التضارب المقصود لمعاني التآلف داخل مفهوم التعددية

الرئيسية » بصائر الفكر » التضارب المقصود لمعاني التآلف داخل مفهوم التعددية
%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%af%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b2%d8%a8%d9%8a%d8%a9

لعلّ ما أُحيط به مفهوم التعدد من دخنٍ؛ وما أنتجه من حالة التشرذم التي أصابت الأمة بفعل سياسية مجرمة أذاقنا بها المحتلون الغاصبون كل الويلات إلى يومنا هذا، حين مزّقوا وحدتنا المجتمعية، ونسيج أمتنا المتآلف بين أعراقه ومذاهبة وكل طوائفها.

قد كان الباب الذي دلف منه الغزاة لتفريقنا تفريغ مفهوم التعددية من معانيه الإيجابية وتضمينه معانٍ شوهت حقيقته وجوهره، فقد أحيوا بذلك التشوه المقصود نزعات وصراعات طوتها الأيام فنفثوا في عقد التاريخ؛ ليسحرونا بها فيجعلونا أذلة في أوطاننا وعقر ديارنا، وأضحينا أعداءً فيما بيننا.

وهكذا أصبحت التعددية التنوعية عبارة عن مجموعة من الأضداد المتنافرة المتصارعة (بأسها بينها شديد)؛ فتجرد بهذا الدهاء مفهوم التعددية كلّ معانيه الخيرة، فجُرّد ليكون أداة يهدم بها الغزاة كل مظاهر الوحدة في الأمة واجتماع كلمتها[1].

وبهذا الواقع الذي تكرّس في أسوأ صوره بعد هدم آخر أسوار الحماية السياسية للأمة بتقويض (الخلافة العثمانية) والتي كانت آخر المعالم القوية في الشهود الحضاري لأمتنا قبل أن تداهمها عوامل تداعيها من داخلها[2].

حرص الإمام البنا على وحدة الصف الإسلامي وعمل جاهداً في إحياء مفهوم الأمة الواحدة؛ فأنكر بذلك التّفرق والفرقة

ومع هذا الأفول كانت ميلاد جديد لدعوة الإمام البنّا وحركته التي تعدّ أكبر الحركات الإسلامية في القرن العشرين والواحد وعشرين الميلادي (الإخوان المسلمون)، وقد حرص الإمام البنا على وحدة الصف الإسلامي وعمل جاهداً في إحياء مفهوم الأمة الواحدة؛ فأنكر بذلك التّفرق والفرقة.

لذلك؛ ناهض التعددية بالمفهوم الذي جاءت به أوروبا إلى عالمنا، وما استخدم له هذا المفهوم كأداة لتمزيق كيانيّة الأمة، وشرذمتها عبر إثارة النزعات العرقيّة والقبلية والمذهبية والطائفية؛ فتجعل من الموزاييك المتآلف في الأمة الإسلامية، والذي شكّل لوحة حضارية أبهرت المؤرخين، إلى أن انحدرت لحالة من التشوه في الشكل والخرف في الجوهر والعقل[3].

غير أنّي ومن خلال تحقيق علمي تناولته في مباحث رسالة الماجستير حول فكر البنّا ومواقفه من قضايا العقيدة والدعوة، ليتأكّد لي بما لا يعد مجالاً للشك بأنّ الإمام لم يُنكر التعددية كمفهوم عام أو مبدأ سياسية، ولكنّه أنكر على التعددية السياسية التي نشأت تحت رعاية الاحتلال الغربي، وما أوجدته من حالات مرضيّة شوهاء في كيان الأمة، حيث وُظِّفت التعددية بهذا المفهوم الغربي؛ لتخلق حالة اضطراب وتضارب، بل وقطع للروابط الاجتماعية والاقتصادية..، وتفكيك عُرى المجتمع[4].

