هل نفرح أم نحزن للحرائق داخل فلسطين المحتلة؟

الرئيسية » خواطر تربوية » هل نفرح أم نحزن للحرائق داخل فلسطين المحتلة؟
fire-palestine2016

أثارت الحرائق التي تشهدها فلسطين هذه الايام جدلاً محتدماً في وسائل التواصل الاجتماعي، بين من فرح لهذه الحرائق وتشفى بما حصل للكيان الصهيوني من ضرر بسببها، وبين من لا يؤيد التشفي بهذه الحرائق على اعتبار أن هذه الأرض هي فلسطين، وأنها مغتصبة وستعود يوما، فالضرر وقع على أرض وغابات فلسطين، وليس الكيان الصهيوني.

وللوصول إلى رأي سديد في التعامل مع هذه الحادثة، لابد من وضعها في السياق العام للعلاقة بيننا وبين الكيان الصهيوني في ظل متغيرات كثيرة حرفت الكثيرين عن البوصلة في محددات هذه العلاقة.

أولا: لابد من التفريق بين الكيان الغاصب، وفلسطين كأرض ومقدسات وشعب، ففلسطين التاريخية -التي احتلت عام 1948- أرض فلسطينية عربية إسلامية محتلة، ولا زال يسكنها شعب هو جزء من الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال، فالدولة القائمة بأجهزتها وشرطتها وجيشها ومستوطنيها دولة محتلة ظالمة تقترف كل أنواع الموبقات في حق الأرض والإنسان والمقدسات في فلسطين، وبالتالي فالموقف منها ينبغي أن ينبع من هذه الحقيقة.

الدولة القائمة على فلسطين المحتلة بأجهزتها وجيشها ومستوطنيها دولة محتلة ظالمة تقترف كل أنواع الموبقات في حق الأرض والإنسان والمقدسات في فلسطين

ثانياً: أرض فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التصرف بها، أو التنازل عن جزء منها، وما فيها من مقدسات كالأقصى وبيت المقدس تتعرض للاحتلال والتدنيس والسلب وبناء المستوطنات غير الشرعية فيها، وهذا كله لا يجعلها إسرائيلية مهما تقادمت الأزمان، وسيأتي اليوم الذي تهب فيه الأمة لتحريرها وتطهيرها من دنس الاحتلال الصهيوني.

ثالثا: الفلسطينيون تحت الاحتلال عموما إخواننا، وجزء من الأمة العربية والإسلامية، ولا يجوز التعامل معهم كعرب دولة الاحتلال، أو غير ذلك من المسميات التي تشعر بأنهم ليسوا جزءاً من الأمة، وهم رأس حربة في عملية التحرير القادمة بإذن الله، وقد ذاق الكثيرون منهم الأمرين من الاحتلال وقوانينه، وهم الآن أول المدافعين عن الأقصى في وجه محاولات التهويد.

نحن نفرح لكل ما يسيء إلى هذه الدولة الغاصبة، كما يفرحون هم لكل ما يصيب أمتنا من أذى

من الواضح في ظل هذه المحددات أن الكيان الصهيوني كدولة غير معترف به، ولا يجوز الاعتراف به فضلا عن إمداده بأي سبب من أسباب القوة أو الحياة، فالتعامل معه على أساس أن دولته غريبة عن المنطقة، وأن دولته طارئة، وإلى زوال عاجلا أو آجلا، وهذا هو الضابط لسلوكياتنا كدول، أو أفراد ننتمي إلى الأمة العربية والإسلامية، ومن هنا فإننا ينبغي أن ندين كل سلوك خارج هذا الإطار، فنحن من خلال هذا المنظور نفرح لكل ما يسيء إلى هذه الدولة الغاصبة، كما يفرحون هم لكل ما يصيب أمتنا من أذى، وهاهم يتمنون أن تبقى سوريا ممزقة مدمرة في ظل حكم بشار ويتمنون أن يبقى الحكم العسكري في مصر، بل يمدونه بأسباب البقاء ويدعمونه، وهم يسعون لإضعاف الأمة بكل السبل، وقد آلمهم الربيع العربي وسعوا فيما بعد إلى إفشاله، فهل نلام على مشاعرنا تجاه كل ما يسيء إلى هذا الكيان، أو يضره.

لقد أضرت الحرائق بمئات المنازل في مدن عدة في فلسطين المحتلة، وإن لم نكن السبب في هذه الحرائق، وإن كنا في المقابل نحزن للضرر في الأرض والغابات؛ لأنها في النهاية تضر بأرض فلسطين التي نسعى إلى تحريرها .

لقد آلت افعالنا إلى التمني والتشفي مع أننا نملك الفعل والتأثير والتغيير إن شئنا ذلك

فالموقف هنا موقف مزدوج لا تناقض فيه، فرح بالإضرار بدولة الاحتلال، وحزن لحرق أرض فلسطين التي تحتاج إلى سنوات طويلة لتعود كما كانت، إلا أن هذا الموقف يظهر عجزنا وعدم قدرتنا على الإضرار بشكل مباشر بهذا الاحتلال، فقد آلت افعالنا إلى التمني والتشفي مع أننا نملك الفعل والتأثير والتغيير إن شئنا ذلك، فالأصل أن نتحرك كشعوب ودول وحكومات لتغيير واقع الاحتلال في فلسطين ، وأن نساند كفاح الشعب الفلسطيني لنيل حريته، وتحرير أرضه بكل السبل المتاحة، وأن نتحرك لتخليص مقدساتنا من دنس اليهود، وهذا التحرك مسؤوليتنا جميعاً كل بقدر ما نملك من إمكانات في الفعل والتغيير.

لا يصح أن تتحول الأمة إلى حالة من الاستسلام للواقع، وأن تنكفئ على الدعاء والتمني والتحسر، أو التشفي  فقط، فكل من يملك الفعل ويمتنع عنه فهو مقصر أمام الله والأمة، والتاريخ لن يرحمه، فنحن أمام مفترق طرق تاريخي تنقسم الأمة فيه بين من يدعمون الظلم والطغاة، وبين من يدعون إلى التخلص من هذا الظلم. هكذا هي المعادلة وهكذا يكون الميزان في الحكم على المواقف التي نبديها من الأحداث الجارية على أرض فلسطين وفي المنطقة ككل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

أطفالنا وصلاة التراويح في رمضان .. أفكار عملية

في #رمضان من كل عام، يتجدد الجدال حول ذهاب الأطفال لصلاة التراويح في المسجد، وككل …