الزواج المدني والزواج المختلَط.. معضلات اجتماعية الدين منها براء!

الرئيسية » بصائر الفكر » الزواج المدني والزواج المختلَط.. معضلات اجتماعية الدين منها براء!
wedding_rings

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة النقاشات في عدد من المجتمعات العربية والمسلمة، وكذلك في الأوساط المسلمة في المهاجر وبلدان الأقليات، حول مسألة ربما تُعتبر من أهم ما يكون، في ظل ارتباطها بنقطة مفصلية في نجاح وفشل أي مجتمع، وهو موضوع الزواج الذي هو مفتتح تكوين الأسرة، التي هي بدورها نواة أي مجتمع، ومن دون صلاحها ونهوضها على أسس قويمة سليمة؛ يفشل المجتمع ويسقط.

ولمزيد من الدقة؛ فإن هذه النقاشات التي نقصدها تتعلق بقضية الزواج المدني، والذي نشأت الحاجة إليه لدى بعض المسلمين، بسبب مجموعة من الظروف الاجتماعية التي فرضت عليهم ظروفًا بعينها حتمت عليهم اللجوء إلى هذا الخيار.

وبداية، ولتحرير المفهوم بشكل سليم؛ فإنه ينبغي أن نشير إلى بعض الأخطاء المفاهيمية التي يقع فيها الكثير من المسلمين.
فالبعض يخلط بين التوثيق وبين الإشهار، وهذا خطأ، فالتوثيق ليس في الأصل ركنًا من أركان صحة الزواج الشرعي، بجانب الإيجاب والقبول، والإشهار أو الشاهدين، وموافقة الولي الشرعي للفتاة أو المرأة التي تقبل على الزواج، وعدم تأقيت عقد الزواج، وأن يكون بنيَّة الاستمرار لتكوين أسرة ورعاية المصالح المشتركة للزوج والزوجة، إزاء بعضهما البعض.

فإشهار الزواج في المفهوم الشرعي، يرتبط وفق رأي جمهور الفقهاء، بحضور شاهدَيْ عدل على الأقل، لمراسم إتمام الزواج الشرعي، والتي يعلن فيها طرفا العلاقة، أو الزوج وولي الزوجة، مع الإعلان عنه في الوسط الاجتماعي، بشكل من أشكال الاحتفال الذي لا يتجاوز الاعتبارات الشرعية، استجابة للهدي النبوي في ذلك، في أكثر من حديث شريف حثَّت على إعلان النكاح.

إلا أن هذا لا يعني أن التوثيق الرسمي لعقود الزواج في وقتنا الراهن، ليس ضروريًّا أو من نافلة القول وفق المعيار الشرعي؛ بل هو ضرورة يفرضها الشرع كذلك، ولكن من زاوية أخرى لا تتعلق بقواعد الزواج نفسه، ولكنها ضرورة من باب آخر، وهو حفظ المصالح المرسلة للمسلمين، وضمان حقوقهم إزاء بعضهم البعض، وإزاء المجتمع والسلطة الحاكمة، في ظل التعقيد الحاصل في العلاقات الاجتماعية، وزيادة عدد مجتمعات المسلمين من بضعة مئات أو آلاف إبان العهد النبوي، إلى مليار ومئات الملايين في عصرنا الراهن.

غياب التوثيق في الزواج ما دام سوف يرتب مفاسد؛ فإنه غير جائز في الشريعة، كأية معاملة يترتب عليها مفاسد في حقيقة الأمر، وليس في أمر الزواج فحسب

وهي زاوية يحرِّم بها البعض ما يُعرف في الوقت الراهن بالزواج العُرفي، والذي يستوفي حتى القواعد الشرعية المرعية، مثل وجود شاهدَيْن وموافقة الزوجة، وحتى وجود الولي الشرعي –في بعض الأحيان- ولكن تكون هناك اعتبارات أسرية أو اجتماعية قد تمنع من توثيق هذا الزواج، فغياب التوثيق ما دام سوف يرتب مفاسد؛ فإنه غير جائز في الشريعة، كأية معاملة يترتب عليها مفاسد في حقيقة الأمر، وليس في أمر الزواج فحسب.