وكان لهذا التشرذم والتخلف الأثر المباشر الذي شكَّل بيئة مناسبة لتركيب وصياغة المنطقة بما يخدم مصالح المحتل الغربي، والذي حرص على إبقاء هذا الواقع الكارثي في الأمة بغرس كيانٍ غريبٍ وشاذ (إسرائيل) في خاصرة عالمنا وعُقر دارنا.

إنّ تعزيز مفهوم التعددية المتنوعة بمعانيها الإيجابية يخلق حالة من التفاعل البنّاء في ساحة العمل الوطني

فإنّ تعزيز مفهوم التعددية المتنوعة بمعانيها الإيجابية يخلق حالة من التفاعل البنّاء في ساحة العمل الوطني، كما ويفتح الباب نحو الارتقاء في منظومات العمل المستمر والذي يستوعب المتغيرات المتلاحقة في كل المستويات وفي جميع المجالات.

فغالباً ما تدفع حاجات المجتمع وبشكل تلقائي للتعددية السياسية من خلال ما تعكسه من برامج اقتصادية واجتماعية يتعزز بها البناء الديمقراطي السليم، والتداول السلمي للسلطة، فيكون ضمانة لتحقيق العدل، والتكافؤ في الفرص، والنأي عن احتكار القرار والمقدرات العامة، وتجريم احتقار القانون أو إهانة القضاء وتجاوزه[5].

والسؤال الهام والجوهري في هذا الباب، هل يعني بالضرورة وجود أحزاب متعددة يعني وجود تعددية سياسية حقيقية؟

بالتأكيد. لا؛ فكثيراً ما يُراد من وجود أحزاب أو إيجادها.. غير مهمة وظيفية تؤديها، فمنها مثلاً ما يتم إيجاده لتغليف حكمٍ ديكتاتوري شمولي، وهذا ما نراه من إيجاد جملة أحزاب هُلامية تعدُّ بعناية وخبث، لا تقوى بذاتها على الاستقلالية في الطرح أو حتى البقاء..!

وبهذا التشكيل المخادع يغيب التنافس المتكافئ بين القوى الحية في الأمة؛ فتتعطل الديناميكية السياسية الفاعلة.. فلا يكون من مبرر لوجود تلك الأحزاب جميعاً سوى الدوران في فلك الحزب الأوحد (الحاكم) سواءً المؤيد منها والمعارض، فكل منها يؤدي دوره بشكل ديكوري بحت، وبلا أي مصلحة وطنية قط[6].

التعددية السياسية داخلة في مفهوم التعددية بشموليته، ولكنها ليست مطلقة بل يجب أن تكون منضبطة في إطار المبادئ العامة التي بينها الإسلام

وأخيرا.. فالتعددية السياسية داخلة في مفهوم التعددية بشموليته، ولكنها ليست مطلقة بل يجب أن تكون منضبطة في إطار المبادئ العامة التي بينها الإسلام فيما يُعْرف بقواعد النظام السياسي، وفي ضوء المقاصد العامة للشريعة السمحة.

ملخص المقال:

المؤكد بأنّ التنوع المعرفي والثقافي في الأمة الواحدة هو التفسير المكافئ للتعددية الحزبية في بعدها السياسي وبرامجها المجتمعية وتوجهاتها الإصلاحية، غير أنّه لا يجب أن يصل الاختلاف تحت مبرر التعددية للقضايا ذات الإجماع الوطني  أو أن تصل موجات الخلاف لضرب منظومة قيمنا الأصيلة المتجذرة في تركيبتنا الحضارية.

وكذلك لا يجب بحال أن تكون التعددية الحزبية مدعاة لسلسلة من التناسل المتوالية لإنتاج أحزاب واختلاق كيانات مجهرية  (فسائل) لا تحمل جديداً وبالتالي لم تأتِ به.

