شركاء في مسيرة وطن

الرئيسية » بصائر الفكر » شركاء في مسيرة وطن
palestinian210

تعاني الساحة الفلسطينية انقساماً واستقطاباً حاداً، انعكس تأثيره على القضايا الوطنية المصيرية، ووصل لكافة نواحي الحياة، في ظل التحديات الوطنية، التي يصعب مواجهتها مجتمعين، فكيف بناً إن كنا مشتتين؟!

إن استمراء داء الانقسام والتفرد بالقرار، يؤخر مسيرة التحرير، مما يستوجب على مكونات شعبنا المسارعة في إطفاء الحريق الفصائلي، وجعل الشراكة خياراً حقيقياً، ينبع من الشعور بالمسؤولية تجاه حاجة المجتمع والقضية، وليس سعياً للمحاصصة، لذا جاء هذا المقال لتناول بواعثها الملحة، ومكانتها الشرعية، ومجالاتها، والعقبات التي تكتنفها.

لماذا الشراكة؟

نحن شركاء بفطرتنا وتاريخنا وهمومنا وتحدياتنا وواجباتنا، وإن فكرة الفرد المخلص والجماعة المخلصة بدت مدخلاً غير كافٍ في الإصلاح، وحاجتنا اليوم للمجموع المخلص بدل البعض، والاستكمال بدل الاستقلال، وإنشاء علاقة جديدة بين كل المكونات القائمة والمشاريع المتنافسة، فالعقبات الماثلة أمامنا، من احتلال جاثم على أرضنا، وتشتت طاقات مواجهته، وضعف أداء المؤسسات الرسمية والمجتمعية، والهشاشة الوطنية والاقتصادية، وسوء استثمار الموارد البشرية والطبيعية، يتطلب جهدًا جماعياً مضاعفاً(1).

البديل عن الشراكة هو انتشار كيماوي التفرد والتناحر والتنافر، ولهذا فإن التحرك لتغيير الواقع، وإنقاذ المشروع، واجب شرعي ووطني

إن البديل عن الشراكة هو انتشار كيماوي التفرد والتناحر والتنافر، ولهذا فإن التحرك لتغيير الواقع، وإنقاذ المشروع، واجب شرعي ووطني، ولعل الأوضح رؤية، والأكثر عطاء، والأوفر تضحيات، هو الأجدر بقيادة الشعب، وتجميعه وتوظيف طاقاته نحو مشروع التحرير دون تفرد وإقصاء؛ لأن صراعنا مع المحتل كما هو على الأرض فهو على الإنسان أيضاً، وعلى القيم والنسيج المجتمعي والوطني، فأجهزة الاحتلال الصهيوني تقوم بدور شاس في التحريش بين الأوس والخزرج، وتحاول تغذية الصراع الفلسطيني الداخلي، وتمزيق وحدة شعبنا؛ لتعميق فرقته، وتشتيت وجهته، وتغيب أولوياته.

يتوجب علينا الإيمان بقيمة الشراكة في العمل الوطني، فنحن في زمن الفرق المتشابكة والجهود المتضافرة، والوطن أنا وأنت وليس أنا أو أنت

إن الوطن ملك للجميع، ومسؤولية الجميع، ويسعني ويسعك، مما يتوجب علينا الإيمان بقيمة الشراكة في العمل الوطني، فنحن في زمن الفرق المتشابكة والجهود المتضافرة، والوطن أنا وأنت وليس أنا أو أنت، أما الإقصاء فيردي المهالك.

