الهجرة وتكامل السبل

الرئيسية » خواطر تربوية » الهجرة وتكامل السبل
prophet-mosque-2

لا يكاد يخفى على أحد منا تلك الموافقات الجليلة التي وافق الله تبارك وتعالى بها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأكاد أجزم أن القرار العمري الذي نفذه ذلك الفذ في اتخاذ الهجرة تاريخاً للمسلمين كافةً ما هو إلا وحي أو فلنقل أنه إلهام ربانيٌ مباركٌ ولا عجب، كيف لا ونحن المسلمون إلى يومنا هذا ما زلنا نقطف ثمار هذا التفكير الألمعي الحكيم ونستنير به لسائر المحطات.

في كل بداية كل عام هجري كان يستوقفني السؤال التالي: "لماذا اختار المسلمون الهجرة إيذاناً بتاريخ لهم، بالرغم من امتلاء السجلات الإسلامية بالمحطات الفاصلة كفتح مكة أو ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرها الكثير؟

إن اختيار هذا اليوم ليكون فاتحة العام عند كل المسلمين على هذه البسيطة، لهو أمر يحتاج إلى وقفة متبصرة متأملة، ولنبدأ في مقالنا هذا ببعض هذه الدروس المستقاة من الهجرة:

1) من الدعوة إلى الدولة: هنا يعلمنا القائد الفذّ أنه لابد من أن يكون للدولة سياج سياسي يحمي كيانها ويرعى مصالحها، وكما قال أزدشير لابنه: يا بني إن الملك والدين إخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، ومن لم يكن له أس فمهدوم، ومن لم يكن له حارس فضائع".

يعلمنا القائد الفذّ أنه لابد من أن يكون للدولة سياج سياسي يحمي كيانها ويرعى مصالحها

وبناءً عليه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عمد إلى إرساء قواعد البناء الداخلي في المدينة المنورة، وبث الفكرة في أركانها. وهنا يستوقفني بعد النظر ومستوى الخصوبة الفكرية التي كان يحملها الرسول صلى الله عليه وسلم، فها هو يعلمنا أنه لابد وأن يكون مستوى تطلعاتنا مناسباً لمستوى كفاءاتنا، فهنا لا مجال للاستهانة بالذات، ولا وقت لاستنكار أنفسنا وكبت جماح انطلاقتها وبزوغها.

2) التخطيط الفذّ: يعرف العلماء اليوم التخطيط على أنه خارطة تُرشدك إلى الطريق الصحيح بين نقطتين، أولها أين أنت الآن، والأخرى أين ترغب أن تكون في المستقبل، وكيف يمكنك أن تحقق ذلك. ولقد كان ذلك واضحاً جلياً في آلية تنفيذ الرسول صلى الله عليه وسلم لكل خطوات الهجرة، ابتداءً من طلب الحماية من القبائل المجاورة وانتهاءً برئاسة الدولة وسيادتها. ومن المواقف التي فعلاً أشعرتني بعمق التخطيط وحسنه ما يلي:

_ مبيت سيدنا علي بن أبي طالب في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك الموقف كمال إتقان التخطيط والأخذ بالأسباب، فهذا الموقف اجتهاد من نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن اللازمة الربانية التي أمر بها هو ألا يبيت صلى الله عليه وسلم في فراشه فقط، ولم يكن للوحي دخل في أن يطلب منه أن يبيت أحد مكانه. وفي هذا درس توجيه واضح يثني على أهمية إعمال العقل البشري والتخطيط، فكانت كلماته لعلي رضي الله عنه: "نم على فراشي وتسبح ببردتي فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم".

_ التكتم على ميعاد الهجرة: فهاهو صلى الله عليه وسلم يخرج من غير أن يخبر أحداً بذلك؛ خوفاً من أن يحدث ما لا يحمد عقباه، فلم يعرف أحد موعد خروجه حتى صاحبه أبي بكر الصديق؛ وذلك لتطبيق الخير منتظر من قوله صلى الله عليه وسلم: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".

