هل تقوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالكفاح المسلح؟

الرئيسية » بصائر الفكر » هل تقوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالكفاح المسلح؟
Palestinian security officers march during a celebration to mark the 48th anniversary of Fatah movement

عاد الرئيس الراحل أبو عمار من أمريكا بعد لقائه كلينتون في بداية العام 2000 محبطاً بما فيه الكفاية، فقد وصلت المفاوضات التي سار فيها مع الأمريكيين والصهاينة لطريق مسدود. وبدت المطالب أكبر بكثير من أن يتحملها عرفات كرئيس للشعب الفلسطيني، وتضمنت تقسيم القدس ليرفض عرفات المقترحات الأمريكية ويوجه كلمته المشهورة لكلينتون "إذا أردت أن تمشي في جنازتي فسأقبل العرض الذي تقدمه".

كان عرفات حزيناً مثقلاً بالهموم –حسبما قال مرافقوه على طائرته- فقد خدعه الأمريكان ومعهم الصهاينة، وحين سأله أحد المقربين منه في طريق العودة ماذا ستفعل الآن؟ قال لهم بالدارجة الفلسطينية: "حنولعها"!

إنها إشارة للعودة إلى الكفاح المسلح، مع أن الوقت تأخر كثيراً! فقناعة الرجل الأخيرة أن لا سلطة في ظل الاحتلال ولا تنمية أيضاً، وما يحدث هو التسويف واللعب على الوقت، وأن ما كان حجر نرد ومقامرة غير محسوبة العواقب.

في الوقت نفسه، كان للأجهزة الأمنية الفلسطينية دور بارز في تحويل انتفاضة الأقصى (2000-2005) من شكلها التقليدي الحجر والمقلاع، إلى شكل أكثر حداثة وتطوراً بالانتقال للعمل المسلح وحرب العصابات. ولعل عملية بهاء سعيد شرق المحافظة الوسطى في قطاع غزة، واغتيال أكبر قادة شهداء الأقصى ومؤسسيها في الضفة الغربية المحتلة حسين عبيات، لهو دليل واضح على أن الأمور قد تدحرجت بطريقة لا يمكن السيطرة عليها بالنسبة للأمريكان والصهاينة.

وفي تلك الانتفاضة انفتح الأمر على مصراعيه بالنسبة لكل الفصائل، وعادت الأراضي الفلسطينية لتلتهب من جديد، وتوقظ حالة الوعي العربي تجاه القضية الأهم والأبرز في المنطقة قضية العرب جميعاً.

كان التركيز الأكبر في مرحلة ما بعد انتفاضة الأقصى على العقيدة الأمنية لهذه الأجهزة، حيث وصلت هذه الأجهزة لعقيدة جديدة مفادها أن العمل المقاوم هو عمل إرهابي يزعزع استقرار أية عملية تسوية قادمة

انتهت الانتفاضة باستشهاد العديد من القادة الفلسطينيين، وانسحاب المستوطنين والصهاينة من قطاع غزة، وبدأ شكل آخر من أشكال التغيير الجذري فهمت خطورته القوى السياسية الخارجية الفاعلة أن الأجهزة الأمنية هي مربط الفرس في أي حراك ثوري قادم في الضفة الغربية، ولاتساع الجغرافيا وسهولة خوض حرب العصابات كان التركيز الأكبر في مرحلة ما بعد الانتفاضة على العقيدة الأمنية لهذه الأجهزة، إذ كانت ثلثي المساعدات الأمريكية مقدمة لتطوير وتدريب هذه الأجهزة الأمنية لتحقيق حالة الاستقرار في الضفة الغربية، وبدأ الأمر تدريجياً حتى وصلت هذه الأجهزة لعقيدة جديدة أن العمل المقاوم هو عمل إرهابي يزعزع استقرار أية عملية تسوية قادمة.

استقرت الأمور في السنوات التسع الأخيرة على جبهة الضفة الغربية حيث الأمن مقابل المساعدات، وبقيت هذه الأجهزة تتلقى المساعدات على شكل هبات ومنح ورواتب، إلى أن اشتعلت جذوة انتفاضة القدس، التي تتسم بطابع مختلف عن الانتفاضتين السابقتين نتيجة التضييق الأمني، من قبل اليهود والسلطة معاً.

وفي التزامن مع هذه الانتفاضة، هناك تشرذم واضح وانقسام كبير وضياع في حركة فتح على جميع مستوياتها الداخلية والخارجية، وهناك وضع اقتصادي صعب يلقي بظلاله على ساكني الضفة دفع كثيراً منهم للهجرة، وكانت حالة الانخراط الشعبي بهذه الوتيرة المتصاعدة والسريعة في الضفة الغربية دليلاً واضحاً على فشل خيار التسوية وفرض التعايش مع المحتل والاستسلام له.

أما على البعد السياسي فما زالت المفاوضات متوقفة، والإنجازات صفر على الشمال، والحرية في أدنى مستوياتها، فحواجز الاحتلال الصهيوني قطعت أوصال الضفة بالكامل، إضافة لإجراءات التضييق اليومية والمستمرة، ومعها نسب الاستيطان المتزايدة والتي لم تستطع القيادة السياسية الفلسطينية وضع حد لها وإيقافها، بل فشلت حتى هذه اللحظة في اتخاذ أي قرار ضده في مجلس الأمن.

