التوتر..عنف نفسي آخر

الرئيسية » بصائر تربوية » التوتر..عنف نفسي آخر
childhood-stress17

يسعى الأهل دائماً إلى الارتقاء بأبنائهم إلى مدارج السالكين و جعلهم في الدنيا و الآخرة من الرابحين، وذلك عن طريق بلورةٍ فكريةٍ خاطئةٍ تقتحم عقول الوالدين ظانين بذلك أنهم يحافظون على تميز أبنائهم و رفعتهم، و من هذه المغالطات التي يحطم بها الآباء كينونة أطفالهم و شخصياتهم "القيد و الفرض" غاضين الطرف عن أنهم بتلك التصرفات الهمجية يتلبسون التركيبة الخاصة الفريدة التي أودعها الله تبارك و تعالى في النفس البشرية. فالإنسان مدني بطبعه و اجتماعي بفطرته، ولذلك فإن حاجته إلى التواصل هي حاجة أساسية فطرية مهما كانت الحاجات الأخرى مهمةً بالنسبة لنا أو لهم كأطفال.

يقوم الأهل عادةً ببعض السلوكات الخاطئة التي تطفئ جوهر الدراسة و البحث في نفوس أطفالهم، و يحولون هذا الأمر إلى محض عادةٍ ثقيلةِ الحمل تستوجب على الأبناء التعامل معها على مضض متلاشين بذلك عقاباً متلازماً قد يقع عليهم لو قصروا في أداء تلك المهمة، ولعل الضغط النفسي والقلق الذي يصطحب الآباء أثناء تدريس الأبناء هو واحدٌ من أهم تلك الممارسات التي لابد و أن تطمس رغبة الدراسة و الدافعية عند أبنائهم. و يعرف علماء النفس التربويون الضغط النفسي بأنه: كل ما يحدث اضطراباً نفسياً أو جسدياً في جسدنا وعقلنا.

يعرف الضغط النفسي بأنه كل ما يحدث اضطراباً نفسياً أو جسدياً في جسدنا وعقلنا

لقد أكدت دراسة حديثة في عام 2014 قام بها الباحثان " فان هارملن وفان تول" لبحث ما إذا كان للضغط النفسي والعاطفي و إثارة التوتر أثر على نمو الدماغ أم لا، وقد قامت هذه الدراسة بمقارنة صور الدماغ لـ 181 شخصا، فوجدا أن 84 عانوا من ضغط نفسي في طفولتهم و97 لم يعانوا من أي ضغط نفسي في طفولتهم، وأكدا أن هناك منطقة في مقدمة الدماغ كانت 7% أصغر عند الأفراد الذين عانوا ضغطاً نفسياً مقارنةً بمن لم يعانوا، وهذا الجزء من الدماغ كما أشارت الدراسة له دور كبير في تحديد السلوك العاطفي وكيفية التعامل مع ضغوط الحياة، لذلك فإن تقليص نمو هذا الجزء وتقلص حجمه يجعل الشخص مهيأ ومعرضاً أكثر من غيره من الأصحاء للإصابة بالاكتئاب والقلق والأمراض النفسية الأخرى.

ماهي أشكال الضغط النفسي التي يمر بها طفلي؟

يقول الدكتور ياسر عبد الكريم مستشار التنمية البشرية و الإدارية في مقال له بعنوان"الضغط النفسي..القاتل الصامت" تصنف علامات الضغط النفسي إلى ثلاثة علامات هي:
1) علامات جسدية مثل: التعب العام، الصداع، تعرق اليدين، وأعراض جسمية أخرى لا تتناسب مع تشخيص معين.
2) علامات نفسية مثل: القلق، واضطراب النوم، والحزن، وعدم القدرة على التركيز، أو الغضب، وتبدل المزاج بسرعة.
3) علامات سلوكية مثل: التفاعل المبالغ فيه مع الأحداث، وكثرة المشاجرات لأتفه الأسباب، أو القيام بتصرفات مفاجئة وغير مدروسة، أو الانعزال عن الآخرين.

تعتبر كمية الضخ السلبية غير الموجهه الذي يبثها الأهل في أذهان أطفالهم بمثابة جروحٍ دماغيةٍ عميقةٍ تعقيق تكيف الطفل مع ذاته ومع عالمه الأكبر بعد ذلك

ماذا يفعل ضغطنا و إلحاحنا الشديدين على أطفالنا؟

1_ تعتبر كمية الضخ السلبية غير الموجهه الذي يبثها الأهل في أذهان أطفالهم بمثابة جروحٍ دماغيةٍ عميقةٍ تعقيق تكيف الطفل مع ذاته ومع عالمه الأكبر بعد ذلك، الأمر الذي يحذر منه التربويون؛ لأنه به ينخفض عند الطفل مستوى التوازن في المجالين الجسمي السلوكي و الحيوي النفسي.

2_ قد يحدث عن هذا الضخ ضعفاً في القدرة على الاستجابة الفردية المناسبة للمواقف و الأحداث التي يمر بها الطفل. فمثلاً لو سئل الطفل سؤالاً بسيطاً في أي موضوع فإنه سيتلعثم في الإجابة نتيجةً لتعطيل مستوى الدافعية عند الطفل.

ليس من الضرورة أن تحمل الدراسة بين ثناياها تعقيداً لنشعر أن أطفالنا منجزون، فأدوات هذا العصر يجب أن تناسب مقاس أبنائه

أطفالٌ لا يدرون صالحهم، فهل نتركهم على ما يريدون؟

لا يا رعاكم الله، إن توفير بيئة آمنة محبَة متقبِلة لخطأ الطفل من شأنها أن تدعم نفسيته و تقلص فخ التوتر و القلق النفسي   الذي قد نوقع أطفالنا به دون أي عائد أو مكسب. فليس من الضرورة أن تحمل الدراسة بين ثناياها تعقيداً لنشعر أن أطفالنا منجزون، إن أدوات العصر يجب أن تناسب مقاس جيل العصر فلا يحق لنا أن نطالب بأطفالٍ استثنائيين و مبدعين طالما أننا نرهقهم بهرطقاتنا الفكرية القديمة من شأنها أن تعيق تقدم عقولهم و لذلك فإنه لخلق تعليمٍ ممتعٍ و نافعٍ خالٍ من أي ضغط نفسي علينا اتباع ما يلي:

1) درسوهم و أنتم تلعبون الرياضة: أثبتت دراسة حديثة نشرت في مجلة “علوم الأعصاب” في مايو 2013، بينت أن الرياضة تعيد تنظيم عمل الدماغ، وتجعله أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط وأقوى مناعة ضد عوامل التوتر  . و لا شك أن أطفالنا بحاجة إلى مثل تلك الحركات الجسدية لطرد المفهوم السلبي الذي تخزنه عقولهم عن الدراسة.

2) إذا كان عمر طفلكم أقل من السبعة أعوام فلا تتعاملوا معه بطريقة التلقين أبداً بل حولوا المجرد إلى مادي و المسطح إلى محسوس: يقول العالم "بياجيه" أن الأطفال حتى سن السابعة ينتمون إلى مرحلة عمرية خاصة يطلق عليها مرحلة العمليات المادية أو المحسوسة، وبها يتمتعون ببعض الخصائص الفريدة التي تعد "الواقعية" واحدةً منها، حيث يدرك الطفل الأشياء عن طريق تأثيرها الظاهر أو نتائجها المحسوسة ولا يربطها بأسبابها الحقيقة، فهو يكتفي بالفعل المحسوس، ويتقبله بدون البحث عن أسبابه.

3) قوما بلعبة استبدال الدور: يحب الطفل أن يشعر بأنه قائد ليس متلقياً، اسمحا لطفلكما بأن يكون المعلم مثلاً و كونا التلاميذ أو الأولاد مثلاً  ، أو ادعما خاصية "الإحيائية" التي يعيشها الطفل حتى سن السابعة و هي الخاصية التي تعني أن الطفل يضفي الحياة والمشاعر على كل الأشياء الجامدة والمتحركة، فالشيء الخارجي يبدو له مزودا بالحياة والشعور. فمثلاً راقبوا عن بعد و أحضرا له الدمى ليعيش معها هذه الخاصية.

4) إذا كان طفلكما واعياً أو كبيراً نوعاً فعليكما أن تعلموه قاعدة 20/80 وهي قاعدة تنص على أن 20% من الأعمال تؤدي إلى 80% من النتائج المرجوة، علماه تحديد هذه الأعمال، واجعلاه يصرف وقته فيها، ويتحلل من بقية أعماله الطويله التي لا تسببب له الكثير من المكاسب.

5) ما يدرك كله لا يترك جله: يجب علينا أن ندرك أن أطفالنا لهم قدرات مختلفة و متفاوتة، لذا يجدر بنا مراعاة ذلك   و الاهتمام به دون التغافل عن بقية قدراتهم الأكاديمية، كما أنه ولا بد من اتباع مبدأ التدرج، لا أن نطالبهم بنتائج فاعلة فور بدء العام.

إن تحقيق دراسةٍ فاعلةٍ مثيرةٍ تغذي عقول أبنائنا من شأنها أن تساهم في رفعة مجتمعٍ متآكلٍ مهترئٍ، و إن جعل الدراسة شهية كشهية التفوق و النجاح أمر لن نجني ثماره طالما أن الجو السائد مشحونٌ بالتوتر و الضغط النفسي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

9 مؤشرات تجعل الاستقالة من الوظيفة ضروريةً

-ولو كانت محسوبة- فيستمرون في وظيفة ما من باب تجنب تعريض أنفسهم لهجمة الريح ومفاجآت …