وهو ما لا يعني التفرقة بين أبنائها وبعضهم البعض فحسب، وإنما أيضًا إيقاع العداوة والبغضاء بينهم وبين بعضهم البعض، وإغراقهم في أتون صراعات بينية دموية، تريق الدماء وتهلك الحرث والنسل، وتبعد بين المسلمين وبين الوحدة التي هي أساس ومصدر القوة الرئيسي لأي كيانٍ.

ويدخل في ذلك، نشر الأفكار الهدامة والمذاهب الغريبة، وإشاعة روح القومية والشعوبية، وإحياء المذهبية والطائفية، وتغذية صراعات تاريخية، تعود جذور بعضها إلى مرحلة ما قبل ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، كما هو الحال في نثائية سُنِّي/ شيعي، أو عربي/ فارسي، وغير ذلك مما اتصل، حتى وصلنا إلى مرحلة الصراع بين مدينة وأخرى، وقبيلة وأخرى، وكأنما عاد بنا التاريخ إلى عهد الجاهلية.

وقد حذر نبيُّنا "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، من ذلك، وتوقعه، عندما قال في خطبة الوداع: "لا تعودوا من بعدي كُفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" [متفقٌ عليه].

السياق الثالث، هو إفراغ الأمة من إحساسها بانتمائها الإسلامي الجامع، أو بمعنى أدق تدمير فكرة المركزية الإسلامية التي ظلت مسيطرة على النظام العالمي في العالم القديم، لأكثر من ألف عام.

ويشمل ذلك دمجها في النظام العالمي القائم – أيًّا كانت المرحلة التاريخية التي تتحرك فيها – بحيث تكون بوصلتها دائمًا بعيدة عن انتمائها الإسلامي، وأن يقر في قناعة الأجيال الجديدة من أبناء الأمة، أن الأمة جزء من نظام أكبر وأقوى منها، وأنها هي والبلدان التي خرجت من عباءة الدولة الإسلامية الجامعة بعد تفككها، إنما تابعة لهذا النظام، أو للقوى الكبرى المسيطرة عليه بمعنىً أدق، وأنها لا تملك حيلةً في أن تؤسس نظامها الخاص، أو تتحرك وفق ما تفرضه عليها هويتها الإسلامية الأصيلة.

مؤتمر الشيشان الذي تم برعاية النظام العالمي غير المسلم، قاد إلى فتنة جديدة تضاف إلى سلسلة الفتن والأزمات الداخلية التي تضرب بنيان الأمة

ولعل في مؤتمر الشيشان الأخير، نموذجًا مهمًّا فيما يتم في إطار السياقَيْن الثاني والثالث؛ حيث إن المؤتمر بالرغم من أنه يعبر عن قضية إسلامية شديدة الأهمية والمركزية، وهي تعريف أهل السُّنَّة والجماعة؛ إلا أنه تم برعاية النظام العالمي غير المسلم، ممثلاً في أحد أقطابه، وهو روسيا.

كما أنه تم في إطار تقسيمي بحت؛ حيث إن تجاوزه لذكر السلفيين وقوىً إسلامية أخرى لها جذورها الضاربة في المجتمعات المسلمة، قاد إلى فتنة جديدة تضاف إلى سلسلة الفتن والأزمات الداخلية التي تضرب بنيان الأمة ومكوناته المختلفة.

وينبثق عن ذلك، مختلف صور إضعاف الأمة، بما في ذلك احتلالها احتلالاً مباشرًا مرة أخرى، كما تم مع العراق وأفغانستان، ونهب خيراتها، ودعم الأنظمة المستبدة الفاسدة التي لها أخطر الأثر في تنفيذ مختلف أركان هذه السياقات الثلاث، من خلال تجهيل المجتمعات وتجريفها حضاريًّا، وإضعافها بحيث تكون سهلة القياد، ويكون من السهل الحفاظ على حالة السبات والتفكك التي هي عليه.

استجابة الأمة ونقاط الضعف:

لعل أهم ما ينبغي التأكيد عليه في هذا الإطار، هو أنه مخطئ من يضع الوضع القائم ضمن استجابات الأمة، ويتهمها بالتقصير؛ حيث إن ذلك الحكم يخلط ما بين الأنظمة الحاكمة وأثر سياساتها على المجتمعات المسلمة، وبين استجابة هذه المجتمعات، والتي هي أصل الأمة، بينما لا تملك الأنظمة الحاكمة صفة التمثيلية للأمة؛ باعتبارها مغتصبة للسلطة، ولا تعبر عن أيٍّ من أركان هوية الأمة.

وتنقسم الأمة ممثلة في الإنسان المسلم، بين غالبية مطحونة، مُجهَّلة، وبين طليعة مستنيرة.

