أطفال سورية و العالم الجبان

الرئيسية » بصائر من واقعنا » أطفال سورية و العالم الجبان
allepo29

لا يعود الثوب المدنّس جميلًا وباهيًا إلا إذا طهًر وغُسّل، وكذا الثوب العربي الجذّاب كان آخر مرة يخوض في أوحال الجاهلية، متسخاً قبيحاً، تزدريه العيون وتتقاذفه الألفاظ، إلا أن ماء الإسلام الحنيف تداركه فطهّره وجمّله وعطّره، حتى قاد أصحابه العالمَ ثلاثة قرون ونيّف، لا يقعد لهم قاعد ولا يقف في وجههم أحد ولا تلين لهم قناة، فأتتهم الدنيا راغمة، وعلِم أهل العروبة أن زينتهم وعزتهم في ذلك الماء الطاهر الرقراق، وأن معين هذا الماء ليس بالصنم الذي تدور حوله الأصنام، ولا أن يمجّد الأخ الأكبر فيرث دون غيره ولا أن توأد الصغيرة إتقاء العار، بل معينه موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين، وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك.

ثم يعود الثوب النَّضر ليُغمس في أوحال التناحر والتحاسد والتنازع، من مثل ما يُرى اليوم، فتتداعى على أهله جحافل الشرك والبغي، ويسوّد لونه سوادًا كما وأنه لم يسود بحياته.

تعرّي المجازر التي تستهدف الأجساد الطرية في حلب وإدلب وريف دمشق حكومات الدول الكبرى، التي ما فتئت تندد وتتصنع الألم، وتعلك كلمات العزاء للشعب السوري.

تعري المجازر التي تستهدف الأجساد الطرية في حلب وإدلب وريف دمشق غيرةَ أبناء العمومة المزيفة، والحماس الكاذب لنصرة الإسلام والمسلمين

وبدل أن تُملأ بطون الأميركان والروس تحت الطاولة، تنقل المائدة بطعامها وشرابها إلى فوق الطاولة، في إعلان عن أنياب الذئاب، وفي إعلان أيضا عن ذلّ الحُملان ووداعتها، توزع كؤوس الشراب بين دولتين تغوصان في الدم السوري حتى الوريد.

وتعري أيضاً غيرةَ أبناء العمومة المزيفة، والحماس الكاذب لنصرة الإسلام والمسلمين، وذلك للصمت المذل والتغافل المهين أمام حمامات الدم الذي يسيل بحق العزّل من الأطفال والنساء.

تحت قذارة هذا الثوب تدّك مدينة من أعظم مدن العالم فتمسح الصواريخ الارتجاجية أناسها وحضارتها وتراثها، ومثلها إدلب ومثلها ريف دمشق.. ومثلها الأرض السورية التي يراد لها أن تتبدل، فتنكر أناسها وساكنيها!.

على قرابة خمسين جثة ممزقة وأشلاء تجمع في الأكياس السود تشرق الشمس على خجلٍ.. تشرق على وحشية الإنسان وحقارته، على طمعه من أجل عروش وقروش زائلة.

يُفعل كل هذا والعرب هجّع رُقّد تدغدغ أجفانهم الشهوات والأماني، فتموت فيهم النخوة التي كانت مضرب المثل في أجدادهم، فلا يحركون ساكناً، بل ويقول جلّهم وهو غائص إلى عنقه في المهانة: نفسي نفسي.

وما ذاك إلا لأنهم عبدوا الدنيا فاستعبدتهم، وقال فيهم الشاعر العربي :
ومن يهن يسهل الهوان عليه           ما لجرح بميت إيلام

وينطفئ في كيانهم _على استغراب _ الكرمُ الذي قال فيه حاتمهم:
وقائلة أهلكت بالـجـود مـالـنـا          ونفسك حتى ضربت نفسك جودها
فقلت دعيني إنما تـلـك عـادتـي      لكل كريم عـادة يسـتـعـيدهـا

وإن ماتت حاسّة الجود التي كانت في أجدادهم، فلتحيا حاسة النخوة العربية.

حلب ورفيقاتها سيكتبن بالمداد الأحمر على جبين التاريخ أن أخواتها وأبناء عمومتها تخلّوا عنها وانطووا على متعهم وملذاتهم، وتُركن لوحدهن نهباً وعربدةً للغادرين الخونة.

تزيل سورية اليوم بدماء شهدائها الزكية، والأنفاس الأخيرة التي تلفظها أجساد الأطفال الطرية ما بقي من قناع المنافقين، لتبصق في وجوههم، ولتذكرهم بأن الحرب سجال والأيام دُول.

اللعنات قد تتأخر ولكنها ستنزل شقاءً وناراً على صانعي الموت لتذيقهم الموت مرات عدة

وأن اللعنات قد تتأخر ولكنها ستنزل شقاءً وناراً على صانعي الموت لتذيقهم الموت مرات عدة، وأن أرقام الموتى ليست لعبة أو تسلية أو متاجرة، ولَهدم الكعبة حجراً حجرًا أهون عند الله من قتل مسلم.

وأن من سخط الله تعالى أن أولئك المجرمين لا يتعلمون من الدرس السابق.

يلتاث الثوب العربي الأبيض في وحولة الذل والهوان ما لم يلتاثه في زمن من الأزمان، ومثلما أغاثه الإسلام فغسله وطهرّه بإخلاص أهله؛ يُنتظر من الأهل أن يخلصوا مع أنفسهم ومع أخوتهم ومع خالقهم حتى يرد كيد الكائد في نحره.. ينتظر موقفا موحدًا تهب به الغيرة العربية والأخوة الإسلامية لنصرة الشعب المظلوم.

ينتظر أن يدرك ملوك الأرض أن الحراس لا يحمونهم، بل من يحميهم مناصرة الحق والصمود في وجه الباطل..

اغسلوا ثيابكم بماء الإسلام
وثلج المناصرة
وبَرَد الحق...

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب سوري من مدينة حماة، ولد في عام 1979م مؤهل وله ثلاثة أولاد. له مؤلفات منشورة منها: (عيون الأمل) و(أحضان لاترحم) وتحقيق كتاب (منهاج المتعلم) للغزالي، وعدة بحوث ومقالات و مدير تحرير مجلة "إشراقات" .

شاهد أيضاً

دراسة: الأطفال الذين يحظون بأوقات أطول مع آبائهم أكثر ذكاءً

في دراسة مثيرة للاهتمام كشفت صحيفة «ديلي تليجراف» البريطانية أنَّ الطفل الذي يقضي وقتًا أطول …