إلماحات شرعية حول الشراكة

تعد مفاهيم الائتلاف ذات مكانة في الفكر السياسي الإسلامي، فالنصوص الشرعية الحاثة على الاعتصام وترك الاختلاف كثيرة، ومقصد الدين التجميع على كلمة سواء، ولهذا جعلت الشريعة للعبادات الجماعية فضيلة تفوق الفردية، ورخصت في الشركات التجارية ما لم ترخصه في المعاملات الفردية، ويبيِّن التطبيق النبوي سعيه لتوحيد الصف المسلم، بل وتجاوزه إلى الجماعة الوطنية كما في وثيقة المدينة، وصلحه مع قريش، فالصلح المجحف خير من الانتصار الدامي في الخلافات الداخلية، وبنود صلح الحديبية التي ثارت حولها تساؤولات كثيرة من الصحابة شاهد على ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم حدد خياره الاستراتيجي(2)، عندما قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) (3)، كما وحثَّ الحسن على جعل هذه المنهجية خياراً مستقبلياً عندما قال -صلى الله عليه وسلم- عنه: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين) (4)، وكان ذلك في عام الجماعة عندما تصالح مع معاوية رضي الله عنهما.

الصلح المجحف خير من الانتصار الدامي في الخلافات الداخلية، وبنود صلح الحديبية التي ثارت حولها تساؤولات كثيرة من الصحابة شاهد على ذلك

إن الوحدة الوطنية اليوم هي بوابة لوحدة الأمة الإسلامية، والقاعدة الشرعية المستعارة من اللغة: إذا أمكن الاتصال فلا يُعدل عنه إلى الانفصال، ولهذا فإن أوجب الواجبات الوطنية تتمثل في ردم خندق القطيعة والكراهية وسوء الظن والريبة؛ استعداداً لمعركة التحرير، وتغليب ذلك على الملاحظات الجزئية التي قد تكون موضوعية أحياناً، لكن المداراة التي تكون بخفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم، من أسباب الألفة بين المسلمين، وهي كما تطلب بين الأفراد تطلب بين الجماعات والأحزاب أيضاً، ويشرع شكرهم على الخير الذي عندهم، دون الثناء على ظلمهم، فما من أحد وإن كثر فجوره إلا وفيه خير، وقد يتعرض المسلم في حال الاستضعاف إلى تحديات لا يقدر على تجاوزها إلا بشيء من التنازلات، سواء للأنظمة الكافرة أو الظالمة، داخلياً وخارجياً، بما يسهم في حماية مشروعه وإنجازاته، بشرط ألا يخل بجوهر دينه(5).

مجالات الشراكة

إن الشراكة التي نطمح إليها تنطلق من المسؤولية الجماعية، كل على قدر وسعه، وفي حدود إمكاناته، فمشكلتنا ليست سياسية فحسب، بل يوجد تخلف واحتلال وتحديات في معظم جوانب الحياة، وعليه فلابد أن يكون العمل التعاوني المشترك ثقافة عامة، تتبناها الفصائل، ومؤسسات المجتمع المحلي، فتتظافر كل قطاعات المجتمع، في سد الاحتياجات الإنسانية والصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية، ففي المقاومة نحرز نصراً وغلبة وتحريراً، وفي الإعلام نصنع وعياً وطنياً بامتياز، وفي المجال الاجتماعي نحقق مصالحة وتماسكاً وتكافلاً، وفي التعليم نحدث إبداعاً وتميزاً، وفي الرياضة نظهر تألقاً واحترافاً، وفي الصناعة والزراعة نقدم إنتاجاً منافساً.

نحتاج شراكة بمعناها الشمولي التعاوني التكاملي، فالاجتماع له خاصية ليست للافتراق، نريدها في التفكير والرؤية والقرار، وفي القيادة والإدارة والمسؤولية، وفي البذل والتضحية والتمويل، وفي قرار السلم والحرب، وفي تقييم الإخفاقات السياسية التي تورط فيها شعبنا، والعمل على إنهاء ما تبقى من أوسلو وأخواتها، من خلال مرجعية وطنية يشارك فيها الكل الوطني، لبلورة الخيار الاستراتيجي لتحرير الأرض والإنسان، وبناء منظومة التحرير فكراً وأداة وخطة، وتبني المقاومة بأشكالها المختلفة، العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية والقانونية والشعبية، وتوفير البيئة الحاضنة لمشروعها، وحماية مكتسبات النضال الفلسطيني، وتعزيز صمود شعبنا ومقاومته في الداخل والخارج والشتات والسجون، وتحسين أوضاعه المعيشية، ورفع الروح الوطنية عنده، ومحاربة الانحراف والفساد أياً كان لونه، وامتلاك عناصر القوة المؤثرة في تحجيم آثار الأسلحة التي يملكها المحتل، وتوسيع الفجوة بين الاحتلال والنظام الدولي الداعم له، وصناعة الدبلوماسية الرسمية والشعبية، وحشد العلاقات الخارجية والتحالفات بما يخدم القضية، وجعل بوصلة العداء للاحتلال الصهيوني وأعوانه فقط.

