دلالات الدعم الأمريكي “غير المسبوق” للكيان الصهيوني وأزمات أمتنا المستمرة!

الرئيسية » بصائر الفكر » دلالات الدعم الأمريكي “غير المسبوق” للكيان الصهيوني وأزمات أمتنا المستمرة!
america-22

أعلنت الإدارة الأمريكية في أيامها الأخيرة عن حزمة مساعدات عسكرية وُصِفَتْ بالتاريخية وغير المسبوقة للكيان الصهيوني، بقيمة وصلت إلى حوالي 38 مليار دولار على مدار عشر سنوات، أي بمعدل 3.8 مليار دولار سنويًّا، وهو ما يوازي حجم الدعم العسكري الأمريكي لدول العالم المختلفة مرتَيْن على الأقل.

ولنتصور حجم هذه المساعدات؛ فإن المساعدات الأمريكية العسكرية السنوية لمصر، وهي الأكبر في موازنة المساعدات المدنية والعسكرية الأمريكية؛ لا تزيد عن 1.3 مليار دولار سنويًّا، أي أن ما حصلت عليه الدولة العبرية يوازي ثلاث مرات ما تناله مصر.

وليس هذا الأمر بغريب، فمن المعروف أنه ومنذ عهد الرئيس الأمريكي هاري ترومان، في الأربعينيات، وفي مطلع الخمسينيات، تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر داعم للكيان الصهيوني، وتمكينه في قلب أمتنا؛ إلا أن هذا الحدث تبقى له دلالاته التي ينبغي تسليط الضوء عليها لتحقيق المزيد من الفهم حول ما يجري من حولنا، وما يُدبَّر لأمتنا.

وأول هذه الدلالات، أن هذا الدعم، والذي شمل إتمام صفقة الـ"إف. 35" التي ظلت لسنوات معلقة، قد حصل عليه الكيان الصهيوني في نهايات عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

وأول نقطة يثيرها ذلك، هو أن صفقة الـ"إف. 35"، وإقرار مبلغًا يُقارب الأربعين مليار دولار كدعم عسكري للكيان، قد أتت في نهايات عهد الإدارة الأمريكية، وهو أمرٌ غير معتاد في السياسة الأمريكية؛ حيث يتم تأجيل أية قرارات كبرى بهذا الحجم إلى مرحلة ما بعد تولي الرئيس الأمريكي الجديد، بنحو ثلاثة أشهر، عندما ينتهي من التعيينات الكبرى في إدارته، وتستقر علاقته بالكونجرس الجديد، الذي يتم انتخاب ثُلُث أعضائه خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية.
وهو ما يعني أن هناك أولويات عاجلة فرضت إقرار هذه القرارات في هذه المرحلة، وأن الكونجرس الأمريكي؛ حيث مصدر الثقل الرئيسي للقرار الأمريكي، منعًا لأية مفاجآت قد تحدث في انتخابات الرئاسة والتجديد الثُّلُثِي للكونجرس.

تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر داعم للكيان الصهيوني، وتمكينه في قلب أمتنا، منذ الأربعينيات، وحتى يومنا الحالي

الدلالة الثانية للحدث، هو ارتباطه بمفارقة حادثة؛ حيث العلاقات ما بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ورئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، في أسوأ حالاتها، وربما تُعتبر حالة تاريخية لم يسبقهما إليها أي رئيس أمريكي ورئيس وزراء صهيوني.

ولعلنا نتذكر هنا الحالة "المثالية" التي كانت عليها العلاقة بين رئيس الوزراء الصهيوني الهالك، أريئيل شارون، والرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن، والتي كانت تمثل القاعدة الأساسية للعلاقات ما بين رأس السلطة وقمة هرم صناعة القرار في كلٍّ من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

ويشير هذا الأمر، إلى أن مركز صناعة القرار الحقيقي في الولايات المتحدة ليس في شاغل البيت الأبيض، والذي هو مجرد منفذ للقرارات التي تتم صناعتها في أروقة الكونجرس وأجهزة الأمن القومي الأمريكية المختلفة، بجانب المَجْمَع الصناعي – العسكري الذي يقوده اليمين المحافظ.

أضف إلى ذلك، اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الذي كان من أهم الأدوات التي وجَّه بها نتنياهو القرار الرسمي الأمريكي إزاء القضايا التي تخص الكيان الصهيوني.

