لماذا نكفر بالديمقراطية؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » لماذا نكفر بالديمقراطية؟!
o-democracy-voting-hands-facebook

تعتبر الديمقراطية الشكل الحداثي الأبرز في اختيار من يحكم الشعب أو من ينوب عنهم ويمثلهم في المجالس البرلمانية أو المجالس المحلية أو أي شكل من أشكال التمثيل والاختيار مهما كان بسيطاً من خلال ما يسمى بالانتخابات، وهي على العموم وببساطة عملية تقوم بها جهة معينة تستفتي أشخاصاً معنيين بشأنٍ ما لاختيار ممثلين عنهم في مجلس أو سلطة ما، ولقد باتت الانتخابات الشكل الأبرز لتشكيل المجالس ذات العضويات المتعددة ابتداء من الجامعات وانتهاء بكرسي الرئاسة مروراً بمجلس الشعب أو ما يعرف بالبرلمان.

وهذه الديمقراطية بصورتها المجردة فصلت السلطات الثلاث عن بعضها البعض وجعلت لكل منها سلطة مستقلة، ومن خلالها تحاسب كل سلطة الأخرى، فالسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية، كما وتعتبر السلطة القضائية هي الفيصل بكل خلاف داخل الدولة فيما يتعلق بالتشريع والقانون.

وتعتبر الديمقراطية هي البديل الأمثل عن الديكتاتورية  والتي تعني الحكم المطلق وأن الحاكم فوق القانون، خاصة إذا علمنا أن الديمقراطية بالأصل نشأت ضد الحكم النخبوي أو الأرستقراطي آنذاك، والذي كان يبيح لهم أكل الشعب ومقدرات الوطن فقط لأنهم يحكمون، وإن تطور المفهوم الديمقراطي من حكم الشعب لنفسه إلى شكل من أشكال دولة القانون والمؤسسات أو الشكل الحديث للدولة المدنية والتي تساوي الجميع أمام القانون وأن لكل سلطة صلاحياتها حسب الدساتير والأنظمة المتفق عليها والمعمول بها كان بارزاً وواضحاً في الدول الغربية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وبنظرة عامة فإن الغرب اليوم وأمريكا يمثلون حالة جيدة من العمل الديمقراطي إلا أنه لا يخلو من الشوائب بين الفينة والأخرى.

العلمانية لا تعني فصل الدين عن السياسة كما يحاول أن يبسطها البعض؛ بل هي فصل الدين عن الحياة، حيث تدخل أنت ودينك في الكهف الذي تريد، لكن إذا ما أردت أن تخرج للدنيا، فاترك دينك هناك

أما في عالمنا المتراجع اليوم، في العالم العربي والإسلامي حيث تم نبذ الخلافة الإسلامية واستدعاء النموذج الغربي بأغلب حذافيره بغثه وسمينه ونافعه وضاره ليتم تطبيقه على البلاد والعباد مع الاختلاف الجوهري بين العالمين الإسلامي والغربي؛ حيث إن الدين الإسلامي هو السائد في بلادنا على عكس أوروبا وأمريكا ذات الأديان المتعددة والكثرة النصرانية؛ والنظام العلماني الحياتي والسياسي هناك والذي يعتبر من الاستحالة بمكان نقله إلى مجتمعاتنا حيث فصل الدين عن الحياة وشؤونها.

فالعلمانية لا تعني فصل الدين عن السياسة كما يحاول أن يبسطها البعض؛ بل هي فصل الدين عن الحياة، حيث تدخل أنت ودينك في الكهف الذي تريد، لكن إذا ما أردت أن تخرج للدنيا، فاترك دينك هناك، هذه هي الصورة الحقيقية والواقعية للعلمانية، أما محاولة تزيينها وربطها بالحداثة والعدالة وحقوق الإنسان فقط فهو محاولة لتغيير مفهوم العلمانية الحقيقي إلى مفهوم تتقبله الغالبية الشعبية المسلمة منها والشرقية كذلك، وهو ما يراه الكثيرون بأنه مستحيل على وجه الإطلاق!

