د. أسامة جابر: ترغيب الطفل بالصلاة يجب أن يبدأ من يومه الأول

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. أسامة جابر: ترغيب الطفل بالصلاة يجب أن يبدأ من يومه الأول
photo_2016-11-04_19-41-54

كم ينعش القلب أن ترى طفلاً في أعوامه الأولى يقلد حركات الصلاة ويتمتم هامساً دون أن يفقه ما يعنيه هذا السلوك الذي اعتاد أن يراه يومياً لمرات عديدة، وكأن روحه واعية إلى أن هذه العبادة تمثل حبل الصلة بينه وبين خالقه.

لكن مسألة التعويد على أداء الصلاة والالتزام بها أحياناً ما تكون صعبة بحسب اختلاف أنماط الآباء وشخصيات الأبناء، فمتى بلغ الطفل سن السابعة ينتهج غالباً الوالدين تدريبه على الصلاة بالترغيب أحياناً وبالترهيب مرات أخرى، واكتساب هذه العادة ينجح غالباً؛ لما اعتاد أن يراه الطفل في البيئة التي يحيى بها، لكنه قد يفشل أحياناً لأسباب سنعرفها في الحوار الذي أجريناه مع الدكتور أسامة جابر مدير عام أكاديمية مؤمن للتدريب والتطوير في العاصمة الأردنية عمّان.

بصائر: قبل أن نتحدث عن تعويد الأبناء على الالتزام بالصلاة؛ كيف يهيئ الآباء أنفسهم لتدريب أطفالهم على هذه العبادة العظيمة؟ وما الحكمة من تحميل الشارع الحكيم هذه المسؤولية للآباء وتخصيصهم بها؟

د. أسامة جابر : إن أولى أولويات الآباء نحو غرس قيمة الصلاة في نفوس أبنائهم تتمثل في أن يكونوا القدوة الطيبة للأبناء، فـتأثر الأبناء بآبائهم يتعدى كون الآباء يصلون، بل إن صورة الوالدين وهم يؤدون الصلاة في خشوع وسكينة، لا تفارق عقول الأبناء -الواعي واللاواعي- أبد الدهر، ومن ناحية ثانية فإن على الآباء أن يدركوا موقع الصلاة في العلاقة مع الله فإنها تمثل ثمرة حسن المعرفة وقوة المحبة والرغبة بالصلة بالخالق العظيم، ولولا ذلك لصارت الصلاة مجرد حركات ثقيلة على النفس لا يلبث الفتى يملّها ويتركها. ولذلك فإن إدراك الوالدين لهذا سيوجه أساليبهما ووسائلهما في تعزيز الصلاة وإقامتها في حياة النشء.

بصائر: من أي سن يبدأ ترغيب الأطفال؟ ومتى يكون الترهيب و"الضرب" الذي أمر به الحديث؟ وما هي الكيفية لذلك؟

ترغيب الطفل بهذه العبادة العظيمة يجب أن يبدأ من أول يوم في في حياته، وذلك من خلال تمسك والديه بها

د. أسامة جابر: ترغيب الطفل بهذه العبادة العظيمة يجب أن يبدأ من أول يوم في في حياته، وذلك من خلال تمسك والديه بها، وكثيراً ما أردد على مسامع الآباء أن يَسلُكا سلوكيات إيجابية تجاه الأبناء قبل وأثناء وبعد أداء الصلاة، كاحتضانهم أو تقبيلهم أو البش في وجوههم، وعدم إشعار –الصغار خاصة– بأن الصلاة تعني الانقطاع عنهم أو الانشغال عنهم.

وللأسف؛ فإن بعض المصلين قد يعنف ولده في الصلاة باليد –إزاحة أو تقطيب جبين-، وربما يستغل الطفل انشغال أحد والديه بالصلاة للعب والعبث والمشاغبة، فإذا بهما يعاقبانه بعد الصلاة مباشرة، وربما تفعل الأم ذلك بملابس الصلاة، فيرتبط ذلك سلبيا في عقل الطفل.

