هل تبحث عن راحة البال؟

الرئيسية » خواطر تربوية » هل تبحث عن راحة البال؟
thinking30

جدتي "أم العبود" والتي كنت طفلها المدلل امتلكت أفضل دعوة على هذه الأرض، لقد كانت تدعو للضيوف وللمحبين والزائرين "الله يعطيك هداة البال"! نعم المبتغى الحقيقي لكل إنسان على هذه الأرض في هذه الأيام، ليس المال ولا البنون بل راحة البال، هي أسمى ما وعد الله به عباده المتقين في الجنة.

الضغط المستمر نتيجة تدافع الأيام والمصالح سلَّط علينا التفكير الكثير، وسوء التخطيط والترتيب سلط علينا الأرق والقلق المستمر، أغبط أولئك القرويين الذين يقضون كثيراً من أوقاتهم بين الزرع أو الرعي، يخاطبون السماء والأرض، يحاكون الطبيعة، عقولهم يتسع فيها الخيال على حساب النزاع والتفكير المستمر المليء بالمخاوف من انقطاع الراتب، استمرار الحب، دفع الضرائب.. أغبط أولئك القادرين على توزيع أعمالهم وأوقاتهم دون أي تداخل، كأنهم يمتلكون مفاتيح السعادة، يخرجون من العمل فلا يفكرون فيه، يذهبون للاستجمام فلا يفكرون إلا فيه، حياتهم كالورد يلاحقون الماء وأشعة الشمس لتبقى مستنيرة.

كثيرٌ منا ينام على وسادته فيبدأ بإشعال حروب ضروسة، يخوض غمارها بنفسه وبين نفسه، ومحظوظون جدا أولئك الذين يمتلكون مفتاح نومهم بجيوبهم

بعض الناس يمتلكون مفاتيح النوم بأيديهم، ينامون مبكراً كأنهم يمتلكون الحلول لكل مشاكل العالم، دقائق معدودة تبدأ منذ وضع رأسهم على الوسادة، حتى يغطون في نوم عميق، كنت أحتاج ساعتين على الأقل لإقناع عقلي بترك المستقبل على الله، والتوكل عليه، وأن الرزق منه، وأنا أعمل بشكل دؤوب للوصول، طموحاتي وأحلامي وواقعي ومستقبلي كلها كانت جيوش كبيرة تقاتلني كل ليلة!

في مراجعتي لما كان يحصل وما زال يحصل كانت قناعتي أن لحظات الهدوء هي منحة، انعدام التفكير منحة، وكم هم محظوظون أولئك الذين يمتلكون أنصاف العقول، والدراويش هم أشد الناس حبا من الناس، وأكثر الناس اقتناعاً بالناس. ارتضوا رزقهم وعقلهم وحياتهم، فأرضاهم الله.

ما قصدت أن تكون خباً أحمقاً، لكن أن تكون حذراً ذكياً قنوعاً وصبوراً، فلعل استعجالنا لقطاف ثمار ما نزرع هو سبب وضعنا للحلول السريعة لكل مشاكلنا، وأنصاف الحلول لا تفيد، علينا الترتيب أكثر، وأهمية الأشياء بنظرنا تتناقص وتتزايد وفق الظروف.

ما أقصده ليس العشوائية في أمور حياتنا، بل الترتيب وتخصيص الأوقات، فما للعمل للعمل، وما للراحة للراحة. والوقوف المستمر على المشاكل، وملاحقة أهواء الناس ورغباتهم وأقوالهم سبب رئيسي لانشغال البال وعدم راحته.

أجمل شيء نحصل عليه هذه الأيام هو أن نبحث عن ذاتنا في ذاتنا، وأن نعالج مشاكلنا الخاصة بروية وتفكير، فراحة البال تعني ترتيب الأولويات من حيث الأهمية والضرورة

مع الزمن، مع التجارب، مع الحياة، وحين التعامل مع الآخرين تختلف أهمية الأشياء في نظرنا، فكثير من الأشياء التي اعتبرت غاية في الأهمية قديماً ولا يمكن الاستغناء عنها، أصبحت تقل أهميتها، كثير من الأصدقاء والعلاقات أصبحت عبئاً علينا، واجب التخلص منها أو تقنينها، كثير من المواضيع والعروض والمناسبات أصبح بإمكاننا أن نرفضها!

