لنقف أمام العيد نرجوا وحدتنا

الرئيسية » خواطر تربوية » لنقف أمام العيد نرجوا وحدتنا
1280px-eid_prayers_

أيام مباركات كحبل حريري يجمع شمل اللآلئ المتناثرة، من وسط الأحزان المتواصلة، ففي كل مكان جرح يمر عليه العيد على شكل سحابة واحدة تمطر في جاكرتا شرقا وتنتهي في تطوان غرباً.

جاء العيد ليذكرنا بمشهد آخر غير الذي نعرف، يوم يقف فيه الناس جميعاَ من كل الأجناس والأطياف واللغات على جبل عرفة، ليدعوا رباً واحداً لا شريك له. مشهد جمعي مليء بالقيم والمعاني للإنسانية كلها، بما يحمله من دستور يصوغ علاقات البشر، ويحفظ حرمات الدماء والأموال والأعراض، ويذكرهم بالطريق الوحيد لجمع شملهم وإنهاء معاناتهم.

جاء العيد ليعطينا مشهداً وحدويا فريداً لا تحققه أي من الديانات الأخرى ولا التقاليد ولا العادات، فالغرب في أعيادهم يسيحون في الأرض كل على حدة، وحتى في جمعهم متفرقون، كل تقوده مصلحته الخاصة وهدفه الخاص، فترى الحوادث تكثر فيها. أما نحن فأعيادنا لإعادة وحدتنا نتسابق فيها إلى الله بالخير مع الناس، والمشاهد الجمعية للمجتمع المتكامل تظهر فيها بشكل واضح، من خلال الزيارات للأقارب والأهل، والتحيات التي تلقى في كل مكان في المساجد والشوارع والمنتزهات والصالات.

العيد لا يعرف الحدود ولا الجغرافيا، فتكبيراته في مصر نفسها في سوريا وفلسطين، ونفسها في أندونيسيا وأمريكا وكل بقاع الأرض

العيد لا يعرف الحدود ولا الجغرافيا، فتكبيراته في مصر نفسها في سوريا وفلسطين، ونفسها في أندونيسيا وأمريكا وكل بقاع الأرض، لكن الغرب بلغاته المتعددة واعتقاداته المختلفة، وحد جغرافيته وعملته، وحافظ على استقلاليته، أما نحن فاستقلالنا متناثر ولغتنا وديننا واحد للأسف.

جاء العيد لنعظم فيه شعائر الله، وندخل فيه الفرح على قلوبنا وقلوب أطفالنا وأهلينا، لنعود فيه لطفولتنا البريئة حيث لا شيء سوى الفرح والحب والابتسامة، ولا مكان للبغضاء والشحناء، نخرج فيه بثياب جميلة زهية نجتلي العيد، ونراقب الأطفال، ونسمع الحكاوي والحواديث، ونمدح الناس ونثني عليهم ونتمنى لهم الخير.

أثارني العيد، لما فيه من عبرة، أمة عربية ذات لغة واحدة ورب واحد ودين واحد، يأتي عليها العيد وهي متفرقة إرباً إرباً، متقاتلة ومتناحرة، يمر عليها العيد ومشاهد القتل حاضرة في بقاع مختلفة من اليمن جنوباً إلى سوريا شمالاً، والعراق شرقاً إلى ليبيا غرباً... مشهد يقطع لذة العيد وجماليته.

على الرغم من كل المقومات التي يمنحها لنا العيد إلا أننا متفرقون لرفضنا الاستجابة للمنهج الذي تشكل فيه العيد

وعلى الرغم من كل المقومات التي يمنحها لنا العيد إلا أننا متفرقون لرفضنا الاستجابة للمنهج الذي تشكل فيه العيد، ورغم كل ما يجمعنا من لغة ودين جغرافيا إلا أننا متفرقون بفعل دكتاتوريات فرضت علينا فرضاَ وأثمان التخلص منها باهظة.

إن علينا أن نختصر المشهد، فتتوحد نفوسنا وأرواحنا في البداية كمسلمين وعرب في كل مكان، علينا أن نحقق غاية العيد وجماليته في الأطفال والنساء والجيران والأصدقاء في كل مكان من حولنا، ولنقترب من العيد أكثر ليقترب منا بروحه الجماعية الجميلة.

سؤال أطرحه دائماً لماذا يقف الحجيج بالملايين على جبل عرفات موحدين قلوبهم متعلقة بالله، نزع منها الغل والحقد والحسد والفرقة، ويعودون لبلادهم مفرقين متشتتين متقاتلين، كأن شيئاً لم يكن... ألا يشحذ العيد هممنا لنستمر بقلوبنا الصافية أثناء عودتنا إلى بلادنا؟

مخرجنا الوحيد لما نحن فيه من فرقة وضياع هو "العيد" بروعته، وبتعظيم شعائر الله فيه، وتطبيق دستوره الذي تلاه النبي على جبل عرفات في خطبة الوداع: "أيُّها النَّاسُ، إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليْكُم حرامٌ، إلى أن تلقَوا ربَّكم كحُرمةِ يومِكم هذا، وَكحُرمةِ شَهرِكم هذا، وإنكم ستلقونَ ربَّكم، فيسألُكم عن أعمالِكم وقد بلَّغتُ".

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الأمة
  • العيد
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتب صحافي من غزة حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي، متخصص في الشأن السياسي والقضايا العامة، وعمل مع العديد من الصحف والمواقع العربية والأجنبية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغات. أعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

    شاهد أيضاً

    ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

    كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" …