نوال السّباعي لـ(بصائر):الكتابة في الثورة فعل تحدّ ومقاومة وكفاح وحياة (2/2)

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » نوال السّباعي لـ(بصائر):الكتابة في الثورة فعل تحدّ ومقاومة وكفاح وحياة (2/2)
نوال السباعي2

تؤكّد الكاتبة السّورية نوال السّباعي في الجزء الثاني من حوارها مع (بصائر) أنَّ الثورة السورية ضد نظام الأسد وحلفائه مستمرة، وماضية في هدم وتحطيم وتفكيك كلّ المنظومة السياسية والثقافية والفكرية والدينية والأخلاقية التي أسّست لعهود الذل والاستكانة للمستبدين.

وفي حديثها عن الكتاب الذي بدأت نسج خيوطه (خواطر في زمن الثورة)، أوضحت: أنَّ "الكتابة عن الثورة، يحتاج إلى وقت وزمن تنضج فيه رؤية الثورة بعيداً عن أتون المحن التي نشبت على جنبات طريقها، أمَّا الكتابة في الثورة فهي ضرورة ملحة، خاصة وأنَّها في حالتي استكمال لهذا المشروع الأدبي-الفكري القديم الذي بدأ بالكتابة في المحنة في زمن المحنة".

وعند سؤال (بصائر) لمن توجّهين هذه الخواطر، قالت: "أكتب للعامَّة، أكتب للشعب، أكتب لأولادي وأحفادي، ولمن يريد من أولاد الناس وأحفادهم، أحاول أن أسلمهم الأمانة، أحاول أن أوصل إليهم الرّسالة، أحاول أن أترك عندهم هذه الوديعة الثقيلة؛ فإنَّ الدرب طويلة عسيرة، والمحنة مزلزلة، والثورة مستمرة إلى ما شاء الله حتَّى تحقيق كل أهدافها ولو كَرِهَ مَنْ في الأرض جميعهم".

فإلى تفاصيل الحوار مع الكاتبة نوال السباعي في جزئه الثاني والأخير:

بصائر: ما أبرز الخيوط التي بدأت تنسجين بها كتابك (خواطر في زمن الثورة)، ولمن توجّهين هذه الخواطر؟ هل ستختلف لغة الخطاب بين المحنة والثورة؟ هل هي للنخبة أم للعامّة، لساسة الثورة أم لعسكرها؟

نوال السباعي:

أبرز الخيوط هي هذه التي ذكرتها آنفاً، ترسيخ الوعي بالثورة، وبما أنجزته من مهمات، وبما كشفته من حقائق، عن طبيعة الأنظمة التي تحكمنا، وعن أننا أمة مستَعمَرة، وأننا كنا نعيش كذبات تاريخية كبرى أفظع ما فيها كذبنا على أنفسنا، وأننا لم نؤت إلا من عند أنفسنا. ولابدَّ من تبيان ذلك كلّه للناس ولو كرهوا ذلك، وكرهوك.

أكتب لهؤلاء الأطفال الذين تغطي الدماء وجوههم وأيديهم، دُفنوا تحت الأنقاض التي ردمتها فوقهم طائرات "الحلفاء" –شرقهم وغربهم-

أوَجِّه هذه الخواطر للشعب الذبيح، للناس الممتحنة، لمن يريد معرفة الحقيقة، لمن يبحث عن الصدق، لمن يتساءل "لماذا" ، "كيف" ، "ماذا" ، "متى"، "ما"، "من"... أكتب للشباب، وفيهم من كفَّرني ووصفني بالعاهرة والمارقة والمنافقة والكاذبة والمصابة بالخرف!

أكتب لهؤلاء الأطفال الذين تغطي الدماء وجوههم وأيديهم، دُفنوا تحت الأنقاض التي ردمتها فوقهم طائرات "الحلفاء" –شرقهم وغربهم- في حربهم العالمية علينا لكي لا نقوم ولا ننهض ولا نثور ولا نصلح ولا نغير... أكتب لمن يريد أن يبدأ التغيير من نفسه، من سلوكه، من أخلاقه، من بيته، من أولاده.