صدقوني أجمل شيء نحصل عليه في هذه الأيام أن نبحث عن ذاتنا في ذاتنا، أن نعالج مشاكلنا الخاصة بروية وتفكير، فراحة البال تعني ترتيب الأولويات من حيث الأهمية والضرورة.

نصائح تحقق راحة البال:

إن تجزئة الأمور وتبسيطها هي الطريقة الأولى لحل أية مشكلة قائمة، والتخطيط والترتيب أداة قياس مهمة لمعرفة الإنتاج على المدى القصير والبعيد، والسائر بلا تخطيط يتوه في الخطى، وتتراكم عليه المهام فيصبح تماماً كإناء مضغوط مليء بالحرارة سريع الغضب والانفعال، قليل الصبر وراحة البال.

لذا قسَّم إنجازاتك ومشاريعك على سنوات ثم شهور ثم أيام ثم ساعات من أكثرها أهمية وضرورة إلى أقلها وسترى الفارق، نعم اكتب على مكتبك بعض المهام على شكل ملصقات يومية تمزق ما استطعت إنجازه آخر النهار، وتحقق ما لم تستطع عليه غداً، وهناك علاقة طردية وثيقة بين التخطيط وراحة البال.

العشوائية في الحياة والسير بدون تخطيط يراكم الواجبات علينا فيزيد من همومنا، وأكثر الناس المنتجين في حياتهم هم من يعتمدون على التخطيط المستمر، وتجزئة الطموحات الكبيرة، لتحقيقها على مراحل

بعض الناس يضعون كل العراقيل أمام الحلول، ويحلون مشاكلهم بطرق معقدة، والتفافية طويلة، وبعض الناس يحلونها بكل بساطة ويتجاوزون عما لا يلزم منها، فلنختر من الأمور أيسرها، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله رجلاً سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (رواه البخاري)، و معنى السهل المتهلِّل الوجه، البسَّام المتيسِّر في أمره، غير المتعسِّر، في بيعه و شرائه وأخذه وعطائه، يشعر الناس أن الدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة، إن أقبلت وإن أدبرت، سهل في معاشرة الخلق، ليِّن الجانب حسن الصحبة، ذو رفق لهم.

إن التغافل والتغابي مطلوب هذه الأيام، والإعراض عن بعض الأمور مهم وصدق القرآن حين قال عن النبي صلى الله عليه وسلم "فعرَّف بعضه وأعرض عن بعض"، ويحضرني قول الشاعر أبو تمام حين قال:

لَيْسَ الغَبِيُّ بِسَيد في قَوْمِهِ ... لكنَّ سيِّد قومهِ المُتغابي

الرفقة الحسنة مفتاح آخر لراحة البال، فمن كان رفاقه من المتشائمين النكدين المعسرين المتعسرين سيتأثر بهم حتماً، ومن كان رفاقه من السلسين المتفائلين سيناله من عطرهم شيئا، ومن تفاؤلهم أيضاً.

صدقوني الأعمال والمشاغل لا تنتهي أبداً، والأموال لا تعني الكثير أمام راحة البال، لنترك قليلاً ما بين يدينا من أشغال، وما في عقولنا من تفكير، لننتقل إلى عالم الراحة، ولنعطي لكل شيء وقته، وأختم بما قاله الشاعر مسفر بن مهلهل:

دع المقادير تـجري في أعنتها … ولا تبيتن إلا خالي البالِ

ما بين طرفة عين والتفاتتها … يغير الله من حالٍ إلى حالِ

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب صحافي من غزة حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي، متخصص في الشأن السياسي والقضايا العامة، وعمل مع العديد من الصحف والمواقع العربية والأجنبية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغات. أعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

شاهد أيضاً

ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" …