التنمر المدرسي.. مناخ عدواني يعصف بالإبداع والشخصية

الرئيسية » بصائر تربوية » التنمر المدرسي.. مناخ عدواني يعصف بالإبداع والشخصية
o-bullying16

لقد أصلّ الله تبارك وتعالى في البشرية عامةً رفض كافة أشكال الظلم والتمييز، ويعتبر الظلم "الفطرة المنتكسة" التي ما إن حلّت على الفرد حتى جرّدته من جوهر الذات وأغدقته في مستنقع المشكلات النفسية الطارئة، أما بالنسبة للظلم عند الأطفال فقد أطلق عليه التربويون لقب "التنمر" لأنه اللقب الأقرب لتصوير مدى بشاعته وذلك باستعارة اسم لواحد من أشرس حيوانات الغابة "النمر" ذلك الحيوان الذي لا يعرف رأفةَ ولا رحمةً ولا شفقةً.

لعلّ رفض أبنائنا للمدرسة وعدم تقبلها أمر يقلقنا كآباء أو مربين، ولكن قد تكون مشكلة التنمر واحدة من أعمق المشكلات التي يرفض لأجلها أبناءنا المدرسة، فهي مشكلة معقدة تفتك بشخصية أبنائنا وتزجها في وحل الخوف، وقد أصبحت هذه المشكلة ظاهرةً عالميةً نظراً لتزايدها وسرعة انتشارها.

ما هي ظاهرة التنمر المدرسي؟

التنمر هو أفعال سلبية متعمدة من جانب تلميذ أو أكثر لإلحاق الأذى بتلميذ آخر، ويتم بصورة متكررة وطوال الوقت، وذلك من أجل فرض السلطة والسيطرة على الآخرين

يعتبر التنمر المدرسي واحداً من أهم السلوكيات العدوانية التي يمارسها بعض الأطفال في المدارس، وهو ترجمة للمصطلح الإنجليزي Bullying والذي عرفه العالم "ألويس" بأنه عبارة أفعال سلبية متعمدة من جانب تلميذ أو أكثر لإلحاق الأذى بتلميذ آخر، بحيث تتم بصورة متكررة وطوال الوقت، وذلك من أجل فرض السلطة والسيطرة على الآخرين.

وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي نصف الأطفال تعرضوا مرة واحدة على الأقل للتنمر خلال المرحلة المدرسية ، وأن نسبة 15% منهم تعرضوا لنوع من الضغوط العنيفة بشكل منتظم.

وحسب ما أكدته أبحاث "ألويس" أنه لا يمكن الحديث عن التنمر إلا في حالة عدم التوازن في القوة، أي أنه لا يمكننا أن نطلق لقب التنمر على طالب افتعل مشكلة مع طالبٍ آخر تساوى معه بالقوة أو بحجم المنجزات الأكاديمية أو الاجتماعية، وبناءً عليه فإننا نجد أن الأطفال الذين يحصلون على علامات متدنية أو ليس لديهم حضور اجتماعي هم الأكثر عرضة لتلك الظاهرة من غيرهم  .

كيف يتعامل دماغ الطفل مع ظاهرة التنمر؟

لقد خلق الله تعالى دماغ الإنسان وشكله بطريقة تحررية ترفض كافة أشكال الظلم، وجعل ذلك الرفض فطرياً، أي أنه عندما يرى دماغ الطفل الظلم في أي شيء، فإنه يتعامل معه على أنه تهديد لسلامته وسلامة حريته، فيفرز هرمونات التوتر كأنه دخل معركة حتى وإن لم يصيبه شيء من ذلك الضرر، ويقول "ستيفن كوارتز" أحد علماء الأعصاب أن هنالك تقنيات دماغية حديثة أثبتت أنه فور مشاهدة الطفل لظلم طفل آخر فإن الجزء العاطفي الفطري هو الذي يسيطر فيقول تلقائياً كلمة "لا".

كما أنه ويؤكد العلماء والباحثون لقضية التنمر، أنها القضية الأساسية الأولى التي تؤدي إلى تقليص في الجزء الأمامي من الدماغ -وهو الجزء المسؤول عن تحقيق الشعور بالأمن والاستقرار لدى الطفل- كما أنها الدّاء الأول الذي يدمر صحة الطفل الجسدية والعقلية والروحية، فهي تؤدي إلى تضخم شعوره بالعجز وعدم القدرة على المواجهة.