أكتب لمن لا يستطيعون قراءة الكتب الفكرية العميقة المعقدة، أكتب لزمن يحتاج الشباب فيه إلى "الخاطرة القصيرة" التي بدأت كتابتها قبل أربعين عاماً، قبل زمن التويتر والفيسبوك، أكتب لأبناء زمن يريد وجبة فكرية سريعة تلخص له الأمر في أسطر قليلة بصدق وحرص.. وإن جاء الكتاب ضخماً جداً، فهو يمكنه أن يقلب صفحاته، لتظهر له في كل خاطرة ومضة، قنديل، شمعة، عود ثقاب يشتعل لبرهة؛ تكفي لتدله على الاتجاه الصَّحيح.

طبعاً يختلف أسلوبي اليوم عن أسلوبي بالأمس، والفارق بينهما ثلاثة عقود من التجربة والنمو والبحث والعمل المضني والبحث والنضج، ولكنّك إن قارنت بين العملين والتجربتين الأدبيتين الفكريتين ستراهما ينبعان من مشكاة واحدة، وكما هو معروف، فإنَّ لكل كاتب "عمل واحد" يتفرّق في عدة "إنجازات".

الحمد لله.. لا تكاد روح خطابي في الكتابين تختلف في شيء من حيث جوهر التوجّه الفكري والسياسي والاجتماعي، لكنَّه وبالطبع يختلف من حيث الأسلوب والتوثيق والخبرة الثقافية والعملية العميقة والعلم الذي يمنحني المرجعية والقوَّة اللازمة والكافية –في منطق الرياضيات- للمضي قدماً في مشروعي هذا، على الرَّغم من كل الأذى الذي تعرّضت له في وسائل التواصل الاجتماعية، كغيري من الكتاب السوريين ومن كلّ الانتماآت.

تجربة الفيسبوك، خطيرة وبالغة الأهمية، في آن واحدٍ... إنَّها لا تضع الكاتب مكشوفاً تماماً على مسرح يراه فيه كل الشعب فحسب، لكنَّها تضع كذلك الشعب عارياً تماماً كما هو أمام ناظري الكاتب، الذي هو في أزمان المحن والثورات والحروب أقرب إلى أن يكون جراحا عليه أن يستأصل الأورام دون مخدر ولا مواد مطهرة ولا أدوات جراحية متوفرة، ورغم أنف العامة.

أكتب للعامة، أكتب للشعب، أكتب لأولادي وأحفادي، ولمن يريد من أولاد الناس وأحفادهم، أحاول أن أسلمهم الأمانة، أحاول أن أوصل إليهم الرّسالة

والكاتب الذي يخوض غمار الفيسبوك يوجّه ويقيّم ويقوِّم، بالحوار والنقاش ويتعرّض لأذى العامَّة، خير وأحب إلى النَّاس من ذلك المتخلي المختلي في برجه العاجي متنزهاً متطهراً مخافة الأذى والتجريح.

أكتب للعامة، أكتب للشعب، أكتب لأولادي وأحفادي، ولمن يريد من أولاد الناس وأحفادهم، أحاول أن أسلمهم الأمانة، أحاول أن أوصل إليهم الرّسالة، أحاول أن أترك عندهم هذه الوديعة الثقيلة؛ فإنَّ الدرب طويلة عسيرة، والمحنة مزلزلة، والثورة مستمرة إلى ما شاء الله حتَّى تحقيق كل أهدافها ولو كَرِهَ مَنْ في الأرض جميعهم.

بصائر: هل الكتابة في (خواطر في زمن الثورة) مرتبطة بعمر الثورة المستمرة، أم أنك ستنشرين الخواطر في كتابٍ بغض النظر عن استمرارها؟

نوال السباعي:

الثورة مستمرة، وماضية في هدم وتحطيم وتفكيك، كل المنظومة السياسية والثقافية والفكرية والدينية والأخلاقية التي أسّست لعهود الذل والاستكانة للمستبدين، والسكوت والإغضاء عن واقع حالنا كمنطقة مستعمّرة مستعبدة مهيمَنٌ عليها من قبل أعداء ينهبون ثرواتها، ويمتصون رحيق الحياة من عروقها ، ويريدون لها أن تبقى مكسورة الرُكَب راكعة خانعة ذليلة "إلى الأبد"!

