نحو توظيف أكثر فاعلية للتقنية الحديثة في دعم ثقافة المقاومة

الرئيسية » بصائر الفكر » نحو توظيف أكثر فاعلية للتقنية الحديثة في دعم ثقافة المقاومة
technology

من بين أهم أركان الحرب التي تستهدفها الآلة الإعلامية الصهيونية، ومن مالأها على مستوى العالم العربي، في إطار الصراع الديني والقيمي الحالي على أرض فلسطين، هو ثقافة المقاومة.

فالصهيوني عندما يقتل مناضلاً؛ إنما أنهى حياة شخص واحد، بينما إذا استهدف الثقافة التي تحركه نفسها؛ فإنه يكون قد قضى على المشروع بأكمله، وهو ما يُسمى باستراتيجية الحجز عند المنبع.

ويمكن القول إن هذه المعركة، من جانب طرفَيْها، المقاوِم والعدو؛ إنما هي بالأساس، لعبة وسائل قوة ناعمة؛ حيث النجاح فيها، يجعل من التنفيذ على الأرض، من نافلة القول، منعًا أو دعمًا.

وعندما نتكلم عن وسائل القوة الناعمة؛ فإننا نعني مختلف الوسائل التي تتعامل مع الكلمة والحرف والأفكار، وأدوات الصوت والصورة المختلفة، وكلما كانت هذه الوسيلة أو تلك أكثر نفاذية وبساطة؛ فإنها تكون أكثر قدرة على الوصول والتأثير على المتلقي.

أحدث صيحة في مجال القوة الناعمة في هذه الفترة الزمنية التي تمر بها الإنسانية، هي الوسائط التي تعتمد على التقنية الحديثة، ولاسيما في مجال الاتصال والتواصل، وأحدث أجيالها، وسائل التواصل الاجتماعي

ولعل أحدث صيحة في مجال القوة الناعمة في هذه الفترة الزمنية التي تمر بها الإنسانية، هي الوسائط التي تعتمد على التقنية الحديثة، ولاسيما في مجال الاتصال والتواصل، وأحدث أجيالها، وسائل التواصل الاجتماعي بالمعنى الواسع لهذه المفردة، والذي يشمل منظومة متكاملة من الوسائط والاتصال، وليس القدرة على الاتصال فحسب.

ونعني بذلك، أن وسائل الاتصال الاجتماعي، لا تقتصر في قدراتها على نقل الرسائل القيمية، ومن بينها الأفكار المرتبطة بقضية الحق والمقاومة لأجله، في فلسطين، وفي كل بقاع عالمنا العربي والإسلامي، الذي يتعرض لهجمة مدمرة تستهدف ما تبقى من تماسكه، وحضارته؛ إنما تتجاوز ذلك إلى تحقيق هدفَيْن آخرين على قدر من الأهمية.

الهدف الأول، هو نقل الحدث على أرض الواقع، وربما في لحظة وقوعه، ومتابعته لحظة بلحظة، من خلال تقنيات الصوت والصورة الحديثة، والتي تطيِّر الرسالة المطلوبة إلى العالم بأسره.

الهدف الثاني، هو خلق شبكة من العلاقات التفاعلية تمتد لأكبر مجال ممكن، سواء على مستوى الداخل الفلسطيني، أو على مستوى المجال الإقليمي والدولي، ولاسيما الأوساط التي لها أهمية ووزن، ويكون لوجودها ودورها في دعم المقاومة، إضافة لها.
وبالتالي؛ فإن التحرك في هذه المجالات الثلاث، الرسالة القيمية، ونقل الحدث، وخلق شبكة من العلاقات التفاعلية؛ ينبغي أن يكون على رأس قائمة أولويات القوى الحركية الناشطة في مجال المقاومة على الصعيد الفلسطيني، داخل وخارج فلسطين.

وهي مهمة مستمرة، وينبغي أن تكون على مدار الساعة والدقيقة؛ فلئن كانت العمليات الجهادية على الأرض على قدر من الصعوبة بسبب الظروف الأمنية واللوجستية، وتستغرق العملية في الغالب ما لا يزيد على دقائق معدودة؛ فإن هذه الدقائق تصنعها ساعات وأيام من النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومختلف وسائط التقنية الحديثة الموظفة في مجال الـ"ميديا".

ولعل الأثر واضح، فحتى الرأي العام الغربي الذي كان مؤيدًا بشكل "أوتوماتيكي" للكيان الصهيوني فيما مضى؛ نجد الآن فيه جماعات وأحزاباً بعضها ممثل في حكومات وبرلمانات منتتخبة، وهيئات أكاديمية وكنسية، وشخصيات حائزة على جائزة نوبل، تدعوا إلى مقاطعة الكيان الصهيوني، الذي اعترف بالفاعلية الكبيرة للحركة المعروفة باسم "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" أو الـ(BDS)، في التأثير على مصالح الكيان الحيوية، الاقتصادية والسياسية.

