المحاضن التربوية وعقم المناهج!

الرئيسية » بصائر تربوية » المحاضن التربوية وعقم المناهج!
books-2

لا تزال المحاضن التربوية بشكلها النمطي التقليدي إلى يومنا الحاضر تحافظ على رتابتها وروتينها من شكل وانتظام ومفردات، بل حتى إن بعضها أكل عليها الدهر وشرب من حيث الأشخاص؛ فالمسؤول ذاته والأفراد أنفسهم دون تغيير حتى لو طالت المدة أكثر من عشرين عاماً متتالية.

ولا تزال في دورات إعداد الدعاة المنوط بهم إدارة مثل هذه المحاضن يتم تحديد المحضن التربوي بثلاثة أركان لا رابع لها وهي المسؤول والفرد والمنهاج، وحتى فترة قريبة كانت تلك المناهج المخطوطة منذ الأزل لا تزال فعالة وقيد التنفيذ بكل أشكالها وتفاصيلها متجاوزة مرحلة بل ومراحل معاصرة بل ومراحل هامة، فكما لم تتناول المناهج فترة التسعينات وما بعد الألفين الانتفاضة الفلسطينية؛ تتجاوز مناهج اليوم الربيع العربي ومآلاته ودوافعه ناهيك عن العبر المستفادة منه.

ألا تعتبر هذه المحاضن هي نقطة الانطلاق لكل داعية؟

أليس من المفروض أن تكون هذه المحاضن محطة تزويد وتفعيل للداعية؟   أم أن هذه المحاضن باتت فقط للالتقاء التقليدي والاطمئنان على آخر الأحوال الشخصية وتناول الطعام في كثير من الأحيان؟

وهل من الضروري المحافظة على ذات الشكل الرتيب وبذات الأركان للمحاضن التربوية؟  

وهنا نفرد لهذه النقاط الرئيسة ما يجب إعادة دراسته من أجل تطويره وتحسينه غير متناسين لأبرز التحديات التي تواجهنا:

يجب علينا اليوم أن نقوم بدراسة شكل المحضن التربوي وتطويره وبما يتناسب مع عصرنا والظروف المحيطة بنا

1. شكل المحضن التربوي: وهو اللقاء الأسبوعي الرتيب المتكرر، والذي يجمع فيه مسؤولاً يعتبر بمثابة المربي والقدوة ومعه مجموعة من الأفراد الذين يلتقون أسبوعياً في الغالب وكل منهم قد أعدّ مسبقاً مادة معينة كي يطرحها في هذا اللقاء ذي السويعات البسيطة، وغالباً ما تكون هذه المواد مكونة من آيات من القرآن الكريم للتفسير، ومن ثم حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضاً من مادة أخرى كحاضر العالم المسلم اليوم من كتاب تمت كتابته قبل أكثر من عشرة سنين، أو ربما في التجويد أو علوم القرآن، يتخلل الجلسة تناول الحلويات أو طعام العشاء ربما، ناهيك عن عدم جدية أغلب اللقاء في كثير من الأحيان، أو ربما احتال الأفراد على المربي فيبدؤون بموضوع خارج الإطار المتفق عليه ليبدؤوا النقاش والجدال فيه دون الذهاب لما هو مطلوب منهم من مواد؛ ومنذ عقود وهذا المحضن بهذا الشكل دونما دراسة حقيقية وفعالة بتغيير شكله أو بتطويره، أو على الأقل تقييمه، وربما كان لزاماً علينا اليوم أن تتم دراسة شكل المحضن التربوي وتطويره وبما يتناسب مع عصرنا والظروف المحيطة بنا.

2. عدم انتظام الموعد: وهذه مشكلة أغلب المحاضن التربوية، فيصبح اللقاء الأسبوعي وكأنه ثقل عظيم على الكواهل والنفوس، يتفلت منه الأفراد قدر ما استطاعوا، خاصة إذا لم يلقوا مربياً جاداً وملتزماً بالموعد، فأصبح همّاً على الأفراد يسعدون إذا ألغي ويأتونه كسالى غير مبالين به؛ وقد تكون المشكلة عدم قناعة الأفراد بجدوى هذا اللقاء.

لا يزال المربون يتعاملون مع المنهاج كمادة مقدسة يجب الالتزام بحذافيرها، كما أن تجاوز المنهاج بحاجة إلى موافقة مسبقة من أعلى الهيئات الدعوية

3. فقرات متكررة دون تجديد: لا تزال فقرات المنهاج كما ذكرنا آنفاً محافظة على رتابتها ومضمونها، كما أن مقدمة اللقاء باتت روتينية أيضاً دون تناول لواقع اليوم، و المحاضن التربوية هذه لم تعطِ لكل فرد فقرة في اختصاصه ذات يوم يعرضها على إخوانه كي يطلعوا ولو بالجزء اليسير على تخصصه أو عمله، ولا يزال المربون للأسف يتعاملون مع المنهاج كمادة مقدسة يجب الالتزام بحذافيرها؛ لذا فإن من يريد أن يخرج عن المنهاج يعتبر مخالِفاً كما أن تجاوز المنهاج بحاجة إلى موافقة مسبقة من أعلى الهيئات الدعوية.

