ترامب وكلينتون والقدوات المرجوة!

الرئيسية » بأقلامكم » ترامب وكلينتون والقدوات المرجوة!
dc4f4bdee3

أخيرا - والحمد لله - انتهت زيطة الانتخابات الأمريكية التي صدعتنا منذ أكثر من شهرين والتي قد يخطئ المراقب فيظن أن ثلث العرب يحق لهم التصويت لشدة اهتمامنا بالموضوع. وأعيد هنا كلام شيخ من فلسطين للجزيرة حين سألوه عن رأيه بفوز ترامب، فقال: الخل أخو الخردل! ويقصد أن السياسات الأمريكية لن تتغير بتغير الرئيس المنتخب.

ولكنا هنا لسنا في معرض الحديث عن السياسة، بل عن الظواهر الاجتماعية التي ستؤثر على الجيل الذي عايش هذه الملهاة.
بالنظر إلى المرشحين الرئيسين لأعظم دولة في العالم، نجد الأولى هيلاري كلينتون امرأة عاملة مكافحة لديها شهادة الدكتوراه في الحقوق ولديها خبرة طويلة في عملها ملتزمة ومنضبطة، وربما عنها على الأرجح تروى قصة سلامها على عامل محطة الوقود وهي برفقة زوجها، وحين سألها عنه أخبرته أنه صديق سابق، فقال لها لو كنت تزوجته لكنت الآن زوجة عامل محطة، فنظرت إليه واثقة وقالت لو كنت تزوجته لأصبح رئيس الولايات المتحدة الأمريكية!

أما دونالد ترامب فرجل أبيض من أصل ألماني ولد وفي فمه ملعقة من الذهب، لديه حضور إعلامي مثير للجدل، جريء لا يخشى أن يتكلم في ما يؤمن به.

هذه القدرات لدى الاثنين والتي دعمها ترشحهما للرئاسة تجعل منهما قدوات محتملة للشباب في أنحاء العالم أو على الأقل للبعض منهم.

والمتعمق في الموضوع يجد أن هناك تسويقاً وإشهاراً لبعض الأخلاقيات والتصرفات من خلال تسليط الضوء على التفاصيل الحياتية الخاصة والعامة لكلا المرشحين.

ولعل الدرس الإيجابي الوحيد المأخوذ من هذه الانتخابات هو استغلال طاقات البشر في المكان المناسب لها. فبالنظر إلى أعمار المرشحين نجد أن كلينتون ناهزت السبعين وترامب تجاوزها، ومع ذلك انظر إلى الحيوية والنشاط الذي يتمتعان بها لخوض حملة انتخابية بكل ما فيها من جهد وتعب جسدي ونفسي. بينما نجد أن عالمنا العربي يقع في هذا الموضوع بين الإفراط والتفريط، فالشباب يتم اقصاؤهم عن المشهد، وكبار السن يحالون إلى التقاعد، وبذلك نجد أن شريحة الاستفادة المجتمعية تنحصر في منطقة محدودة تستثني جهود صغار الشباب رغم أنها أكثر أيام العمر طاقة ونشاطا، وتستثني حنكة المسنين كأكثر أيام العمر حكمة وخبرة.

أما الدرس الثاني فيأتي من وجود امرأة في الانتخابات. امرأة أقل ما يقال في وصفها أنها جبارة. فثمان سنوات متتالية في وزارة الخارجية لم تجعلها ترفع راية الاستسلام بل تطالب بالمزيد وتترشح لاعتلاء سدة الحكم. إن الدرس المهم هنا كيف أن المرأة تستطيع أن تخدم بلادها كما يستطيع الرجل، وأن الأنوثة لا تتعارض مع إنجاز العمل والتصدر للمشهد إن كانت هي الأنسب.