في مجتمعنا هذا كانت الديمقراطية هي الصنم الحقيقي وإله الديكتاتورية في العالم الثالث، فالديمقراطية يجب أن تكون بعيدة عن أي حكم نظيف أو شريف أو صالح والأهم من هذا كله أن تكون بعيدة عن أيدي الإسلاميين ، فطالما أنها بيد الموالين للأنظمة الغربية وللكيان الصهيوني على وجه التحديد فإنها ديمقراطية وإنه حكم رشيد، أما إذا كان الحاكم نظيفاً أو إسلامياً فإنه يقود البلاد إلى الهاوية وإنه وجب تغييره ولو بالتدخل المباشر من الغرب، وكلنا رأى أفغانستان والعراق ومن قبلهم التدخل الفرنسي في إفريقيا والحبشة على وجه التحديد وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة والكبيرة، ولذا فإن الكثير من العرب قد كفر بالديمقراطية الزائفة والكاذبة وبات يعلم علم اليقين أنها ما هي إلا مسرحية أمام الناس  فقط لاستدعاء الممثلين من الحكام على خشبة المسرح والذين قد أحضرهم المخرج لنا ألا وهو الغرب.

وهنا عشرة أسباب جعلت من العربي اليوم ومن الشرقي يكفر بالديمقراطية ولا يرى أنها حقيقية أو عادلة:

1. التجارب السابقة: والتي أخرجت الديقراطية فيها ممثلين حقيقين عن الشعب باختيارهم، إذ كانت تلك الانتخابات نزيهة وحرة، وقد شارك أغلب الشعب فيها، فكانت تقدم نتائج على غير ما يرضي الغرب فيتم الانقلاب عليها بالقوة ومن خلال موظفي الغرب إما في الجيش أو في سلطة أعلى، كما حصل في الانتخابات التشريعية في فلسطين والتي فازت فيها حركة حماس، وكما حصل في مصر من انقلاب عسكري سافر ودموي ضد حكم الإخوان والذين كانوا قد حصدوا أغلب الأصوات وكذلك حل المجلس التشريعي في مصر آنذاك، ولا يخفى على اللبيب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وأنه انقلاب حقيقي على الديمقراطية هناك، خاصة أن كثيراً من العالم الغربي كان قد جهز المباركات والتهاني بنجاح الانقلاب ولكن كان للقدر كلمة أخرى.

تعتبر الديمقراطية حكم الأكثرية، وليست حكم الأصلح أو الأكفأ، خاصة أنه لن ترى عاقلاً يقول لك بأن الأكثرية تعني النخبة

2. تعتبر الديمقراطية حكم الأكثرية، وليست حكم الأصلح أو الأكفأ، خاصة أنه لن ترى عاقلاً يقول لك بأن الأكثرية تعني النخبة، بالنهاية الشعب سوف يختار وأكثر الشعب عوام لا خواص، خاصة في ظل مقاطعة كثير من النخب لهذه العملية أحياناً، ولهذا يقول بسمارك مؤسس الامبراطورية الألمانية: "إذا كانت أولى قواعد الديمقراطية هي شخص واحد يساوي صوتاً واحداً فإن عشرة حمير أفضل من تسعة مثلهم بسمارك"!

3. في عالمنا العربي ينجح الكثير من المرشحين بشرائهم لذمم الناس، فإنه يدفع لهم المال مقابل أن يعطوا أصواتهم له، وهذا وحده كفيل بأن تعتبر أن الفرز لهذه الانتخابات لا يمثل نخبة ولا الشخص المناسب للمكان المناسب، فمن بدأ حياته السياسية بشراء الذمم كيف به إذا تمكّن من السلطة يوماً؟ .

