تسهيل الحلال .. الواجب الغائب

الرئيسية » خواطر تربوية » تسهيل الحلال .. الواجب الغائب
missing22

لا يزال الكثير من المسلمين اليوم يقعون في المحظور ويغشون حدود الله ويصيبون الحرام هنا وهناك، ومردّ ذلك كله إلى أن الحرام بات اليوم سهلاً متناولاً بين الأيدي، وأن الحلال صعب المنال في كثير من حاجات الناس الدنيوية.

فللحرام شركات ومؤسسات راعية لها قائمة على نشرها وتيسير سبلها لمن يبتغيها، ومروجون لمن لا يبتغيها مزينون لها. وأما الحلال فإنه بات صعباً بعيد المنال، إما مشقةً للوصول إليه، أو أنه ذو كلفة عالية لا يقدر عليها الكثير من الناس.

ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التيسير على الناس قدر المستطاع، وأن الرجل إذا حمل أخاه على دابته فهي صدقة له، وكذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يتقلب في الجنة فقط لأنه أزال جذعا من الطريق كان يؤذي المؤمنين، فصرف الأذى عن المؤمنين كان سبباً وحيداً لدخول هذا الرجل الجنة.

عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ"، وفي رواية لمسلم: "قال اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ؛ تَجَاوَزُوا عَنْهُ".

للحرام شركات ومؤسسات راعية لها قائمة على نشرها وتيسير سبلها لمن يبتغيها، ومروجون لمن لا يبتغيها مزينون لها. وأما الحلال فإنه بات صعباً بعيد المنال

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً عن النَّبي صلَّى الله عليه وآله وسلِّم قال: "مَن نفَّس عن مؤمن كربةً مِن كرب الدُّنيا نفَّس الله عنه كربةً مِن كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعسرٍ يسَّر الله عليه في الدُّنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدُّنيا والآخرة" (رواه مسلم).

ومن الجدير بالاهتمام هنا والتفكير به هو: لماذا سبل الحرام سهلة ميسرة؟

ولماذا لا توجد مؤسسات راعية للحلال وتيسير سبله؟  

وهل يا ترى كانت تلك مصادفة؟ أم إنها مقصودة ومخطط لها؟

وفي إشارة قريبة أو بعيدة من هذا يقول محمد قطب في كتابه واقعنا المعاصر عن التعليم وكيفية توجيه الناس للبعد عن اللغة العربية أو الشريعة الإسلامية: "فلننظر فى المناهج التى وضعها دنلوب* فى مدارسه، ولنتخير من بينها أشدها خطرا وأبعدها أثرا: مناهج الدين، ومناهج التاريخ.

فأما اللغة العربية – لغة القرآن الذى يحترق قلب الصليبية حقدا عليه – فقد خطط دنلوب لقتلها والقضاء عليها.

فقد كان الراتب الذى يتقاضاه المدرسون من أصحاب المؤهلات العليا اثنى عشر جنيها إلا مدرس اللغة العربية وحده، يتقاضى أربعة جنيهات.

وكان لهذا الوضع انعكاساته ولا شك سواء فى داخل المدرسة، أو فى المجتمع على اتساعه. فأما فى داخل المدرسة جميعا حتى ذوو المؤهلات المتوسطة، بل يتقدمه – فى الراتب – فراش المدرسة أحيانا إذا كان ذا أقدمية طويلة.. ومن ثم لم تعد له كلمة فى المدرسة، فلا هو يستشار فى شؤونها، ولا هو يشارك فى شيء من إدارتها، ولم يعد له كذلك عند التلاميذ احترام، ولولا العصا التى يحملها ويؤدّب بها التلاميذ ما وقره أحد ولا عمل له حساب. بينما يحظى مدرس اللغة الإنجليزية بالذات بأكبر قدر من التوقير والاحترام".

وهنا سنعرض إلى العديد من أبواب الحلال التي يجب على المجتمع أن يتكاتف لييسرها، علماً أنه ما فتح باب للحلال إلا وأغلق مقابله باب للحرام.

1. تيسير سبل الزواج: وتكمن صعوبة الزواج هذه الأيام بارتفاع أسعار السلع وغلاء المهور والتكاليف الباهظة للزواج  ، فهلّا رجل رشيد يزوج ابنته على دنانير ويرخص لها في المهر ويخفف عن زوجها من شروطه ومتطلباته سيما إذا كان على خلق ودين، فلا حفلات ولا سهرات ولا ملابس ولا ذهب إلا ضمن أقل القليل الذي يفتح به بيتاً يقوم من أول يوم على نية إقامة الأسرة المؤمنة لا على الديون واستجداء الناس.

المؤسسات الربوية باتت اليوم تيسر على الناس القروض وفي مقابل ذلك تفرض عليهم الربا ليأكلوه بالباطل أما البنوك الإسلامية فلا تزال تقبع في التشديد على الناس وتعقيد معاملاتها

2. تسهيل القروض الحلال والمعاملات الإسلامية: وهي البديل الأوفر حظاً عن الربا والاقتراض من البنوك والمؤسسات الربوية، التي باتت اليوم تيسر على الناس القروض وفي مقابل ذلك تفرض عليهم الربا ليأكلوه بالباطل ولينغمس المسلم في القرض وفي الربا، فلا هو يسد دينه ولا هو يخرج من الحرام. أما البنوك الإسلامية فلا تزال تقبع في التشديد على الناس وتعقيد معاملاتها ما ينفر الناس منها ومن التعامل معها، إلا أنه من حقها أن تضمن أن لا يضيع مالها ولكن عليها أن تبتغي التيسير قدر المستطاع.

3. تسهيل فرص العمل في الحلال: ولقد رأينا من شبابنا اليوم من يعمل في الفنادق التي تبيع الخمور أو في البنوك الربوية فقط لأنهم لا يجدون فرصة عمل في الحلال وبدخل يكفيهم، وهذا لا يبرر لهم فعلهم، لكن ذلك لا يخلي المسؤولية عن المؤسسات وعن المجتمع.

4. التسهيل في الإعلام وإيجاد البديل عن الإعلام الحرام: وحسبك هنا أن تأخذ جولة على الفضائيات الملتزمة وذات السمت الإسلامي، والتي باتت خالية من كل روح حقيقية للبث التلفزيوني، فهي خالية من الدراما ومما يرغب الناس فيها، فلا عقل ولا منطق أن تقوم هذه القنوات ببث المحاضرات الوعظية على مدار اليوم.

لا عقل ولا منطق أن تقوم القنوات الإسلامية ببث المحاضرات الوعظية على مدار اليوم وتخلو من كل روح حقيقية للبث التلفزيوني

5. التسهيل في العبادات المختلفة كالحج والعمرة: فهما فرصة عظيمة للمؤمن كي يجدد إيمانه ويغسل خطاياه وسيئاته، ولهي البديل الأمثل عن كل سياحة، ففيها يتحصل السفر وكذلك العبادة.

6. التسهيل في الأندية والمسابح والفنادق المميزة: فقلما تجد منتجعاً أو فندقاً أو نادياً بمواصفات مميزة وخال من الخمور أو الاختلاط المحرم  ، أو أن مسابحه غير مختلطة، وهناك تجارب رائدة لبعض هذه المنتجعات والتي كانت بديلاً حقيقيا ومميزاً عن الحرام.

7. التسهيل في السياحة الإسلامية: وهذه تشمل أماكن السفر والترفيه بل والإقامة كذلك.

8. التسهيل في فتح باب التوبة والمغفرة: وهذه مما يجب إدراكه من قبل الدعاة والوعاظ وأئمة المساجد، أنه مهما عظم ذنب المسلم إذا جاءك تائباً فعظم من شأن توبته وحقِّرْ من شأن معصيته   -مهما عظمت- أمام عفو الله وكرمه، فتعليقه برحمة الله رجاءً خير من تقنيطه بعذاب الله خوفاً؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد، فتناوله النَّاس، فقال لهم النَّبي صلى الله عليه وسلم: "دعوه، وأريقوا على بوله سجلًا مِن ماء، أو ذَنُوبًا مِن ماء، فإنَّما بُعِثتُم ميسِّرين، ولم تُبْعَثوا معسِّرين" (رواه البخاري ومسلم).

9. التسهيل في الكتب الاسلامية وثمنها والإصدارات الاسلامية: سواء أكان ذلك من المؤلف أو من دور النشر، فإن لم يكن؛ فلتكن هناك مؤسسات راعية لتوزيع الكتب أو بيعها بثمن ميسر للناس، فلا شك بأن الكتاب له فوائده الجمة على الفرد وعلى المجتمع.

10. التسهيل في لقاء العلماء والدعاة وكذلك حفلات المنشدين: والتخفيف من أثمان بطاقات الحضور والمشاركة قدر المستطاع، ولأن يهدي الله رجلا على يدي أحدهم خير له من جمع مال الأرض قاطبة.

هذه عشرة كاملة، وهي غيض من فيض، وقليل من كثير، ولعل ما ذكر آنفاً أو غيره لا يحتاج إلى الجهود الفردية فقط، بل هو بحاجة إلى مؤسسات وخاصة مؤسسات المجتمع المدني لتقوم عليها وعلى أمثالها من تسهيل لسبل الخير وتصعيب للحرام قدر الإمكان خاصة لجيل الشباب، فجيل اليوم هو الجيل المنشود لتحرير الأوطان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الحياء وخطورة غيابه

الأخلاق دعائم المجتمع وأركانه الحافظة له من السقوط، كما أنها سياج للفرد والمجتمع من التردي …