التربية العلاجية.. حلقة أصيلة في سلسلة التربية

الرئيسية » بصائر تربوية » التربية العلاجية.. حلقة أصيلة في سلسلة التربية
checklist-30

للتربية دور مهم في تشكيل المجتمعات وحفظ الأفراد، فهي تُسهم في ازدهار الحياة وتطورها، وتُمنح الأفراد القدرة على مواجهة التحديات والمستجدات، ولا يزال القائمون على أمر التربية باختلاف مستوياتهم ومسؤولياتهم يبذلون كل جهد في سبيل تجويد وتطوير العملية التربوية وتحسين مخرجاتها، ويسعون جادين في سبيل معالجة اختلالات المسألة التربوية في مجتمعاتهم، ومحاضنهم وبين أفرادهم.

ولقد تحدثنا في السابق حول التربية الوقائية ودورها في حفظ المجتمعات، وأكدنّا على ضرورة بذل كافة طرق الوقاية من أجل صيانة الأفراد والحفاظ عليهم، ولكننا نؤمن أنه وبالرغم من دراهم الوقاية المبذولة للأفراد في تربيتهم إلا أنها قد لا تكون ناجعة مفيدة  ، ولا تمنح العصمة لأحد منهم، ولا تقيه الوقوع في المعاصي، والتعثر بشهوات الحياة وزينتها، لذا كان العلاج أمراً أساسياً في التربية، وحلقة مهمة من حلقاتها، بها يكتمل عقدها وتستمر عجلة التربية والتغيير بالدوران.

ونقصد بالتربية العلاجية: بأنها مجموعة من الممارسات التربوية التي يقوم بها المربي تصحيحاً لأخطاء المتربي وتعديلاً لسلوكه من أجل إيجاد التغيير الحقيقي الإيجابي في نفسه والعمل على بناء المؤمن الواعي في شخصيته.

التربية العلاجية هي مجموعة من الممارسات التربوية التي يقوم بها المربي تصحيحاً لأخطاء المتربي وتعديلاً لسلوكه من أجل إيجاد التغيير الحقيقي الإيجابي في نفسه

ولقد عالج القرآن الكريم والسنة المطهرة الأخطاء التي كانت تصدر من الصحابة رضوان الله عليهم، بل إن عمليات التصحيح والتصويب والمناصحة والعتاب تناولت الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في بعض ما اجتهد فيه   وقام به، وكتاب الله المسطور بين أيدينا منهج شامل متكامل في التربية على صعيد الأمة والأفراد وبذل الوسع لهم ووقايتهم وعلاجهم من أية أمراض قد يصابون بها أو أي انحراف قد يقعون به، فالآيات التي تحض على التوبة والرجوع إلى الله كثيرة، وما كان العلاج بالتوبة وغيرها إلا وقاية للنفس المؤمنة فلو تركت النفس بذنوبها بلا علاج لهلكت وغرقت في أودية الإحباط واليأس والقنوط، وكذلك ففي السنة المطهرة الأمثلة المتعددة التي تظهر فيها العملية العلاجية لصحابة رسول الله وللمجتمع برمته.

ما كان العلاج بالتوبة وغيرها إلا وقاية للنفس المؤمنة؛ فلو تركت النفس بذنوبها بلا علاج لهلكت وغرقت في أودية الإحباط واليأس والقنوط

ومن أساليب التربية العلاجية:

1- التربية بالقدوة: وهي من أنجع الوسائل وأكثرها فاعلية؛ ذلك لأن الإنسان يميلُ بفطرته إلى المحاكاة والتقليد، وهي تدفع بالمرء للأخذ بالأشياء ومحاكاتها عملياً وهذا يقوده للتمسك بأفكاره بشكل أكبر وأعمق. ولقد قيل في وصايا السابقين:"ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت"، وأكبر الميادين لتحقيق الاقتداء هو ميدان الاحتكاك والمخالطة والتفاعل وهذا أصل في المحاضن التربوية  ، فإن تحققت القدوة في نفس المربي كان أقدر على علاج أخطاء تلامذته، وكانوا أكثر استعداداً للأخذ بما يقول والعمل به.

