القرآن الكريم وكمال البنيان الأخلاقي في آياته

الرئيسية » بصائر الفكر » القرآن الكريم وكمال البنيان الأخلاقي في آياته
quran19

يقول اللهُ تعالى في كتابه العزيز: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [سُورة "الفرقان" - الآية 30].

ويجيء اختيارنا لهذه الآية الكريمة التي تتحدث عن أحد أهم أمراض الأمة في عصرنا الحالي، كمفتتح للحديث، للتأكيد على الرسالة الأساسية التي نسعى في هذا الموضع إلى التأكيد عليها، وهي دور غياب أو بمعنىً أدق، تغييب، محتوى القرآن الكريم عن الحياة اليومية للفرد المسلم، وبالتالي الأسرة والمجتمع المسلمَيْن، هو أهم سبب لمشكلاتنا الأخلاقية والسلوكية، والتي تُعتبر بدورها المرتكز الأساسي لحالة التخلف الحضاري التي تحياها الأمة.

وهذا الحديث ليس من قبيل المبالغة؛ فالمكوِّن القيمي والأخلاقي هو أساس أية حضارة إنسانية، وهو الذي تنهض عليه أماني الأمم، وبالتالي، فهو يشكل سعَيْها بالكامل، حتى على مستوى الحياة اليومية، لتحقيق هذه الأماني، وفق تصوراتها المثالية عن الحياة والكون، وصيرورات الأمة بالكامل.

ولسنا هنا في معرض التأكيد على الرسالة الأخلاقية للإسلام، باعتبار أن هذا أحد ثوابت الإسلام؛ حيث أكدها النبي الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، عندما قال: "إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق" [أخرجه أحمد في المُسند].

المكوِّن القيمي والأخلاقي هو أساس أية حضارة إنسانية، وهو الذي تنهض عليه أماني الأمم، وبالتالي، فهو يشكل سعَيْها بالكامل

القرآن الكريم.. والمسألة القيمية

في هذا الإطار، وبشكل عام؛ فإن القرآن الكريم تعامل مع المسألة القيمية بأكثر من شكل، وبأكثر من طريقة.

الطريقة الأولى، هي الإطار العام؛ حيث هناك آيات قرآنية كريمة ضمت مجموعات أساسية من الخلق الكريم والسلوك القويم، تناولها القرآن الكريم باعتبار أنها القاعدة الأخلاقية الأساسية للمجتمعات.

ويقف على رأس جوامع الأخلاق في القرآن الكريم، الوفاء بالعهد، والصدق وعدم الكذب، والأمر بالعدل، حتى مع الظالمين والكافرين، والتعاون على البر والتقوى في كل ما ينفع الناس، وكفُّ الأذى عنهم في المقابل.

كما حرَّم القرآن الظلم، ونهى عن القول بغير علمٍ، وعن الخيلاء والتكبُّر، وعن الإسراف والتبذير والبخل والتقتير في المقابل.

أعلى القرآن الكريم في كثير من آياته من قيمة الصبر، وخصوصًا في أوقات الشدة، وعند وقوع المصائب، وكذلك الرضا بالقضاء والقدر

كذلك أعلى القرآن الكريم في كثير من آياته من قيمة الصبر، وخصوصًا في أوقات الشدة، وعند وقوع المصائب، وكذلك الرضا بالقضاء والقدر.

ودعا القرآن الكريم أيضًا إلى عدم التنابز بالألقاب، والنهي عن المعايرة، وعن ذكر الإنسان لكل ما يسيء لأخيه الإنسان، ودعا إلى حسن المعاملة، والتواد والتعاطف والتراحم، وكل ما من شأنه أن يعضِّد من الأواصر الاجتماعية، وتحسين العلاقات بين الناس، وهو ما يصب تلقائيًّا في المساعدة على تقدم ورقي الأمة.

الإطار الثاني الذي تناول فيه القرآن الكريم الأمور الأخلاقية، هو الإطار المُخصَّص؛ حيث تناولت آيات عدة صفة أو أكثر، بالنهي أو التحفيز، بحسب طبيعتها، سلبًا أو إيجابًا، وكلٌّ منها تمثل جانبًا مهمًّا من بنيان أي مجتمع، وليس مجرد نافلة قول في سلوك الإنسان العام أو الخاص.

ولو وقفنا الآن أمام بعض أهم مشكلاتنا الأخلاقية، في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ وهي الزنا والعلاقات غير الشرعية؛ فإننا سوف نجد أننا أمام قيم أخلاقية كبرى في القرآن الكريم تتعامل مع هذه المشكلة، وتضع لها الحدود القاطعة التي يحافظ بها على البنيان المجتمعي، الأخلاقي والمادي.