الثورة مستمرة، وماضية في هدم وتحطيم وتفكيك، كل المنظومة السياسية والثقافية والفكرية والدينية والأخلاقية التي أسّست لعهود الذل والاستكانة

هذه "إلى الأبد"، لم تكن وليست مزحة استبدادية قميئة تنتمي إلى نوع من الكوميديا السوداء المرعبة، لقد كانت ومازالت سياسة استعمارية دؤوبة، تمُتُّ بصلة وثيقة إلى المبدأ الانكليزي الاستعماري الشهير الذي ينصح الإمبراطورية بأن لا تغادر أية دول استعمرتها قبل أن تكسر ركب أحرارها وبشكل لا يسمح لشعوبها بالنهوض أبداً.

وهو السبب الذي أدّى بالثوار في سورية إلى مقابلة "أبد القائد الأسد الوهمي"، بشعار خرج من قلوب تحترق بلهيب الغضب والرفض، نادوا فيه بأن "قائدهم للأبد هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وليس ولن يكون أبداً هذا "الأسد المجرم الوحش"، في مقارنة غير سليمة، وفي مقاربة غير سوية، عبّرت بكل وضوح عن تخبط الناس دون أي توجيه عام، وعن حالة انحراف بوصلة الثورة عن الهدف الأساسي الذي اندلعت الثورة من أجله.

مصطلح "أسلمة" الثورة، لا يعني استرداد الشعب لشعوره بهويته المستلبة، ولا يعني وعي المسلمين بحقيقة التغييب الرَّهيب الذي تعرّضوا له خلال سنوات القهر، ولا يعني خروج الثورة بكل أطياف ثوارها في أيامها الأولى من المساجد، ولا يعني بروز الإسلام كمرجعية حضارية تاريخية مؤسسة لهوية المنطقة برمتها، ديناً أم ثقافة، -كما يقول القرضاوي: شعوبنا مسلمة بالدين أو بالثقافة-، مواطن المنطقة إما مسلمٌ بالانتماء العقيدي، وإمّا مسلم بالانتماء الحضاري.. مصطلح "أسلمة" الثورة، يعني تلبسها بحال دفعت الشعب باتجاه المطالبة بشعارات وسياسات "بوهيمية" –غير منطقية وغير قابلة لتطبيق إنساني أخلاقي معاصر-، يُهيَأ للناس أنها تنطلق من الإسلام تحققا به والتزاماً، لكنها في حقيقة الأمر لا تخرج عن كونها أكبر عملية استلاب واحتواء وتمويه وتشويه واستخدام لرؤية شاذة عن الإسلام، شديدة الانغلاق والتطرّف والكساد والعقم واستحالة التطبيق في سياق حرب عالمية على المنطقة وشعوبها ووجودها وهويتها، وعلى الإسلام نفسه!.

الثورة ماضية في طريقها نحو تحقيق أهدافها، عاجلاً أم آجلاً، بصرف النظر عن كل أنواع الصراعات والحروب التي أوقدوا نيرانها على هامشها

هذه الحقائق مجتمعة، تجعل الكتابة في زمن الثورة واجباً، وفرضَ عين على من يمتلك أدوات فهمها، وآليات تفكيك المشهد، والقدرة على إعادة تركيبه بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة التي تجمع ولا تستثني.

الثورة ماضية في طريقها نحو تحقيق أهدافها، عاجلاً أم آجلاً، بصرف النظر عن كل أنواع الصراعات والحروب التي أوقدوا نيرانها على هامشها. فالثورة هي المتن، وكل المحن من حولها هوامش.

والكتابة في الثورة، وعن الثورة، في أيام الثورة والمحنة هذه، هو فعل تحدّ ومقاومة وكفاح وحياة.. أراه من زاوية فهمي لحديث الرَّسول عن "سادة الشهداء"، من أعلى أنواع الجهاد، ذلك الذي يقوم فيه المرء "بكلماته" أمام "كل سلاطين الجور" –من حكام ومحكومين- فيأمرهم وينهاههم، بمعنى ينصحهم ويبين لهم الحقائق.. فيقتلونه، أو يلاحقونه بحكم الإعدام الاجتماعي والثقافي والفكري.