ينجح بعض الفاسدين المشتهرين بفسادهم في البلاد وبين العباد في المجالس النيابية العربية المختلفة، حيث ينتخبهم الشعب مرة أخرى

4. إعادة تدوير للفاسدين في السلطة، إذا ما رأيت نتائج الانتخابات بين مرسي وشفيق في مصر، تعلم كم أن الشعوب لا تختار بالضرورة الشخص المناسب، فشخص مثل شفيق وهو صورة عن النظام السابق الفاسد يحصد قرابة نصف الأصوات في مصر لهي كارثة حقيقية، ودليل صارخ وواضح أن الشعب لم يحسن اختياره مطلقاً، فمهما اختلفت مع مرسي أو الإخوان يبقى مرسي مرشح الثورة وشفيق مرشح النظام المخلوع، وكذلك في المجالس النيابية العربية المختلفة، حيث إنه وبعد كل انتخابات فإنه ينجح بعض الفاسدين المشتهرين بفسادهم في البلاد وبين العباد، ومع ذلك فإن الشعب ينتخبهم مرة أخرى!!

5. الغرب كاذب ومخادع: ولقد بان ذلك إثر الانقلاب السياسي في فلسطين على المجلس التشريعي وعلى حكومة حماس، وكذلك ردة فعل الغرب على الانقلاب المصري، وتشجيعهم للانقلاب في تركيا ولو من تحت الطاولة.

6. قوانين انتخاب فاسدة: لا تسمح بوصول المصلحين إلى سدة الحكم، حيث يتم التلاعب بالمناطق الجغرافية وأعداد المقاعد لكل منطقة حسب التوزيع الديمغرافي للسكان، وغير ذلك من القوانين المصاغة بطريقة شيطانية لا هدف لها سوى المحافظة على الوجود الفاسد في حكم البلاد، وما قانون انتخاب البرلمان الأردني الأخير عنا ببعيد.

7. التزوير: وهو واضح وصريح ومكرر وبنفس الأسلوب الغبي والفاحش، والذي يراه الأعمى قبل البصير.

8. أن الانتخابات هي تمثيلية واضحة، فليس هناك من حاكم عربي أو عضو في برلمان عربي يملك قراره أو يستطيع أن يصدح بالحق المخالف للغرب أو للكيان الصهيوني.

9. آليات الترشيح: يكفي أن تعلم أن بعض الدول قد كان فيها من أعضاء البرلمان الأميين أو شبه الأميين ومن لا يمتلكون أدنى ثقافة قانونية أو اقتصادية أو سياسية، وهم من سيشرعون ويخططون ويقودون الدولة.

10. أغلب المترشحين للانتخابات غير معروفين لأغلب من ينتخبونهم، وعلى هذا فإن أساس الانتخاب لا يكون حسب الكفاءة خاصة إذا علمنا أن أغلب المترشحين لا يقدم برنامجاً انتخابياً حقيقياً ، وإن قدم برنامجاً فإن أغلب من ينتخبوه لم يطلع عليه، لأن أغلبهم ينتخب إما للعشيرة أو للدين أو للحزب أو إنه باع صوته لمن انتخبه.

صحيح أن الديمقراطية أهون الشرّين إذا ما قارنّاها بالديكتاتورية، لكن مطلقاً بأن الحكم النخبوي هو الأفضل، وهو تمثيل بعد تمثيل، وهو ما بني على الاختيار حسب الكفاءة وبعد المشاورة

صحيح أن الديمقراطية أهون الشرّين إذا ما قارنّاها بالديكتاتورية، لكن مطلقاً بأن الحكم النخبوي هو الأفضل، وهو تمثيل بعد تمثيل، وهو ما بني على الاختيار حسب الكفاءة وبعد المشاورة؛ أي إن كل مجلس يختاره أهل اختصاصه كما القضاء والإفتاء، وهو بدوره سيعين من هو أكفأ ليقود البلاد والعباد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

مصطلح “تأثير كرة الثلج” وكيفية التعامل مع الخبرات المتراكمة

مصطلح "تأثير كرة الثلج" هو مصطلح مجازي يصف حدثًاً يبدأ من مرحلة مبدئية لا يؤثر …