هل طفلي متنمر؟

التنمر صفة ذميمة لأنها تحط بالآدمية إلى الحيوانية، ولا أظن أن أطفالنا قادرون بذواتهم الطاهرة على ارتداء تلك الحلة المنافية للفطرة ما لم تكن هنالك واحدة أو أكثر من تلك الأسباب:

المناخ العدواني الذي يوفره الآباء في بيوتهم هو مرتع خصب يجعل الطفل يتقبل تلك المشاهدات ويتقبلها في دماغه على أنها سلوكيات مقبولة

1_ السلوكيات العدوانية والألفاظ غير الحسنة التي يتراشقها الأبوان: إن المناخ العدواني الذي يوفره الآباء في بيوتهم _للأسف_ هو مرتع خصب يجعل الطفل يتقبل تلك المشاهدات ويتقبلها في دماغه على أنها سلوكيات مقبولة ليس لها أي أثر سلبي.

2_ الألعاب الإلكترونية: تعتبر الألعاب الإلكترونية واحدةً من أكثر المساحات الفضفاضة التي تسمح بتشكيل تلك السلوكيات عند أطفالنا سواءً أكانوا متنمرين أم يقع عليهم قبح التنمر، فالأطفال عادةً لا يمكنهم الفصل بين اللعب وواقعهم الحقيقي فيتعاملون مع الواقع على أنه استكمال للألعاب التي تقوم على مبادئ مخيفة تتمثل في سحق الخصم، حيث تنمي تلك المشاهدات وتطبعها في ذهن أطفالنا وتجعلهم يتقمصونها دون دراية منهم، فحتى الآن لم تتجاوز نسبة الألعاب الإلكترونية الهادفة الموجهة أكثر من 2% من إجمالي إنتاج الألعاب الإلكترونية سنويا  .

3_ عدم وجود سياسات تأديبية: وكما يقول د. وليد فتحي فإن الافتقار إلى سياسات تأديبية وإجراءات واضحة تجاه سلوكيات التنمر، وعدم وجود برامج لحل النزاعات تتبناها المدرسة يدرب عليها أعضاء هيئة التدريس، وضعف الإرشاد الطلابي، وعدم فعالية دور الاختصاص الاجتماعي، من أكثر الأسباب التي تساعد في تنمية التنمر.

تعرض الطفل للممارسات العنيفة يجعله يفقد بريق ذاته بذاته، كما وأنه سيرفض نفسه رفضاً تاماً مما سيعيق نموه الاجتماعي والعاطفي

الآثار النفسية التي يجنيها أطفالنا من التنمر:

1_ قلة تقدير الذات: إن تعرض الطفل لمثل تلك الممارسات العنيفة يجعله يفقد بريق ذاته بذاته، كما وأنه سيرفض نفسه رفضاً تاماً مما سيعيق نموه الاجتماعي والعاطفي.

2_ عدم القدرة على مواجهة المشاكل: إن الأطفال الذين يمارس عليهم التنمر غالباً ما يلجؤون إلى حل تلك المشكلة عن طريق الهرب منها  ، وتعتبر المدرسة هي المشكلة الأكبر بنظرهم؛ لأنها موطن تلك السلوكيات، فقد أثبتت الدكتورة "دورز كوي" في دراسة قامت بها عام 2001م، أنه في أمريكيا وحدها يهرب ما يقارب 160 ألف طالب من مدارسهم بسبب تلك المشكلة، ولا شك أن الأعداد تفاقمت في ظل تفاقم المشكلة وتجذرها.

3_ لجوء الأطفال إلى الكذب: يرغب الطفل دائماً بتصوير نفسه أمام أعين الآخرين على أنه الشجاع والقائد. وإذا ما سيطر المتنمرون عليه حتى لجأ لاختراع بعض الأكاذيب ليظهر أمامهم بالصورة التي يرغب ويحب، الأمر الذي قد يعكس اضطرابات نفسية عميقة تمر على الطفل.

إننا كمربين نقف أمام عقبةٍ كبيرة تمنع أطفالنا من التقدم والنهوض الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي، ولذلك فإنه علينا كآباء وهيئة تدريسية أن نكثف جهودنا حتى نقضي على تلك الظاهرة التي لا يحمد عقباها، فبها ولها سيخرج لنا جيل عدواني (مشروع بلطجي) أو جيل جبان (مشروع إمعة) فالأطفال الأطفال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

9 مؤشرات تجعل الاستقالة من الوظيفة ضروريةً

-ولو كانت محسوبة- فيستمرون في وظيفة ما من باب تجنب تعريض أنفسهم لهجمة الريح ومفاجآت …