إن رسولنا الكريم كان يتفاعل مع الأطفال حتى في الصلاة، ومواقفه مع الحسن والحسين معروفة ومشهورة، وهي ذات دلالات وآثار لا تخفى، ولذا على الوالدين أن يؤسسا لمكانة الصلاة في حياة الطفل، كأخذه للمسجد صغيرا في سن ما قبل التمييز والسماح له بالصلاة بجانبهما –دون أمره بذلك– في أي مكان..

أما مسألة الضرب. فإني لي وجهة نظر في هذا الموضوع..

يقول الشاعر:
إني رأيت اجتماع الحب في القلب والأذى                  إذا اجتمعا؛ لا يلبث الحب يذهب

إنّ الصلاة علاقة بين الخالق والمخلوق، وصلة بينهما، فكيف سيصلح حال اتصال وتواصل ومحبة تأتي على أثر تعنيفٍ أو ضرب أو عقاب!
أنا أعي حديث الرسول الكريم: "مروا أبناءكم بالصلاة أبناء سبع، واضربوهم أبناء عشر"، لكنني أيضاً أنظر لفعله –عليه السلام-، فلم يُؤثر عنه صلى الله عليه وسلم ضربُ طفلٍ أبداً، لا على الصلاة ولا على غيرها.. فكيف نفهم هذا الحديث إذا..؟!

إذا أخذنا بظاهر الحديث –الضرب الحقيقي-، فنأخذها بالضوابط الشرعية والتربوية والفقهية؛ فهو ضرب المحب والمربي؛ لا ضربَ المنتقم والمؤذي، كما أنه مقيد بسن العشر –لا قبل ولا بعد-، وبشرط أن لا يؤدي لمنكر أكبر.. وللأسف ليس هذا ما نراه في تطبيق بعض الآباء.. فإن الضرب يبدأ مبكراً وقد لا ينتهي رغم بلوغ الابن بطرق مؤلمة تترك آثاراً في الوجدان بالإضافة للجسد.

أما لو فهمنا الحديث بطريقة أخرى. فإنني أفهم من الحديث، رسالةً من النبي الكريم بعظيم قدر الصلاة في الإسلام وفي البناء الإيماني الروحي للطفل، فإن كان من أمر يستحق الضرب على تركه فالصلاة؛ وبالتالي؛ ليس المقصود الأمر بالضرب.. بل تعظيم قدر الصلاة.

وإلا فكيف نفهم –عملياً– حديث الرسول الكريم عن تارك صلاة الجماعة برغبته بتحريق بيوتهم –الحديث في البخاري-، فهل نفهمه أيضاً على ظاهره؟!. وهل فعله الرسول الكريم أو أحدٌ من أصحابه أو خلفائه!

لا يمكن أن يؤدّي الضرب لنتائج إيجابية –اللهم إلا نتائج مؤقتة لا تلبث أن تنتهي-، وهذا أكدته كل دراسات تربوية عميقة، وقبل ذلك منهج الرسول الكريم وسيرته المطهّرة.

بصائر: ما الفرق بين المسجد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية احتواء الأطفال؟ والمسجد اليوم؟ كون كثير من المصلين والأئمة يطالبون بعدم اصطحاب الأطفال وينهرونهم.. هل يؤثر هذا على ارتباطهم بهذه العبادة والتزامهم ومحبتهم لها؟

نحن بحاجة لتوسيع الصدور نحو الأطفال واليافعين، بل وإضافة مرافق خاصة بهم، وتبسيط خطاب الجمعة والدروس ليستوعب وجودهم؛ لما لذلك من أثر إيجابي عليهم

د. أسامة جابر: قمت بعمل تصويت لقرابة 250 أماً، حول المساجد اليوم؛ هل هي طاردة أم جاذبة للأبناء، وللأسف، الغالبية قالوا أنّها طاردة لهم، وممارسات عديد من المصلين سلبية.