عقبات تخطيها يحتاج إلى تضحيات

إذا اتفقنا على أن الشراكة هي الطريق للخلاص، فإن السؤال الأهم: ما هو الطريق إلى الشراكة؟

يخشى الإنسان أن تصبح لفظة "الشراكة" السامية في أهدافها مبغوضةً؛ لكثرة ترددها، مع مجافاتها في الممارسة، فهي الواجب الغائب، وإذا اتفقنا على أن الشراكة هي الطريق للخلاص، فإن السؤال الأهم: ما هو الطريق إلى الشراكة؟

أولاً: تجاوز الدور التنظيري، وبذل الخطوات العملية التي تسهم في تذليل العقبات، وتقديم مرونة غير مسبوقة؛ لنتجاوز العداوات القديمة والحديثة، ونتنازل عن بعض حقوقنا، ونتعاون في المساحات المشتركة، بما يحافظ على ثوابت قضيتنا.

ثانياً: نحتاج فقهاً للعمل الوطني، والشراكة المجتمعية، يتجاوز حدود النظر الفردي، وينسجم مع تطورات الواقع؛ بما يحقق حيوية الإسلام في السياسة والاجتماع، وكذلك تعميم ثقافة التعايش بين الإسلامي والعلماني واليساري والنصراني في إطار مشروع التحرير.

ثالثاً: القدرة على مواجهة ضغوطات الخارج والمانحين، فالسلطة الفلسطينية ينبغي ألا تستجيب للإملاءات الخارجية، فواجبها حماية المشروع الوطني، وليس أن تكون عبئاً عليه؛ حتى تكون الشراكة وفق المعيار الفلسطيني الوطني، وليس وفق أجندة أعداء الوطن.

رابعاً: وضع ميثاقٍ للميثاق، فوضع المواثيق ليس كافياً لحل المشكلات، وإنما الالتزام به، لذلك نريد ميثاقاً للالتزام بالميثاق، والوفاء بالعهود، ووقف التحريض والاعتداء، والتزام العدالة منهجاً.

ينبغي استنهاض الكل الوطني، وإشراكه في مشروع التحرير واستكمال عدته، وتعزيز فكرة ديمومة المراجعة، وتحديد التقاطعات المشتركة بين المشاريع القائمة

ختاماً فإنه ينبغي استنهاض الكل الوطني، وإشراكه في مشروع التحرير واستكمال عدته، وتعزيز فكرة ديمومة المراجعة، وتحديد التقاطعات المشتركة بين المشاريع القائمة، واعتماد التعاون أساساً للعلاقة، والاتفاق على الثوابت والمتغيرات، وتوجيه الجهود المبذولة في ضوء الرؤية الوطنية؛ لسد الفجوة بين الواقع والمنشود.

________________________

الهوامش:

(1) انظر: دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية للدكتور محمد عبد الله دراز (ص: 79)، ومقال خلافة أم تمكين أم نهضة، للأستاذ عبد الله أبو عليان، وهو منشور على موقع مجلة البيان.
(2) انظر: دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية للدكتور محمد عبد الله دراز (ص: 162).
(3) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه باب شروط في الجهاد والمصالحة (ح: 2731) (3/193)، وهناك رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد في مسنده (ح: 18910) (31/212).
(4) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن (ح: 2704) (3/186).
(5) انظر: الفكر الإسلامي وقضايانا السياسية المعاصرة، للدكتور أحمد الريسوني (ص: 145 وما بعدها)، الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي، للدكتور زياد المشوخي (ص: 337، 403، 405).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …