كتاب الجيب.. ثورة ثقافية لا تزال صامدة في عصر التكنولوجيا

الرئيسية » بصائر الفكر » كتاب الجيب.. ثورة ثقافية لا تزال صامدة في عصر التكنولوجيا
books29

لم يكن الناشرون البلجيكيون في العام 1830م، وهم يطبعون كتبهم في طبعات ذات قِطْعٍ صغير يمكن إخفاؤه، أنهم بذلك قد دخلوا بالبشرية عهدًا مختلفًا من المعرفة، سوف يدفع بها إلى الأمام، وسوف يظل تأثيره وتظل مكانته، من دون منازِع، حتى نهايات القرن العشرين، عندما بدأت شبكة الإنترنت ووسائط الإعلام والمعرفة الرقمية، أو ما يعرف بـ"إنفوميديا"، في الظهور والانتشار.

كانت تلك الخطوة متأثرة بالثقافة الكنسية، التي كانت تعتمد على ما يُعرف بـ"كتاب الصلوات"، وكان لابد منها لكي يتمكن هؤلاء الناشرون من الهروب من الرقابة التي كان مفروضة على المطبوعات في ذلك الحين؛ حيث كانت بلجيكا محكومة بنظام ملكي مستبد، كان أحد أركان منظومة الاستعمار الغربي في العالم.

وفي العام 1838م، حوَّل الفرنسيون الثلاثة، جيرفيشار بونتيي، ولويس هاشيت، وميشيل ليفي، الفكرة إلى منظومة استثمارية واسعة النطاق.

ومُنذ ذلك الحين، تحول كتاب الجيب إلى أهم وسيط ثقافي في التاريخ، بعد اختراع الطباعة في القرون الوسطى، ويكفي هنا أن نشير إلى أن دار "هاشيت" الفرنسية، ومنذ العام 1941م، وحتى العام 2015م، قد وزعت 165 مليون نسخة بـ43 لغة، بمعدل وصل إلى 400 عنوان سنويًّا، من سلسلتها الشهيرة "كتاب الجيب".

ويعود ذلك إلى عوامل أساسية مرتبطة بطبيعة هذا الوسيط؛ حيث هو أولاً الأرخص بين وسائط الاطلاع الورقي التي ظلت الوسيط المعرفي الشعبي الوحيد حتى مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، عندما تم تعميم البث الإذاعي والتليفزيوني، ثم الإنترنت والوسائط الرقمية الأخرى، التي لم تستطع –كما سوف نرى– إزاحة "كتاب الجيب" عن عرشه.

وزاد من جاذبية "كتاب الجيب"، أن طبيعته كوسيط ثقافي بسيط الطابع؛ قد تم استخدام ورق ومكونات أرخص تكلفة من تكلفة الكتب الورقية العادية، مما زاد من قدرة أقل المستويات الاقتصادية والمعيشية في أي مجتمع، على قراءته.

العامل الثاني، هو بساطته، وذلك من ناحيتين، الأولى، سهولة حمله والتجول به، وقراءته في أي زمان ومكان، حتى في أوقات الانتظار في محطات المترو والمواصلات العامة، وغيرها من المناسبات، والثانية أن طبيعته ككتاب صغير الحجم، طبعت على لغته وأسلوب كتابته، فجاء بسيطًا سهلاً، وكما كان سعره جاذبًا للفقراء جاء أسلوبه ومحتواه ملائمًا، وبالتالي، جاذبًا لبسطاء التفكير والثقافة، وأصحاب مستويات التعليم الأدنى.

أصبح كتاب الجيب أحد أهم أدوات التغيير السياسي عبر التاريخ، فمع سهولة تداوله وبساطة لغته، لعب أخطر الأثر في نشر أفكار الثورات الشعبية الأهم عبر التاريخ

نأتي للعامل الثالث، وهو الذي منح كتاب الجيب أحد أهم آثاره، وجعله ملك الوسائط بلا منازع، وهو سهولة تداوله، مع لغته البسيطة.
هذا العامل قاد إلى أن يصبح كتاب الجيب أحد أهم أدوات التغيير السياسي عبر التاريخ، فمع سهولة تداوله وبساطة لغته، لعب أخطر الأثر في نشر أفكار الثورات الشعبية الأهم عبر التاريخ، وعلى رأسها الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، والثورة البلشفية في العام 1918م، والثورة الصينية في أربعينيات القرن العشرين، وصولاً إلى الثورة الثقافية التي هزت أرجاء العالم في الستينيات والسبعينيات الماضية، ثم الثورة الإيرانية في العام 1979م.

فلقد اعتمدت قيادات هذه الثورات على "كتاب الجيب" الذي تحوّل إلى منشور يتم طباعته بأعداد كبيرة، أتاحت لأفكار هذه الثورات الوصول إلى مختلف أقاليم الدولة، ومختلف المستويات الاجتماعية والثقافية والفكرية الموجودة، ولفكرة الثورة والدعوة لها، أن تتسرب بين الشقوق؛ حيث يكفي للأمر، تهريب نسخة واحدة، والبدء في استنساخها بأبسط الوسائل في المجتمع المستهدف.

ولقد وعت الحركة الإسلامية ذلك، فراحت تعتمد على الكتيبات الصغيرة و"كتب الجيب" في نشر أفكارها، والدعوة إلى الله تعالى، واستعادة أبناء المجتمعات المسلمة إلى وعائهم الديني وهويتهم مرة أخرى، بعد قرون طويلة من التباعد المقصود من حُكَّام متغلبين ومستعمر جائر جاء طامعًا ومخربًا.

ففي ظل هذه الأوضاع، وصعوبة الحركة في ظل ظروف سياسية وأمنية قاهرة ومعادية، كانت هناك حاجة إلى وسيط سهل وسلس في التداول، يصل بحقائق الدين الأولية إلى المتلقِّين بلغة بسيطة سلسلة، تتناسب مع واقع التردي الفكري والثقافي، وسوء التعليم، والتباعد الكبير بين الناس وبين صحيح دينهم، وهو ما كان "كتاب الجيب" وشقيقه الأصغر، "الكتيب"، الأنسب من بين وسائل المعرفة الأخرى، للقيام به.

وعت الحركة الإسلامية مميزات "كتاب الجيب"، فراحت تعتمد عليه، في نشر أفكارها، والدعوة إلى الله، واستعادة أبناء المجتمعات المسلمة إلى وعائهم الديني وهويتهم

إلا أن هذه السمات كانت بدورها سلاحًا ذا حدَّيْن؛ حيث إنها حولت "كتاب الجيب" في أوقات الأزمات السياسية، على سبيل المثال، أو في المجتمعات التي تسيطر عليها أنظمة قمعية شمولية، ترغب في إغراق شعوبها في آتون من التفاهة، ضمن مخطط شامل للتجريف الفكري والتجهيل؛ نقول حولته إلى وسيلة لنشر المذاهب الهدامة والإباحية أو الأفكار السطحية على أقل تقدير.

ويمكن ببساطة أن نجد هذه المعالم في مجتمعاتنا العربية، فكتاب الجيب في الغالب أدبية، ومترجمة، وهي إما عبارة عن روايات جنسية المحتوى في الغالب –توجد سلسلة روايات عاطفية للجيب، باسم "عبير"، غالبية رواياتها تتكلم عن العلاقات غير الشرعية باعتبارها علاقات عاطفية "سامية"- أو ذي محتوىً تافه، مثل روايات أرسين لوبين، وشيرلوك هولمز، فيما لا توجد محاولات مستمرة لنشر كتب جيب هادفة مثل تبسيط العلوم أو التاريخ أو ما شابه.

إلا أن هذا الوضع له استثناءاته؛ حيث هناك محاولات مهمة لدار المعارف في القاهرة وفي بيروت، والهيئة المصرية العامة للكتاب، وبعض دور النشر السورية واللبنانية، لإخراج سلاسل لكتب الجيب في مجالات علمية وثقافية هادفة، شملت حتى كتب الأطفال والناشئة، المكتوبة والمصورة.

