متى تعتبر الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مدخلاً للرياء؟!

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » متى تعتبر الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مدخلاً للرياء؟!
mobile-apps-social-media-ss-1920

"نزار خالد" شاب نشيط في الدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه يتخذ من صفحته إلى الله وسيطاً، فصفحته زاخرة بالمواضيع ومنشوراته “متعوب” عليها، يقضي في اليوم ساعات طويلة في نشرها والرد على معجبيه.

"نزار" لا ينسى أحدًا من ردوده، عفواً.. لكنه نسي ورده اليومي من القرآن، نسي الأذكار، نسي الدعاء والاستغفار، واكتفى بنشرها للأصدقاء على أمل أن ينال أجرها أضعافًا كثيرة، يذكّرهم بالصلاة على النبي ولا يكلّف نفسه بقول: صلى الله عليه وسلم! ينسخ من واتس آب ويلصق على صفحته على فيسبوك، مع بعض البهارات ليُبهر بها متابعيه، ويحصي لهم الحسنات قبل نشر المنشورات.

"نزار" وهو اسم وهمي يمثل نسبة ليست بالقليلة من شبابنا اليوم الذين ينشرون وقت صلاة الظهر ووقت صلاة العصر، وفي بعض الأحيان عند صلاة الفجر، ولحظة إقامة الصلاة، وحتى يوم الجمعة في وقت الخطبة.

لكن ما الذي يدفع "نزار" وغيره من الشباب، لنشر بوستات دينية ودعوية عبر صفحاتهم خلال أوقات الصلوات المفروضة أو وقت خطبة الجمعة؟ وهل يمكن أن تدخل الدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي داخل دائرة الرياء وحب الظهور؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها التقرير التالي:

الدعوة في أوقات غير مناسبة لن تُسمع

د. نسيم ياسين: من يدعو عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يصلح نفسه أولاً، ربما تكون دعوته تلك مدخلاً للرياء ونحذره من ذلك؛ لأن عمل الدعوة جزء من التزام الإنسان بطاعة الله
د. نسيم ياسين: من يدعو عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يصلح نفسه أولاً، ربما تكون دعوته تلك مدخلاً للرياء ونحذره من ذلك؛ لأن عمل الدعوة جزء من التزام الإنسان بطاعة الله

الدكتور نسيم ياسين عميد كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة قال لـ"بصائر": "إن أي إنسان يريد الدعوة إلى الله يجب عليه في البداية أن يكون قدوة حسنة للناس  ، وأن يقتدي برسول الله –صلى الله عليه وسلم- قبل أن يدعو إلى أي أمر وأن يكون قد بدأ به وفعله بنفسه".

واستدل بفعل رسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- عندما تكلم عن الصلاة، صلّى أولاً أمام الصحابة ثم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، منوهاً إلى أن أي عبادة بعيدة عن فعل الرسول فهي باطلة، على حد تعبيره.

وأوضح ياسين أن أي شخص يقوم بنشر بوستات دعوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال أوقات الصلوات المفروضة، أو خلال خطبة الجمعة، "فلن يُسمع له؛ لأنه قصر في أهم الواجبات وهي الصلاة على وقتها، وبذلك سيُقال عنه أنه يقول مالا يفعل، مستشهداً بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3)﴾ (سورة الصف).

صلاة الجماعة أفضل من آلاف اللايكات

د. ياسين: صلاة الجماعة في المسجد تساوي 27 درجة، وهي أفضل عند الله من نشر مئات البوستات وحصد آلاف اللايكات

وتابع "مطلوب منا أن نلتزم بكل أمرٍ ندعو إليه، وأن نلتزم في طاعات الله، ونتوقف عن أي كتابة أو نشر أثناء أداء الواجبات، فصلاة الجماعة في المسجد تساوي 27 درجة، وهي أفضل عند الله من نشر مئات البوستات وحصد آلاف اللايكات".

وأردف قائلاً: "وصلاة الجمعة يجب تأديتها في المسجد فكيف ينشر المسلم بوستات دعوية أثناء الصلوات المفروضة؟! فهو بذلك مقصر في حق نفسه أولاً، وفي ذلك الوقت من المفترض أن يترك الإنسان كل ما في يده من عمل، فالله يقول في كتابه ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (سورة الجمعة:9)".

وشدد ياسين على أن من يريد الدعوة إلى الله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يجب عليه أن يتحرى الوقت المناسب والكلام المناسب  ؛ لأنه إن لم يفعل ذلك ربما يدخل في دائرة الرياء والنفاق خاصة أن تلك المواقع تُظهر الوقت الذي كُتِبَ فيه البوست الدعوي".

كيف تكون الدعوة مدخلاً للرياء؟

وحول مدى إمكانية أن يدخل القائمون على الدعوة الرقمية ضمن الرياء وإصلاح الآخرين مع ترك اصلاح النفس أولاً، ذكر ياسين أن المسألة تعود للشخص نفسه وبنيته إن كان القصد من نشره للمواد الدعوية عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي ليقال عنه أنه داعية وملتزم، فهو يدخل حينها في الرياء، ويوم القيامة يُقال له دعوت ليقال عنك داعية ويكون مصيره النار.

وتابع "هذا الأمر مرفوض في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (رواه مسلم)".

وقال: "إن من يدعو عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يصلح نفسه أولاً، ربما تكون دعوته تلك مدخلاً للرياء  ونحذره من ذلك؛ لأن عمل الدعوة جزء من التزام الإنسان بطاعة الله".