بات المربي الذي يحرص أشد الحرص على انعقاد الموعد بكل أركانه وحذافيره وإتمام فقرات المنهاج -ولو دون انسجام أو تناغم- هو الأمثل والأفضل بين المربين

4. كلاسيكية المسؤولين: لا تزال الدعوة تقدم المربين النمطيين الذين عاشوا في هذه المحاضن بهذه الطريقة حتى عرفوا كيف يطبقونها فتم إعادة تدويرهم ليصبحوا مربين جدداً على خطى من سبقوهم، فبتنا نخرج القوالب الخاوية من المضمون، وبات المربي الذي يحرص أشد الحرص على انعقاد الموعد بكل أركانه وحذافيره وإتمام فقرات المنهاج- ولو دون انسجام أو تناغم- هو الأمثل والأفضل بين المربين، وأذكر أننا ذات يوم ونحن طلاب في الجامعة فقدنا أخاً عزيزاً علينا من أبناء الدعوة في حادث سير، وقد كان معنا في الجامعة فيما مضى بل كان قيادياً فيها، فذهبنا لجنازته وبعد الجنازة ألزمنا المربي بحضور ذلك الموعد البئيس، ولم تجف دموع العيون بعد، بل وإنه قد تجاوز كل حدث ذلك اليوم الفاجع وبدأ بفقرات منهاجه الرتيبة يتلوها واحدة تلو الأخرى.

5. غياب المسؤولين عن الواقع: وهذا مما دفع ببعض الشباب اليوم انتقاد تلك المحاضن ونمطيتها، وهو غياب المسؤول أو المربي عن الواقع المعاصر، خاصة واقع الجامعات أو الواقع السياسي، أو الانفتاح بين الطلاب والتيارات أو عدم اطلاعه على مواقع التواصل الاجتماعي وغير ذلك مما يعتبر اليوم من اهتمامات بل وأحياناً من أولويات الشباب.

6. كبار السن في المحاضن: ترى بعض المحاضن التربوية خاصة في مناطق الأطراف أو الأرياف يجتمع فيها كبار السن والشباب سوياً، وأحياناً يكون الفرق بينهم عقوداً في السنوات وقروناً في التفكير، وإنك قد تكون أحياناً في محضن مع رجل ناف في عمره عمر جدك، فترى كأنك تجلس مع قوم من بلد آخر، والأسوأ من هذا كله، إذا كان المسؤول شيخاً كبيرا قد بلغ من العمر عتياً وقد تسلم عقول شباب فتية طاقتهم بلغت عنان السماء وهذا مما يخلق فجوة ضخمة قد لا ينفع بعد زمن إعادة رتقها.

7. مفردات المنهاج: لا تزال فكرة المنهاج فكرة تقوم على تقديس كل ما هو من الزمن الماضي من مؤسسي الدعوة الأوائل، كمفردات للمنهاج سواء الثابت منها كالقرآن والسنة، أو كالمتغير مثل الكتب والقضايا التي تتم مناقشتها، فأحيانا تجدك تناقش قضية عفا عليها الزمن وتهمل أخرى قد استجدت في أيامنا هذه، أو على الأقل أدركناها في عمرنا، فقط لأجل المحافظة على ما وجدنا عليه آباءنا.

8. غياب المنهاج المرافق: وهو ما كان من إبداع المسؤول والمربي، ونظرته الثاقبة، وتعويض قصور المنهاج، من ضرورة لفت أنظار الأفراد لكثير من القضايا المعاصرة والمحيطة بنا، أذكر فيما أذكر أننا في أحد المحاضن التربوية، قد كلفنا المربي بالبحث عن نظام الانتخاب التونسي وشرحه في اللقاء، وكذلك زراعة أسطح البيوت، وقضية تركستان الشرقية وانقلاب الحبشة وكذلك الرجوع إلى بحث يتكلم عن نظرية تدحض فكرة أن الفراعنة هم من بنوا الأهرامات، عدا عن المتابعة الدعوية كالتعرف على الجيران أو تقديم هدايا لإخوتنا وأمهاتنا، بل وأحيانا يتم تكليفنا بعمل المطبخ مع أمهاتنا كواجب دعوي، وغير ذلك من المعلومات والقضايا إما العامة أو الهامة.

في الختام؛ تعتبر المحاضن التربوية في يومنا الحالي أداة تقليدية غالباً ما تكون خاوية من الروح الدافعة والمحفزة للأفراد  ، كما ويعتبر المنهاج اليوم قديماً غير متجدد ولا يتناول الكثير من القضايا التي نعيش اليوم، خاصة وأنه قد خلا في الغالب من التكاليف الفردية أو الجماعية للأفراد والتي من هدفها صقل شخصية المتربي ودمجه في المجتمع. فالمحضن هو الإطار النظري لما هو مطلوب من الداعية من تبليغ دعوة الله للناس، وهو اللبنة الأولى نحو إصلاح المجتمع، فالمؤمن قوي بإخوانه، وهو مرجع للتجارب وتبادل الخبرات، أما عندما يصبح موعداً روتينياً فهو أشبه بمضيعة الوقت وتبديد الجهود.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

ماذا يعني انتمائي للإسلام؟؟؟

يعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي تحيك في صدور الشباب المسلم هذه الأيام، خاصة …