كذلك هناك جهود من بعض دور النشر العربية في مصر والخليج على وجه الخصوص، التي تصدر مجلات، في مجال نشر كتب للجيب مع أعداد مجلاتها، وأبرز هذه المجلات، مجلة "الأزهر" القاهرية، و"الرافد" التي تصدرها حكومة إمارة الشارقة، بينما هناك مجلات أخرى شهرية تصدر معها كتبًا من القِطْع المتوسط، مثل "الدوحة" القطرية، و"المجلة العربية" السعودية.

إلا أنه في رأي خبراء؛ فإن هذه الجهود لا ترقى إلى أن تكون منتِجًا لكتاب الجيب بالصورة الاحترافية القائمة في الغرب.

كتاب الجيب والتقنية الحديثة

وبطبيعة الحال، كان لظهور الحاسب الآلي بأجياله المختلفة الأحدث، وكذلك الهاتف الذكي المحمول، الذي تحوّل إلى وسيط ترفيهي وثقافي ذي قدرات غير محدودة، وغير ذلك من الرقميات ووسائل الـ"إنفوميديا"؛ أثره على الوسائط المعرفية والإعلامية التقليدية، مثل الكتاب الورقي والصحيفة الورقية ووسائل الإعلام الجماهيري.

إلا أن "كتاب الجيب"، يظل على رأس وسائل القراءة والاطلاع، ولاسيما في العالم العربي، لأكثر من سبب، الأول أنه ليس الجميع –في ظل الظروف الاقتصادية والحالة التعليمية الموجودة– بقادر على أن يطالع الكتب والمواد الثقافية المقروءة على الإنترنت، أو على الوسائط الإلكترونية بشكل عام.

كما أن "كتاب الجيب" لا يزال أكثر سهولة في تداوله من الهواتف الذكية وغيرها من الوسائط، حتى الحواسب الآلية وملفات الـ"WORD" والـ"PDF"، في ظل كثرة المشكلات الفنية التي تعترض تداول هذه الوسائط والتعامل معها، فهناك مشكلة نفاد البطارية في الهواتف الذكية، ومشكلات البرمجيات في حالة الحواسب الآلية.

كما أنه من وجهة أخرى، فإن الهواتف الذكية عندما تُستخدم في قراءة بعض الكتب؛ فإنها في هذه الحالة تكون "كتابًا للجيب" ولكن في صورة غير ورقية؛ حيث لا يزيد حجم أكبر الهواتف الذكية عن مستوى الـ5.5 بوصة!

لا يزال "كتاب الجيب" الأسهل في بعض المواقف التي يلجأ الإنسان فيها للقراءة أكثر من غيرها، مثل المواصلات المزدحمة في المسافات الطويلة، وكذلك قبل النوم

كذلك لا يزال "كتاب الجيب" الأسهل في بعض المواقف التي يلجأ الإنسان فيها للقراءة أكثر من غيرها، مثل المواصلات المزدحمة في المسافات الطويلة، وكذلك قبل النوم؛ حيث إنه لا يمكن لإنسان من هواة القراءة قبل النوم، أن يقرأ كتابًا إلكترونيًّا بأية صورة من الصور، فهو بالأساس يقرأ مادة خفيفة، لأجل استرخاء الأعصاب، وإراحة الأفكار، بينما الوسيط الإلكتروني يجعله دائمًا منتبهًا خلال الاستعمال.

وليس أدل على ذلك، من أنه في الغرب، وبالرغم من أن الوسائط الإلكترونية مثل الهاتف الذكي والتابلت، والإنترنت، وغير ذلك، قد أثرت على الكتاب الورقي العادي، وعلى الصحف الورقية اليومية والأسبوعية؛ إلا أن "كتاب الجيب" ظل في مكانته، بل ويتضاعف إنتاجه، ويظل عامل الربحية الأساسي لدى الكثير من دور النشر، في ظل صعوبة كسر احتكاره لكل ما هو سهل وسلس وبسيط في عالم القراءة والثقافة!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

قيمة الإنسان في الإسلام

قبل أن نتحدث عن تشريعات الإسلام للإنسان وأخلاقياته، والعقاب الشديد والثواب الكبير الذي وضعهما لمن …