انتخابات الأردن .. ما وراء السطور (2-2)

الرئيسية » بصائر من واقعنا » انتخابات الأردن .. ما وراء السطور (2-2)
jordan29

عطفاً على ما سبق في المقال السابق وبعد أن قررت الحركة الإسلامية المشاركة في هذه الانتخابات، قررت أن تكون المشاركة واسعة وكبيرة؛ ممتدة من شمال الأردن إلى جنوبه، إلا أنها هذه المرة أضافت إضافة كانت عبقرية ومميزة، بل وقد أخذت ألباب القوم وأرعبت الحكومة -وهو ما كان واضحاً من خلال حملات التشويه الإعلامية المقصودة، وكذلك من خلال الكتاب المحسوبين على الحكومة- لقد قامت الحركة الإسلامية بعمل دراسة لكل دائرة من دوائر المملكة، ثم قامت بتنسيب الشخصيات الملائمة للمشاركة في المجلس، وقامت بدعوة رجالات وقامات وطنية غير محسوبة على الحركة الإسلامية وتحالفت معهم بل وكذلك شاركت فيما يسمى بالكوتة لكل من المسيحيين والشركس والشيشان إضافة للمرأة، وقدمت خير شبابها وقياداتها للمشاركة، من مختلف التخصصات ومن مختلف المنابت والأصول.

فقد أعلن التحالف في حفل الإشهار المهيب الذي أقامه عن 122 مرشحا تم توزيعهم على 20 قائمة من أصل 23 دائرة في المملكة، حيث أنهم لم يشاركوا في كل الدوائر، وقد شاركوا بأكثر من قائمة في أكثر من دائرة، وقد أعطت الحركة الإسلامية عهدها لمن تحالفت معهم بأنها ستقوم بالتصويت لجميع أفراد القائمة من قبل جميع أفراد الحركة الإسلامية والتزمت بذلك، ما جعل الأرقام تبدو في كثير من قوائمهم متقاربة جداً.

وتمت هذه الانتخابات كما هو مخطط لها، وسارت العملية الانتخابية في ظاهرها بسلاسة، بل إن المراقبين الدوليين الذين حضروا إلى الأردن لمراقبة أداء الحكومة في هذه الانتخابات أثنوا على إدارة الانتخابات ووصفوها بالنزيهة، إلا أن هذه العملية الانتخابية وكما قدم أكثر من مرشح أدلته عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد شابتها عملية من التزوير المدروس والمخطط له مسبقاً خاصة في بعض المحافظات ذات الثقل الإسلامي، وكذلك شهدت إحدى الدوائر اقتحاماً لمركز الاقتراع وسرقة 10 صناديق منها ومن ثم إعادة 9 منها فقط، لكن يبدو أن هناك إجماعاً على أن هذه الانتخابات أفضل من انتخابات 2007م والتي كان التزوير فيها عياناً.

حصد التحالف الوطني للإصلاح على حوالي ربع أصوات الناخبين على مستوى المملكة، وهو ما يشكل نسبة مرتفعة، لكن قانون الانتخاب منع الكثيرين من النجاح

استطاع التحالف أن يحصد في هذه الانتخابات ما مجموعه 15 مقعداً في هذا المجلس من أصل 130 مقعداً، وقد حصل التحالف على المقاعد المخصصة للشركس والشيشان بالكامل وعددها 3 مقاعد، إلا أن التحالف قد حصد حوالي ربع أصوات الناخبين على مستوى المملكة، وهو ما يشكل نسبة مرتفعة، لكن قانون الانتخاب منع الكثيرين من النجاح، فقد نجح أكثر من مرشح لأنه كان الأول في قائمته بنصف عدد أصوات المرشح الإسلامي الذي لم ينجح فقط لأنه الثاني على قائمته أو الثالث، وهنا يرى الكثيرون بأن المجلس قد أفرزه قانون الانتخاب وليس الشعب، ومن الجدير بالذكر هنا أن التحالف قد نجح منهم من كل قائمة مرشح في نفس الدائرة، بل إن هناك قائمة واحدة نجح منها مرشح واحد وامرأة على الكوتة، والمقعد المسيحي والمقعد الشركسي أيضا على الكوتة.

دروس من قلب الحدث

في الحقيقة لقد قدمت الحركة الإسلامية في الأردن تجربة ريادية في خوض هذه الانتخابات من خلال تشكيل تحالف وطني واسع ومميز، التزمت فيه الحركة بواجبها في العمل لهذه القوائم ككل، وليس لمرشحين كأفراد باستثناء بعض المخالفات هنا وهناك، وقد أكد على ذلك رئيس الهيئة العليا في الانتخابات السيد زكي بني ارشيد بأن "هدفنا هو التحالف وإنجاحه كفكرة بغض النظر عن نتائج الانتخابات، نحن لا يهمنا الفوز أو الخسارة بقدر ما يهمنا أن نصدق مع من تحالفنا معهم".

ومن الجدير بالذكر أنه قد كان بالإمكان أفضل مما كان، كما ترى قيادات العمل السياسي في الحركة، حيث تبين لهم بأن هناك مجموعة من الدوائر كانت بحاجة لدراسة أكثر للمشاركة فيها بأكثر من قائمة، كما أن هناك مجموعة من الأسماء كانت ضعيفة للمشاركة في مثل هذه العملية، وكانت بعض الدوائر بحاجة إلى توزيع أفضل للمرشحين في القوائم.

يقول الله تعالى في سورة آل عمران: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

شهدت الحركة الإسلامية بعضاً من التجاوزات من بعض الأفراد فيما يتعلق بهذه الانتخابات، ابتداء من عدم المشاركة وانتهاء بمخالفة قرار المشاركة مروراً بعدم التفاعل كما ينبغي

في الحقيقة لقد شهدت الحركة الإسلامية بعضاً من التجاوزات من بعض الأفراد فيما يتعلق بهذه الانتخابات، ابتداء من عدم المشاركة وانتهاء بمخالفة قرار المشاركة مروراً بعدم التفاعل كما ينبغي، إن شباب الحركة الإسلامية كانوا وما زالوا كخلية النحل دأباً وعملاً وتنظيماً وتفاعلاً، وجله يكون دون مقابل بل احتساباً لوجه الله الكريم، ولقد ذكر مجموعة القيادات في بعض الدوائر تخلفاً من شبابهم والعمل الجدي وكما هو مطلوب منهم في هذه الانتخابات، وشاء الله أن يخسر المرشح هناك بفارق لا يكاد يبلغ المئة صوت، وترى هذه القيادات أنه لو تم العمل كما ينبغي لفاقت النتائج التوقعات، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

نعم أيها الإخوة، إن مما يجعلنا نتراجع هو اختلافنا ابتداءً ولذلك يقول الله عز وجل: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}، ما أكثر الشامتين بنا في كل مقعد نخسره، وفي كل عقبة نتوقف عندها، ما أكثر من ينتظرون منا الفشل، فالأصل أن نكون يداً واحدة، لا أن نكون منتمين في القلوب دون الأيدي والأعمال، لا ينبغي أن نقدم راحتنا على العمل للصالح العام، وكذلك لا ينبغي لنا أن نقدم خلافاتنا الشخصية على مصلحة الجميع ومصلحة الدعوة، كما وينبغي على الأفراد جميعاً أن يبقى في خندقه الذي اختير له، لا أن يغيره بناء على هواه وعلى ما يحب، فإنك إن تركت مكانك تركت ثغرة لن يسدها أحد بعدك، وستذهب إلى ثغرة قد سدها غيرك، فتصبح هنا خاذلا، وهناك متطفلاً زائداً لا حاجة لك.

من المهم أن يعلم الداعية بأن العمل ميدان وتحرك، لا أن يكتفي بالكتابة من خلف الشاشات والتنظير على العاملين والانتقاد والانتقاص من عملهم وأدائهم

وإن من المهم أيضاً أن تعلم بأن العمل ميدان وتحرك، لا أن تكتفي بالكتابة من خلف الشاشات والتنظير على العاملين والانتقاد والانتقاص من عملهم وأدائهم، فبرنامج ضخم مثل برنامج التحالف الوطني للإصلاح يحتاج إلى جولات نقاشية وحركة في الشارع وتواصل مع الناس كي يستطيع أن توصل فكرتك وتنجحها، وفرق بين من يعمل ليلقي عن ظهره ثقل التكليف وبين من يعمل لتنجح فكرته وتسمو دعوته، وفرق بين من يعمل بشكل صحيح ونافع وبين من يعمل بشكل خاطئ ودون نتيجة؛ ولذلك قال الإمام حسن البنا: "إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

شهادة الشيخ محمد حسين يعقوب ومحاكم التفتيش

تلك محاكم تفتيش حقيقية، مثل سابقتها في مأساة الأندلس القديمة. فلم يأتوا بالشيخ يعقوب ليسألوه …