كلما حرص المربي على تعزيز ثقة المتربي بنفسه وقدرته وإعلاء مكانته ودوره في أسرته ومجتمعه ومحيطه، كان ذلك دافعاً لعلاج نفسه وأخطائها

2- تعزيز الثقة بالنفس: ولهذا شأن كبير، فالثقة بالنفس تُكسب المرء احترام الآخرين وثقتهم، وتولد الشعور بالراحة والطمأنينة والسكينة، وكلما حرص المربي على تعزيز ثقة المتربي بنفسه وقدرته وإعلاء مكانته ودوره في أسرته ومجتمعه ومحيطه، كان ذلك دافعاً لعلاج نفسه وأخطائها، لذا فإن للروح الواثقة سحر عجيب على أداء الفرد وفاعليته  .

ومن الجدير بالذكر أن يحرص المربي على تعزيز الثقة في نفوس أفراد المحضن التربوي، بتوزيع المهام عليهم ومنحهم فرصة لإظهار ما لديهم من قدرات ومواهب، وعدم الوقوع في سلوكيات خاطئة قد تصدر منه تكون سبباً في هدم ثقة المتربي بنفسه وقدرته، من خلال بعض العبارات أو الانتقادات الحادة وغيرها مما يدور في ذهنك الآن أخي المربي.

الشعور الإيجابي والنفسية المتوقدة وتسليط الأضواء على مكامن كمال النفس يعمل على الزيادة والمنافسة ويسارع في خطوات التربية

3- التحفيز والتشجيع: ويقصد بذلك "إيجاد شعور داخلي لدى الفرد، يولد الرغبة في عمل نشاط أو سلوك لتحقيق أهداف معينة"، وهذا الشعور الإيجابي والنفسية المتوقدة وتسليط الأضواء على مكامن كمال النفس يعمل على الزيادة والمنافسة ويسارع في خطوات التربية.

ومع هذا الشعور المتولد في نفوس الأفراد يكون العلاج أيسر والتغلب على العقبات والمشاكل أكثر سهولة فكما يقول الضابط مونتغومري: "إنما تربح المعارك قبل كل شيء في أفئدة الرجال"، ويمكن العمل على التحفيز من خلال الاستحواذ على قلوب الأفراد والعمل معهم بشراكة لتحقيق التلاحم والاندماج في المحضن التربوي وبعدها تنطلق بهم نحو التمكين من بوابة المحاولة.

وترتكز هذه الأساليب الثلاثة على جملة من القواعد والمبادئ، وتستند إلى مجموعة من الأسس لابد لنا أن نشير إليها هنا وفي كتابات الأستاذ الراشد الشرح الوافي والمزيد المزيد منها، ومن أهم ركائز التربية العلاجية:

- البناء الإيماني القوي، فذلك يهيئ النفوس ويكبح جماحها، فيغير من سلوكها ويعدل مساراها.
- البناء العقلي والعمل على رفعة شأنه ومكانته، فالفكر القويم مبتدأ الإصلاح ومنعطف هام على طريق العلاج.
- التوازن وهذه سمة حياة النبي عليه الصلاة والسلام وركيزة من ركائز ديننا الحنيف، فالحدة والإفراط في العلاج سيكون لها أعراضاً جانبية لا نضمنها لك.
- الأخذ بمبدأ التربية المستمرة، والعمل على مراجعة الخطط والمناهج ومسار الأفراد، ولابد أن تجعل لك ولإخوانك المربين نصيباً من ذلك الاستدراك.

لابد من الأخذ بمبدأ التربية المستمرة، والعمل على مراجعة الخطط والمناهج ومسار الأفراد، ولابد أن تجعل لك ولإخوانك المربين نصيباً من ذلك الاستدراك

وأخيراً.. التربية العلاجية فرصة أخرى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة جديدة في إصلاح ما فسد  ، ولا تستقيم هذه التربية إلا بشراكة حقيقية وتعاون بين المربي والمتربي لكي يعبروا معاً نحو ضفة الإصلاح والخير والعطاء، فلا يبخل المربي في بذل القنطار كما بذل الدراهم، وعلى المتربي أن لا يتردد بالقبول والإقبال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدون أردني مهتم بالشأن التربوي

شاهد أيضاً

20 مزية للتعلم عن بعد

ظَلَّ التعليم التقليدي مسيطرًا لعقود، حتى مع وجود التكنولوجيا ووسائل التعليم عن بعد، ثم التعليم …