دور سلبي لا يخدم المجتمع

الرئيسية » حصاد الفكر » دور سلبي لا يخدم المجتمع
%d8%b9%d8%a7%d8%af%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a

لم يقتصر دور بعض الدعاة على معرفة الفقهيات والمسائل التعبدية أو إيصالها بالأسلوب الفقهي المتعارف عليه سلفا وحديثًا من طرح الرأي الفقهي وقبول نقده، بل تعدى - ولا أعني أحدًا بعينه - تعدى إلى محاولة فرض الرأي وتكتيل الشباب حوله وإحداث تكتلات تنسب لدعوته وطريقته، ومن ثم تفريخ تلك التكتلات وتوسعها في إطار تلك النسبة نفسها.

وكم سمعنا ونسمع ما يحدث بين الحين والآخر من "مهاترات ومناظرات" بين تلك المجاميع، وليس هذا مقصودي في الحديث هنا؛ لأنها سلبية لا يختلف العقلاء في نبوّها عن الجادة، ومباينتها للسماحة التي أصّلها الإسلام بين أبنائه، وإنما ساقني فكري لاستهلال المقال بها؛ لأنها الأشهر بين السلبيات التي لا ينبغي للعلماء والدعاة التغافل عنها وترك الاعتراف بوقوعها، وإيجاد الحلول لحسمها من أصلها.

والحديث عنها وعن ما يقاربها من السلبيات، ليس إلا لإحداث طفرة تغيير في مسيرة بعض المصلحين، وهو الأمر الذي لا بد منه، كما أن تعداد الإيجابيات قد يكون متعسرًا نوعًا ما، كيف لا، والعلماء والدعاة يغرفون نصحهم وإرشادهم من معين الصفاء، الكتاب والسنة، غير أنه لابد من حدوث بعض المفاهيم الخاطئة التي تستوجب المراجعة لكوننا بشر، والبشر طبيعتهم هكذا، وكما قيل:

ولم يزلْ عيبُ من قلَّت معايِبُهُ

يُحْصَى ويُترك ما قد أعجز العددا

وكما قيل أيضًا:

وَمَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها

كَفى المَرءَ نُبلاً أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ

ولكنّ بعض المعايب التي يستهويها من أشرنا إليهم قد توازي بمفردها كثيرا من الإيجابيات، بل أحيانًا قد تغطي تلك الإيجابيات وإن كثرت وتعددت أثر سلبية واحدة أثرت في المجتمع مالم تؤثر به تلك الإيجابيات! ومن هنا ننطلق لنقد ترسيخ بعض المفاهيم وتقريرها من قبل كثير من هؤلاء الدعاة، تقريرًا عمليًا ونظريًا، وهي مفاهيم تحول بين المجتمعات وبين خروجها من عباءة التقليد العرفي المنسوب للدين، وإبقاء المجتمعات غارقة في التمسك ببعض العادات المخترعة التي صورت أن الخروج عنها يعد خروجًا عن الدين! واتباعًا لمن نهينا عن اتباعهم ممن انسلخوا عن تعاليم أديانهم، ولم يرتضوا دين الإسلام دينًا لهم! لكننا نجد أولئك – الذين أمرنا بمخالفتهم – قد تفوقوا دنيويا في أمور كثيرة، وبتفوقهم هذا استحوذوا على مراكز التغلب والقوة، وهي مسألة لم يغفل عنها الإسلام بل حث على الدخول فيها، والإعداد الصحيح لها.

وليس الإعداد بالمفهوم الذي تختزله بعض العقول من إظهار العداء والمواجهة، وتعمد إظهار المخالفة دون النظر إلى تلك الأساليب، هل هي مأمور ومسموح بها أم لا؟ وهل كل مخالفة لأولئك هي المقصودة من الأمر بمخالفتهم، أم أن المقصود هو المخالفة لهم فيما خصهم في أمور دينهم لا في دنياهم؟

فمن المعايب التي يقع فيها البعض محاولة الحيلولة بين المجتمع وبين التطور الدنيوي، وتصوير كثير من إنجازات العقل البشري من تقنيات وصناعات على أنها أدوات فتن، وتستعمل بقدر الضرورة أو الحاجة، وبالتالي فالتثبيط الضمني للشباب وللعقول المبدعة يتخلل في ثنايا هذا التقرير لهذا المفهوم الخاطئ، فكم من عقول مبدعة اتجهت اتجاهًا لا ترغب فيه إلا أنه مرضي في أوساط المجتمع نتيجةً لفشو مثل هذا الرأي! ولما سلّم كثير من الناس عقولهم ومفاهيمهم الدينية والدنيوية للتأطير في محيط الواقع المجتمعي، فإنه مما ينبغي لدعاتنا وعلمائنا أن يكونوا مؤتمنين في توجيه تلك العقول فكريًا توجيهاً صحيحًا سليمًا، وأن يحصروا توجيهاتهم وإرشاداتهم فيما حصرهم فيه نبينا صلى الله عليه وآله حين أشار إلى المجتمعات بقوله «أنتم أعلم بأمور دنياكم» فلو اتخذ هؤلاء العلماء والدعاة من هذه القاعدة منطلقًا لهم لتركوا للناس اختيار سلوكهم في تطوير معارفهم وإنشاء إبداعاتهم، ولما رأينا كثيرًا من المجتمعات تتقمص عباءة السلوك التوارثي مظهرةً له في قالب ديني.

فدور العلماء والدعاة ينبغي له أن يصب في نهضة الشعوب وتشجيعها على مواكبة العصر الحديث بأفعالهم وأقوالهم، دون التقيد بصورة مرسومة ذهنيًا على أنها هي التي ينبغي للمجتمعات أن لا تحيد عنها، وأن يصوروا الإسلام تصويرًا صحيحًا متفقًا مع قدرته على مواكبة كل مكان وكل زمان.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة الرياض
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

المولد الشّريف.. ومنهجية الاقتداء

عندما نرحل إلى السّيرة النبوية -للاقتداء- فنحن نقف على قمّة التجربة التاريخية الكاملة والمؤيَّدة بالوحي، …