ونوه ياسين إلى أن "الرياء هو الشرك الأصغر، وهو من الكبائر المحبطة للعمل، وقد شهد بتحريمه الكتاب والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة، مستشهداً بقوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ}، ومستدلاً بمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ: "إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً".

وشدد ياسين على أن الشخصيات الداعية والتي يؤخذ منها معروفة لعامة الناس، مؤكداً على أن من يدعو بهدف الرياء سيظلم نفسه ولن ينال أي أجر على ذلك، والناس عندما يرونه يدعو لشيء ولا يعمل به سيخسر ثقتهم ويحتقرونه.

ما الذي يدفع الشباب للدعوة رغم عدم التزامهم؟

تكرار أسلوب الدعوة من تلك الفئة دون تطبيقها على أنفسهم تترك صورة ذهنية سيئة عند متابعيهم، بأنهم أناس غير ملتزمين بما يدعون إليه

وعن السبب الذي يدفع بعض الشباب لاستخدام أسلوب الدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الرغم من عدم التزامهم الكبير في دينهم، أوضح ياسين "أنه ربما يعود للوازع الديني في نفوس بعض الشباب، فتجد الشاب عنده ميول للدين بالفطرة لكن في الوقت ذاته عنده قصور في ذلك، والسبب الآخر والأهم هو الرياء".

ونوه إلى أن تكرار أسلوب الدعوة من تلك الفئة دون تطبيقها على أنفسهم تترك صورة ذهنية سيئة عند متابعيهم، بأنهم أناس غير ملتزمين بما يدعون إليه، وبعد فترة يسقط القناع عن وجوههم، بحسب ياسين.

كيف أكون داعياً بعيداً عن الرياء؟

وحول كيفية استغلال الدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والحصول على أجرها بعيداً عن الرياء أو التقصير في النفس، قال ياسين: "أولاً- يتصف الشاب بالصفات الحسنة والطيبة التي تبعده عن حب الظهور، ثانياً- أن يكون ملتزماً كما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي: ((لا تنه عن خلق وتأتى بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم))، فلا يجوز أن يفعل أي شيء مخالف لما يقوله، وأي كلمة يكتبها يقيسها على نفسه أولاً".

وتابع " ثالثاً- يجب على الداعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن يتحين الأوقات المناسبة، ويتكلم في أمراض الأمة ولا يترك قضية مشتعلة ومؤثرة في مجتمعه ويتحدث في موضوعات روتينية".

أنت الرقيب على نفسك

د. درداح الشاعر: قلة الوعي الديني هي التي تدفع بعض الشباب لنشر بوستات دعوية في أوقات غير مناسبة، فلو كان هؤلاء متدينين حقاً لوجدتهم أوقات الصلوات في المساجد وليس على شبكة الإنترنت
د. درداح الشاعر: قلة الوعي الديني هي التي تدفع بعض الشباب لنشر بوستات دعوية في أوقات غير مناسبة، فلو كان هؤلاء متدينين حقاً لوجدتهم أوقات الصلوات في المساجد وليس على شبكة الإنترنت

ومن جهته، قال أستاذ علم النفس الإجتماعي الدكتور درداح الشاعر لـ"بصائر":" إن مشكلة الفيس بوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، أنه مجتمع لا رقيب عليه إلا الله، فلا رجال أمن، ولا وزارات، ولا سجون، بل حتى الرقابة الإلكترونية فيه معدومة".

وأضاف "بهذا يتاح المجال لكل شخص لديه حساب على تلك المواقع بأن يدعو بالشكل الذي يراه مناسباً، سواء كانت دعوته نابعة من علم ودين، أو من باب الرياء وحب الظهور".

وذكر أن قلة الوعي الديني هي التي تدفع بعض الشباب لنشر بوستات دعوية في أوقات غير مناسبة  ، "فلو كان هذا الشاب متديناً حقاً لوجدته أوقات الصلوات في المسجد وليس على شبكة الإنترنت".

وقال الشاعر: "إن بعض الشباب يتواصلون مع أصدقائهم وقت السحر أو خلال خطبة الجمعة، لكنهم نسوا تماماً أنهم قطعوا تواصلهم مع خالقهم".

وتابع "هنا تظهر للإنسان حقيقة إيمانه، وتتجلى معاني مراقبة الله، والخوف منه، والإيمان بالحساب، والحياء من الله".

الإعجابات مرض خطير

د. الشاعر: كثرة سعي الشباب وراء حب الظهور باتت على وشك الحاجة إلى هيئة لمكافحة تسول اللايكات

وأكد الشاعر أن بعض الشباب ينشرون بوستات دعوية من أجل حصد أكبر عدد من الإعجابات واللايكات قائلاً: "الإعجابات في "الفيس بوك" مرض خطير مفسد للقلب في الأغلب؛ فاحذر مِن البحث عنها، واجعل نيتك لله تعالى، لافتاً إلى أن كثرة سعي الشباب وراء حب الظهور باتت على وشك الحاجة إلى هيئة لمكافحة تسول اللايكات؟"، على حد وصفه.

وختم حديثه بالقول: "الإنترنت عالم مفتوح يدخله كل من هب ودب وصار من اللازم على الدعاة عبر هذه الشبكة أن يتميزوا عن غيرهم في الطرح والأسلوب، فالداعية إلى الله تعالى يتميز عن غيره بأنه يدعو إلى الله تعالى على بصيرة وحكمة".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

إفشاء الطفل لأسرار البيت: كيف ندفعه لكتمانها والحفاظ عليها؟

تجتمع "أم عمر" كل أسبوع مع جاراتها في جلسة "فضفضة" يتناولن خلالها كلّ ما يخطر …