ولكن لا يدخل في ذلك "الزواج العُرفي" بالمعنى السائد حاليًا في بعض مجتمعاتنا العربية؛ حيث "يتزوج" الشابان من دون استكمال أركان الزواج الشرعي، مثل وجود الولي، أو الشهود أو التكافؤ الذي وضعه بعض العلماء كشرط لصحة الزواج، بموجب أن غياب التكافؤ سيقود إلى فشل العلاقة الزوجية ويرتب مفاسد؛ فهذا ليس زواجًا عُرفيًّا بالمعنى الاصطلاحي الصحيح، بل هو في الأصل الشرعي لا يجوز أو يصح أن يُطلق عليه مصطلح "زواج".

الكلام السابق، لا يُعتبر خروجًا عن السياق الأساسي لهذا الموضوع، وهو الزواج المدني بين نظرة المجتمع والموقف الشرعي، والأزمة الدائرة حوله في الوقت الراهن، وخصوصًا في بعض المجتمعات العربية والمسلمة التي لا تزال على قدر من الانغلاق، بحيث لا تقبل الزواج المختلط بمعنيَيْه، الديني والمجتمعي؛ أي أن المجتمعات المحلية في هذه البلدان لا تقبل بزواج المسلم بغير المسلمة من أهل الكتاب، أو زواج الفتاة والمرأة، أو الرجل، من أجنبي أو أجنبية، ينتمي أو تنتمي لمجتمع آخر، أو بلد آخر، ومن جنسية أخرى.
وهنا نقول إنه، وبشكل عام، فإن أية قيود لم يحددها الشارع الأعظم في هذا الموضوع أو غيره؛ هي غير شرعية.

بمعنى أنه – على سبيل المثال – مَنْع زواج الفتاة برجل من غير بلدها أو مجتمعها المحلي؛ هذا غير جائز شرعًا، لو كان الزوج مستوفٍ الشروط التي حددتها الشريعة الإسلامية لقبوله كزوج، وعلى رأسها التدين وحسن الخُلُق. يقول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إذا خطب إليكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنةً في الأرض وفساد عريض" [أخرجه الترمذي].

يعرَّف الزواج المدني على أنه ذلك النوع من الارتباط الذي يتم بين رجل وامرأة في إطار النظام القانوني المدني القائم في الدولة

ويعرَّف الزواج المدني على أنه ذلك النوع من الارتباط الذي يتم بين رجل وامرأة في إطار النظام القانوني المدني القائم في الدولة، بعد توافق إرادتَيْ الرجل والمرأة على الارتباط ببعضهما البعض.

وهناك خلاف بين العلماء في قبول أو عدم قبول هذا النوع من الزواج؛ حيث إن البعض يرى أن الزواج بأي شكل من الأشكال، ما دام مستوفٍ القواعد التي حددها الشرع؛ فلا غبار عليه، وبالتالي؛ فإن هؤلاء لا يقولون بحرمة الزواج المدني، ومن بين هؤلاء حتى علماء من السلفيين المتأخرين، ينتمون لمدارس فقهية أكثر تشديدًا في المعايير المتبعة في الحكم على الأمور كافة بين الحلال والحرام.

ولا يدخل في ذلك زواج المسلمة بغير مسلم، أو زواج المسلم بغير مسلمة أو غير كتابية؛ حيث الأمران محرمان بإجماع العلماء وفق نصوص صريحة وواضحة في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، إلا بعض الآراء الشاذة التي أحلَّت زواج المسلمة بغير مسلم كتابي، في مجتمعات المهاجر والأقليات، ولكنها آراء غير مقبولة بحال عند جمهور العلماء.

المشكلة التي يطرحها بعض العلماء في مسألة الزواج المدني ومحاذيره الشرعية، هو عدم وجود مرجعية دينية – المأذون الشرعي بالمعنى القريب – في عملية إتمام مراسم الزواج بين الرجل والمرأة.

بعض العلماء المتحفظين على الزواج المدني يدخلونه في إطار كونه ضمن الممارسات العلمانية الموجودة في المجتمعات الغربية

وبالتالي؛ فهم يدخلون الزواج المدني في إطار كونه ضمن الممارسات العلمانية الموجودة في المجتمعات الغربية، ولاسيما وأن الزواج المدني ظهر أول ما ظهر، في أوروبا بعد زوال سلطة الكنيسة، فيما يُعرف بقرون التنوير، التي تلت العصور الوسطى والمظلمة في أوروبا، ويؤرخ البعض لفترة التنوير، بدءًا من منتصف القرن السابع عشر الميلادي.

ويرفض هؤلاء العلماء الزواج المدني أيضًا لو أن كلا الزوجَيْن لم يحددا الشريعة الإسلامية للتحاكم في العلاقة سواء خلال الحياة الزوجية أو عند الطلاق، وكان الإشهار أمام المحكمة الشرعية، غرضه فقط حفظ حقوق الطرفين في "هذه العلاقة" لأنه وقتها لن تكون زواجًا بالمعنى الشرعي.