كتابتنا في زمن الثورة فعل مقاومة، واستمرارنا في الكتابة فعل جهاد، وصمودنا في وجه كل أنواع الجور والنكران والخذلان والتثبيط والتحبيط.. هو عملية انغماسية استشهادية نرجو بها وجه الله، وابتغاء الحق، والإصلاح ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

الكتابة في الثورة، وعن الثورة، في أيام الثورة والمحنة هذه، هو فعل تحدّ ومقاومة وكفاح وحياة

من جهتي، دخلت لجَّة الفيسبوك بعد أيام من اندلاع الثورة في سورية، وكنت منذ اليوم الأوَّل لاحتراق البوعزيزي أكتب عن ثورة المنطقة في بعض الصحف القومية والمواقع الالكترونية، ثمَّ رأيت الحاجة ملحة جدا للبقاء مع الناس، والكتابة للناس، وإجراء الحوارات والنقاشات مع الناس عبر هذا الوطن الفيسبوكي البديل الذي هاجرنا إليه جميعا طلباً للحرية والخلاص.

ومافتئت مرابطة فيه حتى اليوم، على هامش مهامي الأصلية كربة بيت وأم وجدة، وعلى هامش شغلي في الكتب التي أنجزت بفضل الله واحداً من أهمها قبل شهر من تاريخه، "مورا في مدريد"، وأنا الآن بصدد الفراغ من توثيق الجزء الأوَّل من "خواطر في زمن الثورة".

حجم ما كتبته في الفيسبوك للثورة مخيف، وعدد الكلمات التي سجلتها خلال هذه الأعوام الخمسة ينبئ عن خطورة الأمر من وجهة نظري الشخصية.. وكذلك حجم الأذى الذي لحقني من مثل هذا التَّماس المباشر مع الجمهور، بكل أطيافه، المعارض منه للنظام، والموالي له، الثائر منه، والذي يظن نفسه ثائرا، والذي يريد التغيير حقيقة، والذي لا ولن يعترف قط بنقصه والخلل الذي يعانيه، وبالتالي لن يتغير، وسيكون دائما عقبة كأداء في مسار الثورة وتطورها.

الثورة بدأت للتو، وللثورات ضريبتها وضحاياها ومِنَحها ووقتها وأثمانها ونجاحاتها وإخفاقاتها ومِحَنها ولأواؤها.. ولا عودة..

الكتابة عن الثورة، يحتاج إلى وقت وزمن تنضج فيه رؤية الثورة بعيداً عن أتون المحن التي نشبت على جنبات طريقها، أمَّا الكتابة في الثورة فهي ضرورة ملحة، خاصة وأنَّها في حالتي استكمال لهذا المشروع الأدبي-الفكري القديم الذي بدأ بالكتابة في المحنة في زمن المحنة، وعن المحنة ممن عاشها واكتوى بلهيبها، بعد أن ابتعد عنها في الزَّمان والمكان.

سنستمر في الكتابة للثورة، وللفجر، وللأمل، وللحرية، وللخلاص؛ لأنَّ الفجر والحرية والخلاص آتية لا محالة، مهما ادلهم الليل، وظن الناس أن لا مخرج ولا كوَّة نور في آخر الطريق.

الثورة مستمرة، في دربها، كحمم البراكين السَّائلة، تدمر وتكتسح العقبات وتصهرها، مطهرة الطريق بفلذات الصخر المنصهرة، تنير وتجدد وتستبدل وتغير.. بخطى وئيدة ثابتة راسخة.

الثورة بدأت للتو، وللثورات ضريبتها وضحاياها ومِنَحها ووقتها وأثمانها ونجاحاتها وإخفاقاتها ومِحَنها ولأواؤها.. ولا عودة.. وكذلك الكتابة عنها، والشهادة عليها، وتسجيل خطوط بياناتها الصَّاعدة حيناً، الهابطة حيناً آخر .. حتّى يفرق الله بيننا وبين القوم الظالمين المعتدين.. كتابتنا عن الثورة، فعل تحدّ ومقاومة وثبات وثورة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف يمكن للحركات الإسلامية جبَّ الغيبة عن نفسها وأتباعها؟

يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لو أصبت تسعاً وتسعين وأخطأت واحدة لترك النـاس ما أصبت …