ولعل وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تم توظيفها بمهارة في مناسبات فلسطينية عدة في السنوات الأخيرة، مثل عدوانَيْ خريف 2012م، وصيف 2014م، وحصار غزة، و"انتفاضة القدس" الحالية، تقول بأنه ينبغي أن تُوضع خطة متكاملة لتوظيف مختلف وسائل التقنية الحديثة في مجال الصوت والصورة، وفي مجال التقنية الاتصال والتواصل، بالشكل الأمثل.

وهنا من الأهمية بمكان، الإشارة إلى الساحة الأهم التي ينبغي الاهتمام بها بهذه الخطة، وهي ساحة الأسرة؛ حيث المحضن التربوي الأول الذي ينشأ فيه الإنسان، منذ لحظته الأولى، ويظل مرتبطًا به طيلة عمره، فهو قد يغيِّر مدرسته، وقد يغيِّر عمله، وهو يذهب إلى المسجد لوقت محدد من يومه، بينما الأسرة هي الأكثر التصاقًا وارتباطًا به، حتى على مستوى المعيار الزمني.

هناك حاجة إلى شكل محدد من التوظيف المخصص للأسرة، من أجل خلق حاضنة تربوية للمقاومة في أهم المساحات التي يتفاعل معها الإنسان منذ مولده

وبالتالي؛ فإن هناك حاجة إلى شكل محدد من التوظيف المخصص للأسرة، من أجل خلق حاضنة تربوية للمقاومة في أهم المساحات التي يتفاعل معها الإنسان منذ مولده.

وهنا تبرز على وجه الخصوص، دور المجموعات العامة والخاصة، سواء من خلال المنصات التفاعلية على الشبكة العنكبوتية، مثل المنتديات، أو على مواقع التواصل الاجتماعي، كـ"الفيس بوك"، أو في تطبيقات التواصل الحديثة، مثل الـ"واتس أب".

فيمكن من خلال منظومة مخططة من الحركة التي يجب أن تنطلق في البداية من خلال منظومة تعمل على الأرض، ومن خلال الدوائر القريبة من الأسر، مثل أئمة المسجد ومسؤولي المناطق والأحياء في حركات المقاومة؛ أن يتم التأسيس لها، وتضم أولياء الأمور وكبار الرموز المحلية، على مستوى القرية والحي، وحتى مستوى الشارع، وفق قدرة كل حركة من حركات المقاومة على الانتشار.

ومن خلال هذه المجموعات يتم تنسيق إرسال أوراق ورسائل، وإجراء محاضرات معلومة التوقيت يتم الدعوة لها مبكرًا، يكون ضيفها أحد رموز المقاومة، أو علماء الدين والإعلاميين، وغير ذلك من الفئات التي يمكن أن تصنع بخطابها في كل جانب من هذه الجوانب، خطابًا متكاملاً يدعم فكرة المقاومة داخل كل أسرة وكل بيت.

يجب مراعاة أن يكون الجهد شاملاً ومتكاملاً على المستويين الرأسي والأفقي، أي أنه يشمل مختلف المناطق الجغرافية وأماكن الوجود الفلسطيني، ويشمل كذلك مختلف المجالات التي تضمن صناعة أسرة مقاوِمة

وهنا يجب أن يراعي مصممو مثل هذه الحملات أن يكون الجهد شاملاً ومتكاملاً على المستويين الرأسي والأفقي، أي أنه يشمل مختلف المناطق الجغرافية وأماكن الوجود الفلسطيني، وخصوصًا في المناطق المحتلة عام 1948م، وعام 1967م، ويشمل كذلك مختلف المجالات، الفكرية والتربوية والثقافة السياسية، التي تضمن صناعة أسرة مقاوِمة، تُخرِّج أجيالاً جديدة من حَمَلَة الرسالة.

وهذا يفترض وجود لجان خاصة تشرف على هذه العملية، بعضها يعمل على إعداد المادة، ومتابعة فنيات الصوت والصورة، والبعض الآخر يتواصل مع الجمهور، والبعض الثالث، يتأكد من التفاعل العام مع هذا النشاط، بالإضافة إلى الشخصيات الاستشارية المتخصصة في المجالات الفكرية والتربوية والدعوية، ممن يعطون توجيهاتهم بالتصويب والتطوير، أو يقدمون المحاضرات "أون لاين" من خلال المنصات والوسائل المختلفة.

هناك كذلك، الرسائل القصيرة، التي يتم إرسالها إلى شخصيات مختارة، مسؤولة في أسرها، يتم من خلالها دعم العملية، والرد على الشبهات المثارة، والتأكيد على أن المقاومة مصلحة لجميع الفلسطينيين، أنها ليست قضية فصائلية.

وبطبيعة الحال؛ فإن الإمكانيات الكبيرة التي تتيحها التقنية الحديثة في مجال الاتصال والتواصل، ولاسيما في ظل الانتشار الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، تقدم إمكانيات أكبر في المجال التلقيني والمجال التربوي، وتبقى أن يجلس المختصون من الدعاة والتربويين والمسؤولين الحركيين لبحث كيفية توظيف هذه الإمكانيات بالطريق الأمثل الذي يحقق الكفاءة والفاعلية المطلوبَيْن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

لماذا لا نرى ناشطات نسويَّات مسلمات؟

أثارت بعض منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة قضية شديدة الأهمية واللزومية في الوقت الراهن …