على البعد العسكري والعملياتي كان التحدي الأصعب يتمثل في قدرة انغماس العناصر المسلحة من الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية في العمل المسلح، إذ عليها في البداية التحرر من العقيدة الأمنية الفاسدة التي زرعت فيها على مدار سنوات عشر عجاف، ويثير سيناريو الانغماس قلقاً كبيراً في أوساط صانعي القرار داخل الكيان الصهيوني، إذ تشير التقديرات أن المرحلة قادمة لا مفر منها لتتحول الضفة الغربية لساحة حرب، يتحول معها ميدان القتال لميدان اشتباك مباشر، يدخل فيه جميع الأطر والأجهزة الأمنية بصفتها الجهة الوحيدة التي تملك السلاح هناك.

آخر العمليات وأقواها من الناحية العسكرية نفذها الشهيد محمد تركمان وهو أحد عناصر الأجهزة الأمنية في بلدة قباطية جنوب مدينة جنين، ومع أن التحليلات الصهيونية قد بدت بعيدة في اعتبار أنه عمل فردي بدافع الانتقام لقريب فلسطيني قتله الاحتلال، إلا أن المخاوف كانت أكبر بكثير من إمكانية اندماج هذه الأجهزة في العمل المسلح، وهي في انتظار فرط هذا العقد، خصوصاً أن المسببات واضحة، وهي:

لقد حول مسار التسوية الفلسطيني المقاتل المدافع عن أرضه إلى فلسطيني متلقٍ للمساعدات، ومنخرط في السلطة والعمل الحكومي، كمن يبني قصراً من رمل على شاطئ بحر ستجرفه الأمواج

أولها: فشل مسار التسوية بالكامل، فهو راكد منذ سنوات ولم يقدم أي إنجاز للفلسطينيين، وأصبحت قناعة الكل الفلسطيني بأنه طريق مسدود ويجب العودة للكفاح المسلح.

ثانياً: لقد حول مسار التسوية الفلسطيني المقاتل المدافع عن أرضه إلى فلسطيني متلقٍ للمساعدات، ومنخرط في السلطة والعمل الحكومي، كمن يبني قصراً من رمل على شاطئ بحر ستجرفه الأمواج، وكانت النظرية واضحة الأمن مقابل المساعدات.

ثالثاً: لقد وصل الوضع الفلسطيني الداخلي لمرحلة التفتت بكل أشكاله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تحول معه عدد كبير من القادة السياسيين لملوك يعيشون الرفاهية على حساب الشعب، ويحاولون قدر الإمكان الدفاع عن مصالحهم، وقد أدى ذلك لحالة من الوعي السياسي الشعبوي.

رابعاً: بعد سنوات عجاف من المفاوضات أضحى القرار السياسي الفلسطيني يتحكم به مجموعة من الفاسدين أولاً، وبدكتاتورية واضحة كأنهم يحتكمون على قطعة أرض مسجلة باسمهم في أملاك الطابو.

هذه الأجهزة العاملة في الضفة والتي يشاهد أفرادها بأعينهم الأحداث المتسارعة وعمليات القتل اليومي في الضفة لأقاربهم وأصحابهم وجيرانهم، وحالة الغليان الحاصلة في الشارع، وسطوة طبقة المتنفذين الفلسطينية، وتشتت النخب وسعيها لمصالحها، وأمام الأزمة البنيوية في النظام السياسي الفلسطيني وأزمة الشرعية، لن يدوم هدوؤها طويلاً، فقريباً ستنفجر هذه الأجهزة بشكل عفوي غير منتظم ستجرف معه الأخضر واليابس.

ما الحل؟

- إن قدرتنا على تطوير حالة الكفاح المسلح واندماجها في القوننة الدولية الموجودة هي المخرج الوحيد المتبقي لنا للتخلص من الاحتلال، ويعتمد ذلك على امتلاك أوراق الضغط التي غابت عن المستوى السياسي الرسمي الفلسطيني، وأقصد هنا المقاومة بكل أشكالها، مع المرونة الكافية في المناورة السياسية كحال حركات التحرر الوطني على مدار التاريخ في الجزائر وجنوب أفريقيا وفيتنام وإيرلندا وغيرها.

لابد من إعادة البنية السياسية للنظام الفلسطيني، التي ستفشل في حال تمت بعيداً عن المقاومة

- لابد من إعادة البنية السياسية للنظام الفلسطيني، التي ستفشل في حال تمت بعيداً عن المقاومة، فحالة الفوضى العارمة هي التي ستفرز القيادة السياسية الجديدة القادرة على المناورة في حالتي الحرب والسلم، وما الحرب في حد ذاتها إلا أسلوب من المفاوضات يجب أن ينعكس إيجاباً على الواقع الفلسطيني.

- استغلال الحالة الديمغرافية الداخلية في الضفة وغزة والأراضي المحتلة، والخارجية في دول الشتات، مهمة للغاية لإعادة محورة القضية والتفافها نحو خيار المقاومة، والمبنية على أسس الضغط الثوري للتخلص من آخر أشكال الاحتلال التقليدي على وجه الكرة الأرضية، ويبقى الحل مرهوناً في قدرتنا على التجمع حول البندقية كشعار المرحلة القادمة للتخلص من الاحتلال.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب صحافي من غزة حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد السياسي، متخصص في الشأن السياسي والقضايا العامة، وعمل مع العديد من الصحف والمواقع العربية والأجنبية، شارك في كتاب عن "الأسرى الفلسطينيين" نشر بعدة لغات. أعد مجموعة كبيرة من المقابلات الصحفية والتوثيقية مع مجموعة من صناع القرار والقادة الفلسطينيين، وأنجز مجموعة من التحقيقات الصحفية الاستقصائية.

شاهد أيضاً

9 خدع تحسّن مهارة التفكير النقدي لديك

نظرة واحدة متعمقة لماضيك وحاضرك ستؤكد لك أن حياتك ليست سوى نتاج أفكارك وقراراتك بشكل …