انتفاضة القدس.. عام جديد على إعادة توجيه البوصلة

الرئيسية » بصائر الفكر » انتفاضة القدس.. عام جديد على إعادة توجيه البوصلة

سخية هي الجراح التي مرت على الأمة العربية والإسلامية، وأكثرها سخاءً تلك الدماء التي يسطر بحروفها الفلسطينون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس تاريخ هذه الأرض، ولوحات عزتها وطريق نصرها.

وإن كان شهر تشرين أول/ أكتوبر هو أكثر شهر يُشقي القدس ويدميها؛ وذلك لكثرة الاحتفالات الصهيونية اللعينة، إلا أن هيبة القباب المقدسية أبت إلا وأن تثأر لشموخها وترد الصاع صاعينٍ -كما يقال- لنحتفل هذه الأيام بذكرى انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، والتي كانت زاخرة بصور التضحية والبطولة، كان آخرها العملية البطولية للشهيد مصباح أبو صبيح حيث جدد شعلتها، وأعاد رفع رايتها وبيرقها الشامخ.

نعم هي انتفاضة بامتياز تنطبق عليها الأوصاف والمعايير القياسية، حتى وإن لم تؤت ثمارها بصورة فاعلة حتى الآن. فقد أعادت تلك الانتفاضة الهيكلة لفلسطين بعد تصحر سياسي غضّ دبلوماسيوه الطرف عن مطالب رعاياهم، ولعل الضبابية السياسية في المشهد الفلسطيني، وهشاشة القيادة الرسمية التي تدّعي الدفاع عن الحقوق الفلسطينية من أبرز الدوافع التي عمدت من خلالها الهبّة الشعبية إلى الانطلاق للميدان، وبحسب مقال أرفقته جريدة الإندبندنت البريطانية: "لكي يحقق الفلسطينيون إنجازات حقيقية فإنه من المستحسن أن يبقوا قياداتهم السياسية خارج المشهد النضالي؛، لأن الإحصاءات تشير إلى أن الشعب يقدم التضحيات، والقيادات تقدم التنازلات".

هي انتفاضة بامتياز تنطبق عليها الأوصاف والمعايير القياسية، حتى وإن لم تؤت ثمارها بصورة فاعلة حتى الآن

ولعله من الظلم أن نحصر كل تلك النضالات المقننة التي قام بها الفلسطينيون في ثلاث انتفاضات فقط، فحسب تقرير أعدته قناة الجزيرة الفضائية في العام الماضي أشارت فيه إلى أن هذه الانتفاضة تحمل الرقم 25 في التاريخ الفلسطيني منذ عام 1920م، ذكرت منها الانتفاضة التي قامت في منطقة يافا عام 1920م، وانتفاضة البراق الشهيرة عام 1929م، عندما دنس اليهود حائط البراق الذي يسمونه حائط المبكى، وأسفرت عن قتل حوالي 160 من اليهود، وحوالي 120 شهيدا فلسطينيا.

وتماشياً مع المسمى الإعلامي فإني سأكتفي بذكر مصطلح انتفاضة القدس التي أحسبها شوكة في حلق العدو الصهيوني، حيث حققت العديد من منجزات مادية أذكر منها ما يلي:

1- لقد عملت انتفاضة القدس على منع العدو الصهيوني من استغلال الوضع العربي المهترئ لتحقيق سياساته القذرة على بساط الأمة، حيث قامت تلك الانتفاضة على مبدأ قرآني جليل أتبصره كلما رأيت عملية جديدة تسحق الكيان وتمنعه من التقاط أنفاسه، ذلك أنهم يشغلون الكيان بذاته وبرعاياه قبل أن ينشغل بأمر آخر يفتك عصب فلسطين ويحطمها بأفكار شيطانية، وما عملية الشهيد البطل أبو صبيح اليوم إلا دليل على ذلك، حيث بعثرت أوراقه وحساباته، وأكدت لهم أنهم لا يمكن أن يعيشوا آمنين مطمئنين على هذه الأرض.

عملية الشهيد البطل أبو صبيح اليوم بعثرت أوراق الاحتلال وحساباته، وأكدت لهم أنهم لا يمكن أن يعيشوا آمنين مطمئنين على هذه الأرض

2- أخذت تلك الثورة المباركة التي سطرها مجموعة من الشباب المقدسي على عاتقها مجموعةً من الإفرازات النهضوية التي أظنها قد بلغت إلى أقصى بقاع الدنيا، فقد جاء ذلك في وقت عصيب تمرّ به الأمة العربية يحمل بين طياته هالات ساحقة من التشاؤم واليأس العارمين بعد تأخر النتائج المتوقعة التي كنا نتأملها من الربيع العربي المرتقب خاصةً في مصر، إذ تحطمت آمال الأمة بأكملها بعد ولادة حكم عسكري جديد يفوق حكم مبارك سوءًا واستبداداً بذات الأيدي الشعبية التي كانت أول من طالب وندد برفض الحكم العسكري، فبدأ أصحاب العقول النيرة بطرح الثقة لما يسمى "بالثقة الفكرية" التي تنتجه عقولنا العربية المستبدة خاصةً.

3- ترسم تلك الانتفاضة مشهداً كريماً آخراً من شأنه أن يطأ ذلك العقل الصهيوني المتعجرف الذي كان يظن أن القدس ما هي إلا قضية أثرية انطمست من عقول العرب والمسلمين، فبالرغم من القمع الأمني في مصر، وانشغال دول الخليج برمتها في أزمة اليمن، وما يحصل في سوريا من مجازر وحشية مروعة، إلا أن تلك التضحيات والبطولات قطعت الشك باليقين، وأجبرت الكيان الغاشم على الاعتراف بأن فلسطين هي القضية الأولى في حياة العرب والمسلمين.

4- جاءت الانتفاضة حاملةً بين طياتها خطوةً ثانية من خطوات التحرير الوطني المنظم، فالخطوة الأولى كانت في العام 2005م، حيث أجبر الفلسطينيون قطعان المستوطنين على إخلاء قطاع غزة، وإن إخلاء العشرات من القطعان من الضفة والقدس وفرارهم إلى مواطنهم الأصلية هي الخطوة الثانية على نهج التحرير الوطني.

إن الرّهان الذي كسبه العقل الفلسطيني المبتكر من شأنه أن يضفي نكهةً إيجابيةً على تلك العقول التي حكمت على مسيرة الربيع العربي بالفشل وأغدقته بأسماءٍ لا تمد للحرية بصلة كالخريف العربي مثلاً، وغذّى فينا العبارة التي غطاها الزمان بغباره "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".

اليوم وبعد مضي عام على تلك الثورة المباركة التي حولت البوصلة نحو القدس وأعادت للقضية الفلسطينية كيانها من جديد عقب القحط السياسي الذي تجذر فيها أود لو أرى وزير الحرب الصهيوني السابق موشيه ديان وهو يشاهد إنجازات الفلسطينيين الحقيقية في تسطير أيدولوجيات جديدة تعيد جغرافية الحكم الصهيوني بطريقتها الفريدة، أود لو أعرف هل سيستمر في قول مقولته المشهورة التي قالها غداة احتلال القدس الشرقية وهو يصلي عند حائط البراق: "لا فراق بعد اليوم، ولا عزلة ولا ابتعاد، سنبقى معاً الشعب والأرض والحائط."

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

السعي لإنقاذ الناس والجوهر الإنساني والأخلاقي للمنهج النبوي في الدعوة

يحفل المنهج النبوي في العمل الدعوي بالكثير من القواعد والأسس التي نهض عليها، وظلت ثوابت …