القسم الأول، جزء من مشكلته لا يمكن إلقاء اللوم عليه فيها، حتى وإن استجاب للحكومات والأنظمة في مواجهتها مع القسم الثاني، وهو الطليعة المستنيرة التي نظَّمت نفسها، وبدأت تسعى إلى استعادة خيرية الأمة، والتي على رأس متطلباتها، الإطاحة بالأنظمة القائمة، التي تقف حجر عثرة حقيقي أمام الصحوة الإسلامية.

لأن هذا القسم، وهم من ملح الأرض، قد تعرضوا طيلة عقود طويلة إلى شيء غير يسير من مساعي التجريف الفكري والمعنوي، بالإضافة إلى الإفقار القسري الذي أدى إلى لفت أنظار الشعوب عن أي شيء عدا البحث عن لقمة العيش.

ولقد كان لذلك أبلغ الأثر في إشعار أبناء الأمة بالضعف أمام الأنظمة، مع إحساسها بالمذلة، وبالتالي، فقد انغرست فيها قناعة بعدم قدرتها على أي فعل إيجابي، ومن ثَمَّ استسلمت لسجانيها، مع غياب القدرة على التمييز ما بين الخبيث والطيب فيما يعرض عليها من مواقف وأمور.

وهنا تبرز مهمة الطليعة المستنيرة في الصبر على هكذا وضع، وعدم اليأس من عملية تغيير هذا الوضع على مستوى الشعوب.

مفتاح التغيير الحقيقي يكمن في تغيير الشعوب، وتصحيح مفاهيمها، وإبدال أولوياتها من لقمة العيش، إلى التطلع إلى حياة أفضل واستعادة الأدوار الحضارية للأمة

ولعلها القضية المركزية التي نريد التأكيد عليها في هذا الموضع؛ فمفتاح التغيير الحقيقي يكمن في تغيير الشعوب، وتصحيح مفاهيمها، وإبدال أولوياتها من لقمة العيش، إلى التطلع إلى حياة أفضل واستعادة الأدوار الحضارية للأمة، وإيصال حقيقة مهمة لهم مفادها أن هذا الوضع هو في مصلحتهم قبل أي طرف.

فلو حدث واستعادت الأمة خيريتها ودورها الحضاري؛ فإن أول المستفيدين سيكون هم البسطاء والضعفاء الذين تسرق الأنظمة الحاكمة حقوقهم وأقواتهم، وتجعلهم في معيشة من الذل ما بعده ذل ومهانة، وأن استعادة الأمة لعزتها، سوف ينعكس عزةً عليهم.

وأهمية هذا الجهد – وهو ما تدركه الأنظمة الحاكمة والقوى الخارجية التي تعمل على تعطيل الأمة حضاريًّا – يكمن في مدركٍ شديد المركزية في هذا الأمر، وهو أن الجماهير هي مفتاح التغيير الحقيقي، وأنها هي الوحيدة القادرة على التصدي للآلة الأمنية والعسكرية للأنظمة الحاكمة.

ولا يمكن القول بأن الحالة في سوريا على سبيل المثال، وفي دول الربيع العربي، يقول بعكس ذلك، وأن الثورات الشعبية قد فشلت أمام قبضة الأنظمة القمعية؛ إطلاقًا، فما حدث هو أن هذه الأنظمة على إدراكها أنها غير قادرة على التصدي لشعب بأكملها؛ فإنها عملت على تفتيت جبهته، وسحب جزء منه من خلف الطليعة الثورية الموجودة، وبالتالي؛ فإن فشل الثورات العربية مرحليًّا، يعود إلى أن الظهير الشعبي لها تراجع ، وهو ما يؤكد مفتاحية دور الشعب في عملية التغيير.

وهو ما تم في الجزائر فيما يُعرف بالعشرية السوداء في التسعينيات الماضية؛ حيث إنه – ووفق شهادات موثقة من داخل الدولة الجزائرية ذاتها – فإن النظام الذي يسيطر عليه الجيش الجزائري، عمد أول ما عمد إلى تنفير الرأي العام من الحركة الإسلامية من خلال منظومة متكاملة من الإجراءات الهدامة، التي تم ربطها بالحركة الإسلامية.

إن ما جرى في السنوات الماضية من انتكاسات للمشروع الحضاري الإسلامي والقوى المعبرة عنه، ومسارات الثورات، لا ينبغي أن يمنع عن الطليعة الحركية الإسلامية من أن تستمر في دورها في صحوة الشعوب؛ فهذا هو أهم متطلبات التصدي لاستراتيجيات التعطيل الحضاري للأمة.

لذا متى استفاقت الجماهير؛ فإنه لا يمكن لأية قوى أن تقف بوجهها !..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

قرارات الغرب الجديدة ضد حركات المقاومة.. إعادة رسم لسياسات المنطقة

شهدت الفترة الأخيرة اتخاذ بعض الدول المحسوبة على التحالف الغربي، وبالتحديد دول التحالف الأنجلو — …