فإن كانت حالة التوالد للأحزاب (الديكورية) والتي لا تجد ما يبرر وجودها بما تطرحه من برامج ورؤى، إلا أنها تمثّل انعكاساً أكيداً لضعف آليّات الحوار بين النخب المثقفة، أو حتى انعدام لغة الحوار الجاد بالكلية، وهذا ما حدا بها إلى الوقوع في ديمومة ما يكون بينها من التراشق المتبادل للاتهامات.

بالإضافة إلى أنّ ما يُفسر ذلك التوالد للأحزاب التي لا تحمل برامج ذات معانٍ جديدة ورؤى لآفاق تنقلنا نحو مستقبل واعد، غير استجابة لبواعث وطموحات ذاتية سواءً لأفرادٍ أو طوائف وجماعات أو نزعات مناطقية أو قبلية.

وكلّ هذا - حقيقة وغيره- ما يفقد التعددية قيمتها وجوهر منفعتها، بل ويوجد حالة من البغضاء تفسد الروابط والعلائق المجتمعيّة؛ مما يفقد المجتمع فاعليته في مواجهة الأخطار المحدقة، ويحد بدرجة كبيرة وقوفه أمام التحديات والمعضلات الكبرى، ويقزّم قدرته من اقتحام العقبات للمرور نحو مستقبل آمن تسوده المحبة والوئام.. ولعلّ هذا الباعث لما أثير من جدل كبير حول مفهوم التعددية الحزبية.

________________________________

الهوامش:

(1) سياسة (فرق.. تسد) التي عُرفت بها انجلترا كما أوروبا جمعاء، وهي تتسيّد بغير حقٍ على عالمنا الإسلامي؛ فتنهب ثرواته، وتستنزف كل مقوماته الحضارية كأمة خلقها الله لتسود العالم كلّه بالعدل والرحمة.
(2) وكان لـ (يهود الدونما) وما وصلوا إليه بخبثهم إلى حيث دوائر صنع القرار الدور الأساس في تنحية آخر خلفاء آل عثمان السلطان عبد الحميد الثاني في العقد الأول من القرن العشرين الميلادي، وتقلد حزب الاتحاد والترقي مقاليد الحكم ليصبح بعدها موقع السلطان برتوكولي إلى أن تمّ الإجهاز عليها بعد الحرب العالمية الأولى.
(3) كان للأحزاب التي نشأت تحت مظلة المفهوم الغربي للتعددية التي أرادها لأمتنا، أسوأ الأثر ليس على الحياة السياسية فحسب بل والحياة العلمية والثقافية والاجتماعية بكل تفاصيلها والذي انعكست بالسلب على كل المكونات المجتمعية.
(4) دعاوى المناوئين لدعوة الإمام حسن البنا عرض ونقد، الباحث عبد الله محمد العقاد، إشراف د. أحمد جابر العمصي، الجامعة الإسلامية- غزة، عقيدة ومذاهب فكرية معاصرة.مما يؤكد إيمان البنّا بمبدأ التعددية السياسية، دعوته لتعديل قانون الانتخابات فيكون الترشح فقط عبر القوائم الحزبية، ليضمن بأن تكون محور عملية الاختيار للبرامج والمشاريع السياسية، وطالب بالنأي عن الفردية التي تضغط على المرشح لتحقيق مصالح خاصة ومنافع ذاتية.
(5) اعتبر الشيخ يوسف القرضاوي المذاهب أحزاب في الفقه والأحزاب مذاهب في السياسة.. فالتعددية السياسية حق أنساني اصيل فليس ألزم منها في هذا الزمن.
(6) الحزب السياسي- كما في موسوعة السياسة للمؤسسة العربية للدراسات- هو مجموعة من المواطنين، يؤمنون بأهداف سياسية، وفكرية (أيدولوجية) مشتركة، وينظمون أنفسهم بغية تحقيق أهدافهم، وبرامجهم بالسبل التي يرونها محققة لهذه الأهداف، بما في ذلك الوصول للسلطة في المجتمع الذي يعيشون فيه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مختص بالفكر السياسي الإسلامي

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …