لا تمت في العتمة!

الرئيسية » خواطر تربوية » لا تمت في العتمة!
alone-dark

يقال إن العمر يقاس بأحد شيئين:

• إما بعدد السنوات التي يمضيها الكائن في الحياة، بعدد الأنفاس والنبضات وغيرها من المنح التي يتساوى فيها تحت هذا المقياس مع غيره من الكائنات.

• أو بما يقدّم من أعمال وأفعال تترك خلفه أثراً وينفرد بها دوناً عن غيره من الكائنات.

والمقياس الثاني يعتمد على الفرق الملموس والأثر الحقيقي، ولا يقاس الفرق بالكم الذي يحققه التضاد الواضح، وإنما بالنوعية التي تظهر التباين وتفضح عمق الفجوة بين المتضادات .

والتأثير نوعان: مادي ومعنويّ، ككل مجالات الحياة التربوية والأخلاقية، تعتمد على الروح والجسد كشقين أساسيين للنفس البشرية، كما أن التأثير قد يكون موجهاً للنفوس أو إلى العقول، وذلك أساس يبنى عليه ترك الأثر، ولا تختلف طرق تحقيق التأثير مهما كان مجاله ونوعه ووجهته والفئة المستهدفة . كما أن ترك الأثر لا يعتمد على الخيرية والشرية في النفوس وإنما القدرة على التأثير وصناعة الفرق بالوسائل المناسبة وفي الأوقات المناسبة.

ترك الأثر يعتمد على القدرة على التأثير في الآخرين وصناعة الفرق بالوسائل المناسبة وفي الأوقات المناسبة

الخلود المُمكن:

التفكير في الموت وإمكان نهاية الحياة هو واحد من أهم الدوافع للإنجاز وصناعة الفرق تمهيداً لترك الأثر ، ومثل الموت يأتي التشابه المحيّر والمخيف أحياناً والمنافي للطبيعة الإنسانية، والذي يجعل الناس بشكل تلقائي يسعون للخروج عن الإطار، وطلب الخلود أو البقاء، والطرق أمام هذا الخيار مسدودة حسب قوانين الطبيعة، فيأتي الخلود الممكن والذي يتحقق بترك الأثر.

كثير من الآيات القرآنية نزلت مخاطبة أعظم البشر أثراً وكانت تخبره بأنه لن يخلد وأن الجميع فانون وأن البقاء لله وحده، وواحدة من أهم الحكم الربانية في تذكير سيد البشر -عليه الصلاة والسلام- بالنهاية وهو الذي لم ينس ولن ينسى ما طال عمره، تكمن في الحث على الإنجاز، سواء كان الإنجاز في إعمار الأرض بالعبادة أو بالبناء والتعمير والتحسين، أي بترك الأثر والتأثير في المخلوق حياً أم جماداً كان.

يكون الإنجاز المؤثر بإعمار الأرض سواء بالعبادة أو بالبناء والتعمير والتحسين، أي بترك الأثر والتأثير في المخلوق حياً أم جماداً كان

وكلمتا الأثر والتأثير ترتبطان بالخلود الممكن، حتى في مواضع ورودهما في السنة والقرآن، فبعد الاستخلاف وترك الأرض بين يدي الكائن المستخلف والمؤتمن عليها والمُسخرة كلها لأجل خدمته، يصبح أداؤه للمهمة التي خلق لأجلها جزءاً من الخلود المعنويّ في الأرض.

الظل المستمر موت قريب:

العتمة مفيدة لإتمام الاستعداد للظهور المؤثر وحسب، لكنّ المقام فيها إن دام أفسد الخلايا وضيّع الحياة .
فالنبات يموت في الظل والأراضي تتعفن وتمتلئ بالحشرات والأمراض، البيوت تملؤها الرطوبة والأضرار، وكذلك تفعل العتمة بالإنسان الذي يطيل المكوث فيها، فمناصب الظل تفيد لفترة من الزمن؛ حتى يتحقق الاستعداد المطلوب، ويتهيأ المقيم في العتمة للظهور الذي يليق بإنسان يهدف للتأثير المتعدي.

تفيد مناصب الظل لفترة من الزمن؛ حتى يتحقق الاستعداد المطلوب، ويتهيأ المقيم في العتمة للظهور الذي يليق بإنسان يهدف للتأثير المتعدي

ومع أن الشر يتساوى مع الخير في الاستعدادات والصناعة والتجهيز، لكن الخير إذ يتعلق بالروح التي تمثل الجزء الإلهي في النفس البشرية، هو الأحق بأن يكون له مؤيدوه والعاملون على دعمه وإشاعته.

نصائح من سير من تركوا أثرًا:

بحثت في سير البعض ممن أثروا فيمن خلفوهم، ووجدت بعض النقاط المشتركة، وطرق العمل المتقاربة، فجمعت بعضها ولخصتها في نصائح:

1. اختر المنهج الذي يميزك عن الآخرين في التفكير وطريقة عرض الأفكار، حتى وإن أثار اختيارك هذا جدلاً واسعاً، كن متأكداً من أنه يمكن أن يأخذك إلى التميز.

2. كن سباقاً، مبادراً، فالمبادرة تصنع الفرق دائماً، ومع التكرار والمواصلة سيكون بإمكانك نمذجة طريقتك، ونحت تفرّدها شيئاً فشيئاً.

3. تميّز مهما كان تخصصك، وكن منفرداً، شخصاً لا يتكرر وشخصية لا تشي بالشبه، واستعن بالتخصص الحميد الذي لا يقطع علاقتك بالثقافة العامة لتقوية علاقتك بتخصصك وصناعة التميّز في مجالك، فالبطل بطل منفرداً كان أم في جماعة .

4. اعتمد على خطة تخصّك، اكتب ما تريده أولاً بأول، سجّل معه ما يعيقك، ما يمكن أن يطرأ مع الأيام، ما تقوم به، اختر الطرق والاستراتيجيات التي سوف توصلك، لا تستبعد احتمال الخسارة، وبناء على توقع فشل خطتك، ضع الخطة البديلة لتنتقل مباشرة في حال الخسارة إلى البديل المنقذ – لا البديل المُغَيِّر - واجعل هذا البديل جاهزاً على الدوام، ثم ارصد ما تحققه وما لم تحققه، وادرس كل شيء، تعلم من خطئك، ادرس القصور من كل جوانبه وأسبابه ونواحيه، ثم من جديد ضع خطة القادم، وكن على قناعة أن العمر فسحة للتجارب.

5. لا تنكر عيوبك أبداً، فإنكار العيوب يشير إلى وجود نقطة ضعف وتكرار الإنكار يجعلها سهلة الوصول إليها ، خصوصاً إذا وصلت إلى النجاح، وكان في محيطك من يطمح للإطاحة بك وإسقاطك.

6. نصائح أخرى: انفتح على العالم، انبذ التقليد والتبعية، خالف تعرف، اصنع قالبك ولا تحبس نفسك في قالب مُعد مسبقاً، اكسب من حولك بالمواقف ما استطعت، جاهد وادع إلى الجهاد والكفاح في الحياة لصناعة الشخصية المنفردة، والبعد عن النموذجية والنمطية فمكابدة الحياة أهم وسائل التعليم ، تمرّد إن توجّب واستحق الظرف ذلك، وأخيراً: فكّر، فكّر، فَكّر...
إنّك إن فعلت ذلك فسوف تؤثر فيمن يخالفونك ويكرهونك أكثر حتى ممن يؤيدونك ويحبونك ويحاولون التشبه بك، وتلك حالة استثنائية فريدة تليق بمن يمكنه أن يترك أثراً.

ونحن – أعني الشباب العربيّ – متفوقون في ترديد الشعارات وإسداء النصائح، وتوزيع الانتقادات، بينما نعجز عن تحقيق مضمونها بالعمل  أو إشعال القناديل لغيرنا أو المحافظة عليها مشتعلة ومضاعفة ضوئها، لذلك لا بد من وقفة كي لا تموت الأمة في العتمة!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

أعمال الإنسان بين استغلال الوقت والتوفيق

كثيراً ما يقف الإنسان ذاهلاً أمام عمره وهو يمر به سراعاً كقطرات الماء المتسربة من …