ولكن، ولو أننا دققنا في هذه التحفظات؛ فإننا سوف نجد أنها لا تطعن – بحسب علماء آخرين – في صحة الزواج المدني؛ بل إنها اشتراطات عامة يجب توافرها في الزواج بشكل عام؛ فعدم الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية في أية علاقة، وليس في الزواج فحسب؛ يجعلها غير جائزة.

أما نقطة غياب المأذون الشرعي، أو المرجعية الدينية كأن يكون من يتم مراسم عقد القِرَان عالمًا شرعيًّا؛ فإن هناك علماء قالوا بأن وجوده ليس شرطًا لصحة العقد الشرعي للزواج، وهناك ممارسات بالفعل تتم في بعض الدول العربية، عند زواج المواطن أو المواطنة بشخص أجنبي، يتم فيها عقد القِرَان أمام موظف رسمي، وليس أمام مأذونًا شرعيًّا، ويقوم هو بترديد العبارات المرعية لإتمام الزواج الشرعي على الزوجَيْن، ولا يجد علماء هذه البلدان حرجًا في ذلك.

من هذا العرض، يتضح لنا أن الجدل الراهن الذي تم ربطه بشكل متعسف بالفعل بالدين الإسلامي، عند مناقشة قضية الزواج المدني، ومشكلات الزواج المختلَط، لا علاقة له بالدين الإسلامي نفسه، ولا يجب أن يتم تحميل الشريعة الإسلامية أية مسؤولية عن الأوضاع التي قادت إلى أن يتزوج البعض زواجًا مدنيًّا؛ حيث هي بالأساس، إما مسؤولية أعراف اجتماعية ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، أو ظروف قادت المسلم والمسلمة إلى ذلك في بلدان المهاجر والأقليات بسبب عدم وجود المرجعيات الدينية الضرورية التي تستكمل أركان حياة المسلم.

وبالتالي؛ فإن هناك واجبًا مهمًّا أمام العلماء والدعاة في الوقت الراهن، بأن يتعاملوا مع هذه المشكلة من أكثر من زاوية، أولاها استكمال المعارف الشرعية الغائبة لدى الكثير من المسلمين حول الزواج وأمورهم بشكل عام، في ظل ما قادت إليه عقود من التعليم المدني من تغييب حتى لأبسط مبادئ الشريعة الإسلامية.

لابد من استكمال أركان الوجود العلمائي الظاهر في أوساط الأقليات المسلمة في بلدان إقامتهم، وأن يكون هناك نقطة مرجعية قائمة يذهب إليها المسلمون في شؤونهم

الأمر الثاني، القيام بحملات توعية في المجتمعات المحلية التي تفرض قيودًا على الزواج المختلَط، وهو بطبيعة الحال؛ لن يتم بين يوم وليلة؛ حيث هناك ضرورة لجهد طويل المدى، ومتكامل الأركان، تدعمه الدول والحكومات على الأرض ومن خلال التعليم ووسائل الإعلام والتنشئة المختلفة.

الأمر الثالث، وهو المهم، هو ضرورة استكمال أركان الوجود العلمائي الظاهر في أوساط الأقليات المسلمة في بلدان إقامتهم، وأن يكون هناك نقطة مرجعية قائمة يذهب إليها المسلمون في شؤونهم كافة، وليس بالضرورة أن يكون الأمر مركزًا إسلاميًّا متكاملاً؛ حيث يكفي في البلدان البعيدة، أو التي لا يوجد فيها سوى نفرٍ قليل من المسلمين، أن يكون هناك تواجدًا علمائيًّا في منزل عادي، ولكنه معروف بأنه يوجد به بعض المرجعيات التي يمكنها أن تعالج بالفعل الكثير من المشكلات المفاهيمية والإجرائية لدى المسلمين.

ويدعم ذلك كله المزيد من الدراسات في فقه الأقليات المسلمة، والذي يختلف بكل تأكيد – وهذا من جماليات الشريعة الإسلامية وما يجعلها صالحة في كل زمان ومكان – عن فقه المسلمين في مجتمعاتهم الأم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

9 خدع تحسّن مهارة التفكير النقدي لديك

نظرة واحدة متعمقة لماضيك وحاضرك ستؤكد لك أن حياتك ليست سوى نتاج أفكارك وقراراتك بشكل …