إهمال التوكل والاعتماد على العمل وحده من شأنه أن يحرف النهاية ويحسمها، فالقوة التي يمتلكها الإنسان ويظن نفسه بها صنديداً من شأنها أن تنقلب عليه لأبسط الأسباب

3) ثنائية التوكل والعمل: هكذا تسير تلك الثنائية في حياتنا، بين إرادة إلهية جلية وبين إرادة بشرية تفكرية، فرب يدبر وعبد ويفكر، وبين تلك الإثنان أقدار تكتب لنا دون أن ندري خيرها أم شرها، إن إهمال التوكل والاعتماد على العمل وحده من شأنه أن يحرف النهاية ويحسمها، فالقوة التي يمتلكها الإنسان ويظن نفسه بها صنديداً من شأنها أن تنقلب عليه لأبسط الأسباب، وكذلك إن جلوسنا كأفراد وجماعات في محاريبنا متضرعين إليه الله ومتوكلين عليه مع تعطيل كافة سبل العمل لن يزيدنا إلا خسرانا، فهاهو الرسول صلى الله عليه وسلم يلتجئ إلى الله بالدعاء ويتضرع إليه منذ وضع الإطار العام لخطته حتى وصوله إلى الهدف، إن هذا التناغم ما بين الاثنان من شأنه أن يدعم الدولة الإسلامية؛ لأن الإنسان في أصغر جزيئات حركته وفي أكبرها ما هو إلا جندي لله ينفذ قدره في أرضه.

4) ربط الأعضاء بسمو الأهداف: ها هو القائد الفذّ يعلمنا أن المأمور مسؤول أمام الله عن كل رعيته، فلا يغفل عن شيء حتى يصلحه ويرممه، فعند وصول المسلمين إلى المدينة ورد للنبي صلى الله عليه وسلم خبراً مفاده أن رجلاً هاجر إلى المدينة حتى يتزوج من المرأة التي طلب الزواج منها في مكة ورفضت حتى يهاجر إلى المدينة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امريء مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (متفق عليه).

وهنا ينبهنا القائد إلى أهمية الوجهة وسلامة السريرة من أجل تحقيق النصر ويرفع مؤشر المسؤولية لدى منتسبيه حتى يشعر أفراده وحاملي لواءه أنهم لبنة من سور الإسلام المنيع.

إن انسجام تلك الدروس وتوافقها مع أحداثنا اليومية أو النفسية من شأنه أن يبعث فينا الأمل بالهجرة من جديد، ومن منا لا يرغب أن يهاجر لربه من ذنب أذنبه أو يذنبه، أو إثم اقترفه أو يقترفه، أو سلوك يقوم به ولا يرغبه، فكما قال الرسول الكريم: ".. و المهاجر من هجر ما حرم الله" وكما قال الدكتور وليد فتحي: "إن أمة قدوتها وأستاذها آخر الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتُذَكَّر في مطلع كل عام جديد لها بهجرة رسولها وبالدروس التي خطها لها في حياته كفاحا ونضالا ومعاناة ومشقة، ثم تنسى أو تفرطّ أو تتخاذل، لهي على خطر عظيم".

من لا يقرأ التاريخ ولا يعي دروسه، يأبى التاريخ إلا أن يلقنه أقسى دروسه، والتاريخ يعيد نفسه، وسنن الله لا تتبدل ولا تتغير

ومن لا يهاجر إلى الله يهجره الله، ومن يتول يستبدله الله بغيره. قال تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}. وكتاب الله مليء بتاريخ من سبق، ومن لا يقرأ التاريخ ولا يعي دروسه، يأبى التاريخ إلا أن يلقنه أقسى دروسه.. والتاريخ يعيد نفسه.. وسنن الله لا تتبدل ولا تتغير.. و{لن تجد لسنة الله تبديلا}.. {ولن تجد لسنة الله تحويلا}.. فلنهاجر قبل أن نستبدل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

الخلاصة في صراع التزكية والهوى

لا تخلو نَفسُ ابن آدم من هوىً ما عاش، والهوى يشمل كلَّ ما للنفس فيه …