نحن بحاجة لتوسيع الصدور نحو الأطفال واليافعين، بل وإضافة مرافق خاصة بهم، وتبسيط خطاب الجمعة والدروس ليستوعب وجودهم؛ لما لذلك من أثر إيجابي لا يخفى عليهم.

أما بعض المشاكل المرافقة لوجودهم، فأظن أن هناك أفكاراً عديدة تخفف منها على الأقل، وبكل حال فمشاكل تواجدهم في المساجد أقل بكثير من إخراجهم منها وتركهم نهباً للطرقات والمولات وأماكن السوء، وسيترتب على عدم تقبلهم آثارٌا على المجتمع وضريبة ليست بالهينة، في الحال وفي المستقبل.

بصائر: كيف كان السلف الصالح يربون ويعودون أبناءهم على الالتزام بالصلاة؟

سلفنا الصالح، زرعوا الإيمان، فأنبت صلاة ودعاء وصياما وغير ذلك، واعتمدوا القدوة أسلوباً تربوياً طيباً

د. أسامة جابر: لكل زمان وسائله، ولكل زمانٍ تحدّياته.

سلفنا الصالح.. زرعوا الإيمان، فأنبت صلاة ودعاء وصياما وغير ذلك، واعتمدوا القدوة أسلوباً تربوياً طيباً.

في زماننا. هناك من يبني الإيمان وهناك من يعمل على هدمه في نفس الوقت، كما أن دور المجتمع والإعلام أشدّ قوةً من دور الأسرة والقدوة، لذا نحن بحاجة للتجديد والإبداع في الوسائل، بما يناسب هذه المتغيرات.

وإن مما يجب أن يعيه الآباء، أن دورهم محصورٌ في تعريف الابن على الله، وتحبيبه فيه، وإرشاده لطريقة الإتصال به من خلال الصلاة والدعاء والمناجاة، بالترغيب والتحبيب والتشجيع والتعزيز التربوي والمعنوي.

ثم..ترك الابن ليقوم بذلك الأمر –الصلاة– بمحض إرادته ورغبته، مع متابعته من بعيد، حتى لا نعكّر صفو هذه العلاقة العظيمة. مع إدامة الدعاء ونظرات الرضى كلما صلّى، حتى لو لم ترضنا صلاته خشوعاً وإتقانا؛ فإنّ هذه مرحلة تدريب، يُعفى فيها عن كثير من التقصير.

وكم من أهلٍ تعجّلوا قطف الثمرة، فحرموها!

وكم من فتى ترك الصلاة بعد أنْ شبَّ، لعدم قناعته بها أو تسببها –من وجهة نظره– بإيذائه!

وكم من صغير –للأسف- كره الصلاة؛ لأنّ الأهل حرموه ما يُحب –كاللعب أو غيره– لعدم صلاته أو تقصيره بها.!

لذا لا أرى الضرب على الصلاة أبداً، إلا ضرب المحبّ –وهو في الحقيقة ليس ضرباً-، بل هو لمساتٌ حانية، من يدٍ مشفقة، تبغي الخير وراحة البال لمن تحب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "السبيل" اليومية الأردنية في قسم الشؤون المحلية والتحقيقات. وكاتبة في مجلة "الفرقان" التابعة لجمعية المحافظة على القرآن الكريم / الأردن؛ في الشؤون الأسرية والتربوية. وتكتب بشكل متقطع في العديد من المجلات العربية منها؛ البيان؛ الفرقان الكويتي؛ وأجيال السعودية إلى جانب العديد من المواقع الإلكترونية.

شاهد أيضاً

النفاق الاجتماعي.. كذبٌ على الذات في سبيل الملذات

إنّ شخصية المنافق متآمرة بطبيعتها، تظهر غير ما تبطن، تعمل في الظلام، وتثير الفتن والدسائس، …