لكن أبرز درس تربوي –أو غير تربوي في الواقع– هو أن انحدار الأخلاق والغوص في مستنقعات الرذيلة لا يؤثر على كفاءة الشخص للقيادة. فكل تلك الفضائح التي رافقت ترامب لم تؤثر على الناخب الأمريكي واختياراته. وهذا يعني أن الأخلاق والنزاهة لم يعد لها أي اعتبار في العالم الغربي، بل إني أتساءل عن أي اعتبار محترم في هذا الرجل –في بعض المراحل كنت أحرص أن اشاهد نشرة الخبار دون أولادي لأجنبهم كمية القذارة الإعلامية التي تتداول فيها– إن الفضائح والتجاوزات التي سمعنا عنها من العلاقات المحرمة إلى انعدام النزاهة المالية والخطاب العنصري الموجه ضد غير البيض وغير المسيحيين والنساء -وما خفي أعظم- كل هذا لم يثن الناخب الأمريكي وانساق الناخب وراء بهرجة الشهرة ورنين الذهب في جيب ترامب! وكان التفكير السائد أن اخلاقه وعلاقاته له فقط، أما مهاراته في إدارة المال فهي لنا وهكذا سقط معيار الأخلاق تماما من أي تقييم لديهم.

إن هذا النموذج يقودنا إلى تقديس النجاح مهما كان الشكل الذي جاء به، ويكرس مبدا الميكافيلية في أن الغاية تبرر الوسيلة، ولنا أن نتخيل جيلا تربى مع هذه الأفكار.

كما أن المصلحة الشخصية مقدمة على أي معيار ومبدأ، فينشأ عن هذا فظاظة لفظية وعدم مراعاة لمشاعر الآخرين وتقديس التفوق المزعوم لعرق أو جنس. وهذا يعني أنك إذا امتلكت المال والقوة والنفوذ فليس عليك أن تلتزم بالأخلاق. إن الأخلاق للضعفاء يستخدمونها كي يغطوا على ضعفهم، وهذا يحول الجيل إلى وحوش تسعى بشتى الطرق للحصول على المال والشهرة والنفوذ وهم يدوسون أثناء ذلك على الضعيف أو الغافل أو المختلف بل على كل القيم والمبادئ الإنسانية سواء كان مصدرها دينيا أو حتى إنسانيا بحتا.

ودرس تعطينا إياه تغطية هذه الفضائح في أنه ليس من مشكلة أن يتم تداول هذه الأمور علنا ورأس مالها فنجان قهوة واعتذار للناس وللعائلة على الملأ وانتهت المشكلة. فلا السمعة تتأثر ولا المجد السياسي يهتز، بل على العكس تحسب نقطة للزعيم فالاعتراف بالذنب فضيلة وأي فضيلة يقصدون. إن هذه المجاهرة بالمعصية وإسقاط الحياء ومن ثم إسقاط العقوبة يعطي للجيل فرصة ذهبية في تبرير أي خطا واستمراء الزلات للوصول إلى قبول الجريمة ما لم يشتك المتضرر، ولسان حال الشاب إن كان رئيس أكبر دولة فعلها فمن أنا لأكون معصوما.

أما بالنسبة لوجود المرأة فبالرغم من الإيجابية التي ذكرناها قبل قليل الا أن كلينتون كان لها وضعها الخاص، فهي امرأة عانت من الخيانة الزوجية وتنظر إليها الكثير من النساء على أنها المرأة الصامدة القوية التي تعالت على محنتها الشخصية في مقابل مصلحة العائلة، بينما ينظر إليها الرجال بريبة وتساؤل ما الذي جعلها تتمسك بذلك الرجل بل إنها وقفت إلى جانبه بسعة صدر وتعالٍ على الجرح وبرود أعصاب تحسد عليهما!