ولعلنا هنا من المهم أن نُذكِّر بزيارة نتنياهو الشهيرة إلى الولايات المتحدة، التي خاطب فيها الكونجرس واللوبي الصهيوني هناك، بينما لم يجرِ أية مباحثات مع الرئيس الأمريكي،

بل إنه من بين الشروط التي قالت الإدارة الأمريكية رسميًّا إنها دفعتها إلى الموافقة على الدعم الأخير، كان عدم لجوء نتنياهو إلى الكونجرس مباشرة، وتجاوز الإدارة الأمريكية!

المدى الطويل والحجم غير المسبوق للصفقة الجديد؛ يقول إن الإدارة الأمريكية تعلم بناءً على أن هذا تخطيط مسبق لديها، أن الأزمات الراهنة في المنطقة مُرشَّحة للتصعيد

الدلالة الثالثة والمهمة في هذا الصدد، هو أن المدى الطويل والحجم غير المسبوق للصفقة الجديد؛ يقول إن الإدارة الأمريكية تعلم بناءً على أن هذا تخطيط مسبق لديها، أن الأزمات الراهنة في المنطقة مُرشَّحة للتصعيد، ولاسيما الأوضاع في سوريا والعراق، والحرب في اليمن، بجانب استمرار القلاقل في السعودية والبحرين ودول أخرى في المنطقة، لعشر سنوات مقبلة على الأقل!

بالإضافة إلى ذلك، استمرار بؤر نشاط تنظيمات ما يُعرف بالسلفية الجهادية في مناطق عدة، مثل ليبيا، واستمرار حركة عناصر هذه التنظيمات عبر المتوسط، مما يمس مصالح الأمن القومي الصهيوني في مجالات عدة، من بينها تأمين محطات استخراج الغاز والنفط من مياه المتوسط، وضمان عدم انتقال موجات مقاتلي هذه الجماعات إلى داخل الكيان الصهيوني.

ومن بين أهم معالم خطورة هذه الاتفاقيات الأخيرة كذلك، هو شمولها لمقاتلات الـ"إف. 35"، وهي مقاتلات متعددة المهام، بعيدة المدى، مما يعني أن هناك إما تحسب أو مخطط بالفعل، لاشتعال حرب إقليمية، تشمل الكيان الصهيوني، مع دول ليست بجوار الكيان، مثل المملكة العربية السعودية وإيران وحتى باكستان.

هذا هو الإطار الأوسع لاتفاق الدعم الأمريكي العسكري الأخير للقرار الصهيوني، ولئن كان هناك درس مُستفاد من هذه الصورة؛ فإنه يتعلق بضرورة العمل على توحيد الصف الحركي الإسلامي.

فالحديث عن وحدة صف الأمة في الوقت الراهن، إنما هو ضربٌ من ضروب الخيال والطنطنة أو الدعاية الإعلامية؛ حيث لن تسمح الأنظمة ولا القوى الدولية النافذة بهذا الأمر، كما أن وعي شعوب الأمة، أقل من الوصول إلى هذه المرحلة، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تفت في عضدها عن أي اهتمامات أخرى، وهو أمرٌ مُتعمَّد كما نعلم، لأن شعوب الأمة لو وعت واستجابت؛ سوف تحدث تحولات تاريخية في السياسة العالمية.

يجب أن تتحرك الطليعة الحركية في اتجاهَيْن، الأول هو صناعة الوعي، والثاني هو مواصلة استنزاف مقدرات الكيان الصهيوني، من خلال تصعيد عمليات المقاومة ضده

إذًا تبقى أمامنا الطليعة الحركية، والتي يجب أن تتحرك في اتجاهَيْن، الأول هو صناعة الوعي، والثاني هو مواصلة استنزاف مقدرات الكيان الصهيوني، من خلال تصعيد عمليات المقاومة ضده، وإشعال الأرض من تحته في كل مكان في فلسطين المحتلة، وفي كل مكان توجد به مصالح للكيان الصهيوني عبر العالم.

ولا يستثني ذلك المصالح الأمريكية؛ حيث يجب أن تدرك الولايات المتحدة أن مصالحها الحيوية الأهم في العالم، لن تستقر طالما استمرت على هذا النسق من الدعم لكيان الاحتلال الصهيوني.

ومن دون هذه الضربات التي يجب أن تكون موجعة بالفعل؛ فإننا سوف نجد أن الكيان الصهيوني سوف يجني ثمار سياسات نتنياهو واليمين الديني والقومي المتطرف لسنوات طويلة قادمة!..

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

كيف تستطيع أنْ تُغيِّرَ العالم؟

تستند التنمية "development" في المجتمعات الإنسانية كافة -ثَريِّها وفقيرها، مُتقدِّمها وناميها- على أساسيَيْن اثنَيْن، الأول/ …