ومن الآيات التي تستلفت الانتباه في القرآن الكريم في هذا الصدد؛ قوله تعالى في سُورة "الأعراف": {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)}.

في هذه الآية؛ وضع الله تعالى الفواحش، ومنها الزنا، أو لعله هو الزنا نفسه وفق مفسِّرين، حتى قبل الشرك بالله تعالى، وهو أمرٌ جلل؛ حيث عقيدة التوحيد هي أساس خلق الكون كله، وهي مقصد خلق الإنسان؛ في صورة إفراده لله عز وجل بالألوهية والعبادة، وعندما يقدم اللهُ تعالى جريمة على جريمة الشرك به؛ فإن هذا يؤكد لنا عِظَم وجسامة هذا الذنب.

وتجريم الزنا لهذه الدرجة لا يضمن حفظ الأنساب فحسب، وإنما كذلك يضمن الاستقرار المجتمعي بالكامل، فالزنا هو أحد أهم أسباب الطلاق والتفكك الأسري، وبالتالي؛ فإن محاصرة هذه الظاهرة تضمن سلامة الأسرة، التي هي ضمانة بقاء أي مجتمع.

ولننتقل إلى جانب تربوي آخر في القرآن الكريم، ويرتبط بدوره بآفة هي من ألعن ما نعاني منه اليوم، وهي الكذب.

ونتخيَّر في هذا الإطار آية واحدة تكفي لفهم موقف القرآن الكريم من الكذب وكيف ذَمَّ فيه، فيقول تعالى في مستهل سورة "المنافقين": {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، ومن المعلوم أن المنافقين هم أسوأ فئة من البشر، وهم في الدرك الأسفل من النار كما قال الله تعالى في قرآنه العظيم.

في المقابل؛ يدعونا الله تعالى إلى الصدق، ونختار من القرآن كذلك آية لها دلالة نوعية في هذا الصدد، وهي الآية (41) من سُورة "مريم"، وفيها يقول الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}.

وهنا وضع الله تعالى الصدق والوفاء بالوعد كخصلتَيْن حميدتَيْن، على رأس سُلَّم صفات النبوة.

في إطار آخر، نهى القرآن الكريم نهيًا قاطعًا عن الغيبة والنميمة، والظن السيء، وكل ما من شأنه تحقيق مرامي الشيطان الرجيم، في التفرقة بين بني آدم، وغلَّظ في النهي عن ذلك بصورة مروعة فعلاً، بحيث يعظُم الجرم بما تأباه الفطرة السليمة.

فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [سُورة "الحجرات"، - الآية 12].

العبادات.. من مكارم الأخلاق

الإطار الأخلاقي والقيمي في القرآن الكريم أوسع من مجرد سلوك، أو فِعلٍ، خاطئ فيُنْهَى عنه، أو جيد فيُحبَّذ، بل إن الأمر يشمل أهم مكوِّن من مكونات الإسلام، وهو الجانب الخاص بالعبادات

والإطار الأخلاقي والقيمي في القرآن الكريم أوسع من مجرد سلوك، أو فِعلٍ، خاطئ فيُنْهَى عنه، أو جيد فيُحبَّذ، ويكون محط دعوة وتأكيد من رب العزة، بل إن الأمر أكبر من ذلك، ويشمل أهم مكوِّن من مكونات الإسلام، وهو الجانب الخاص بالعبادات، والتي هي أساس اعتراف الإنسان بألوهية الله عز وجل، وإفراده بها وبالعبادة.

فيقول الله تعالى: "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" [سُورة "البقرة" - الآية 177].
ولعل هذه الجزئية، التي نجد فيها الأخلاق جنبًا إلى جنبٍ مع العبادة، ما يؤكد على أهميتها في القرآن الكريم، والمكانة العظيمة التي وضعها الله تعالى لها.

وفي الأخير؛ فإننا إذا ما أردنا أن نستعيد خيرية الأمة؛ فما علينا إلا أن نعلِّم أبناءنا القرآن الكريم. ليكن شعار دعاتنا وساستنا ومربينا: "علموا أبناءَكم القرآن"!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

كيف تعامل دعاتنا ومؤسساتنا الدينية مع أزمة كورونا المُستَجَد؟

في الواقع فإن هذا التساؤل في ظل ظروف وباء كورونا المستجد لا يتعلق بشائع التصوُّر …