إن هذا شيء ليس بغريب في عالمنا العربي ولكن في العالم الغربي حيث المصلحة الشخصية مقدمة والمرأة مستقلة عن الرجل تماما وتحظى بحرية كاملة يبدو غريبا مريبا أن تفعل امرأة هذا. ما هو النموذج النسوي الذي تطرحه كلينتون من هذه الزاوية امرأة مضحية مقابل رجل يغش؟ هل هذا النموذج للضعف النسوي بات مقبولا؟ هل من وراء كلينتون وسكوتها سر ما؟ ربما.

وأمر آخر يتعلق بكلينتون واستخدامها لبريدها الإلكتروني الخاص في المراسلات الرئاسية السرية.

إن المؤسسية في الغرب شيء مقدس أقدس من الأمور الشخصية، وبالرغم من جودة العمل المؤسسي المبني على منظومة متكاملة لا على فرد، تختفي بغيابه المؤسسة إلا أن المبالغة في هذا الموضوع اعطى طابعا آليا مجردا من المشاعر والإنسانية إذ الفرد في هذه المنظومة ما هو إلا ترس في آلة إن أخفق في عمله يتم استبداله بكل بساطة وليذهب هو بفشله إلى هامش التاريخ.
ويجتمع الاثنان في أن كلاهما ديوث (إن صح استخدام هذه الكلمة في حق المؤنث) فتاريخ زوجة الأول معروف مشهور لا يزعجه ولا يضيره. وتاريخ زوج الثانية لا يقل معرفة وشهرة. وكلاهما يقبل بذلك سواء برضاه أو على مضض. فأي درس أبلغ من هذا للجيل في أن يقبل على أهله ومن حوله الخنى، وأن الحرية الشخصية مقدمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

إن الحيوانات بفطرتها مخلوقات ترفض هذا التصرف، فالذكور تتقاتل فيما بينها للاستحواذ على الإناث، والإناث في أكثر من نوع من الحيوانات لا ترضى مشاركة زوجها لغيرها. أما ما يحدث أمامنا من قبول هذا لدى البشر فهو مرفوض فطرة قبل أن يكون دينا وخلقاً ولا ندرى إلى أين يمكن أن يوصل هذا.

لقد طرحت هذه الأفكار بشكل عمومي فلم أتحدث عن المسلمين خاصة ذلك أننا شئنا أم أبينا نعيش بمنطق ابن خلدون في اتباع المهزوم للمنتصر، وسينظر أبناؤنا إليهم على أنهم قدوات كيف لا وهم قادة العالم.

إن دورنا كأولياء أمور ومربين دور معقد يجب أن يتقبل الأحداث بموضوعية، إذ إننا لسنا الفاعلين لها، وأن نتوقع أن أبناءنا يعرفونها فلسنا في عالم معزول وأن نتفاعل معها بالتأسيس والتقعيد وليس بردود الفعل الآنية المتعلقة بحدث مفرد. فالمتربي المحصن أصلا لن يتأثر بما يسمع، بل سيرفض ويعترض ويناقش وربما وجد لنفسه ولغيره بعض الطرق الإيجابية للاعتراض، والمتربي المحصن يحمد الله على أنه مسلم بعيد عن هذه المزالق والمتربي المحصن ستزيد ثقته بقيادته إذ يرى القيادات الأخرى على هذه الشاكلة.

إن العمل تحت الأرض هو الأهم وهو الذي عليه المعول وأعني بالعمل تحت الأرض العمل الذي يكون قبل الأحداث والتأسيس لفرد مبني بناء متينا، عندها لن يخشى على البناء من هزات عابرة وعواصف رعدية مزمجرة لأن القلب ثابت والمبادئ راسخة.

لقد أظهرت الانتخابات الأمريكية أن أمريكا ارتضت أن تودع الأخلاق إلى غير رجعة بتنصيبها ترامب على سدة حكم العالم فهل نقبل نحن ذلك!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية

شاهد أيضاً

بين عقيدة الإسلام و”عقيدة الواقعية

للإسلام تفسيرٌ للواقع وتعاملٌ معه بناءً على علم الله به ومشيئته فيه، كما يثبتهما الوحي. …