هل يمكن أن نمنع الجريمة؟

الرئيسية » بصائر تربوية » هل يمكن أن نمنع الجريمة؟
17-knife-crimes-w710-h473-2x

هزت المجتمع الأردني جريمة قتل الشاب لأمه وقطعه لرأسها وسمله لعيونها! وقد كان من المثير تصريحاته للأمن عقب الاعتقال، وقوله أن أمه عدوته، وأنه ارتكب الجريمة بكامل قواه العقلية، وخطط لها للوصول إلى هذه الجريمة.

نتساءل كما تساءل الكثيرون ممن سمعوا بالجريمة: هل من المعقول أن تصل مشاعر الحقد والكراهية بين أم وابنها إلى هذا الحد؟ ثم كيف وصل الأمر في نفس الابن إلى اعتبار أمه عدوة له؟ ثم والأهم كيف يمكن تجنيب مجتمعاتنا العربية والإسلامية مثل هذه الجرائم البشعة؟

لا يمكن التسليم بمشاعر العداء الكامنة في نفس الولد تجاه أمه تحديدا،ً إلا بوجود أسباب غير طبيعية شكلت هذه المشاعر، ودفعتها إلى الظهور بهذه الطريقة البشعة ويمكن أن تكون هذه الأسباب:

- وجود خلل في الإدراك، وهو ما رشح من تداول الشاب للحبوب المخدرة، وأنها سببت تلفاً جزئياً في الدماغ عنده.

-التهيؤ والتخيل لأمور غير موجودة، وطغيان هذه الخيالات على التفكير السليم، وهو ما يمكن أن يكون قد حكم العلاقة بين هذا الشاب وأمه التي قد تكون من شدة حرصها عليه وعلى مصلحته تقوم بتوجيه كثير من الأوامر له في كثير من الأحيان وبشكل متكرر، وهو ما تفعله معظم الأمهات بحسن نية، ويتقبله الأبناء في العادة على مضض، لكن الشباب قد يتخيلون رغبة الأم بالسيطرة عليهم وأنها تحول بينهم وبين ما يشتهون، وأنها تنكد عليهم حياتهم..الخ من المشاعر السلبية التي تنتاب الشباب الذين يرغبون في الاستقلالية.

إذا كان أصحاب الأبناء من ذوي السوابق فإن كل شيء ممكن، خاصة إذا كانت شخصية الشاب ضعيفة، أو إذا لاقت توجيهاتهم السيئة هوى عنده

-عدم وجود أي نوع من الوازع الديني، مما يجعل الشيطان يستحوذ على تفكير كثير من الشباب {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله}. وفي حالة الاستحواذ على العقل والتفكير فإن كل الموبقات يمكن أن تستباح وترتكب.

-عدم وجود صحبة عاقلة أو صالحة يحتك بها الشباب تنصحهم بالخير، وتنهاهم عن الشر، وتردعهم عن الغي، وهذه قد تكون عاملاً أساسيا في ارتكاب الجريمة، فإذا كان الأصحاب من ذوي السوابق فإن كل شيء ممكن، خاصة إذا كانت شخصية الشاب ضعيفة، أو إذا لاقت توجيهاتهم السيئة هوى عنده.

- عدم وجود علاقات صحية بين أفراد العائلة، خاصة استخدام العنف في التعامل بين أفراد العائلة سواء الأبناء فيما بينهم، أو بين الأبوين والأبناء، مما يعكس آثاراً نفسية سلبية تجعل الشاب أو الفتاة اللذين يعيشان في الأسرة منفصلين عنها، ويكرهون بعضهم بعضاً أو ينفسون عن هذا الاحتقان بسلوكيات سلبية أو عنفية في التعامل مع الآخر.

نحن في هذا المقال لا نستطيع أن نجزم بالدوافع الحقيقية التي تقف وراء مثل هذه الجرائم البشعة، فلا شك أن لكل جريمة أسبابها ودوافعها الخاصة. لكن الجرائم البشعة لا تنفك أن تكون من أصحاب نفسيات معقدة احتوت معظم الأسباب السابقة. وحتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم فإننا ننصح الوالدين تحديداً بالآتي:

يجب على الوالدين مراقبة سلوك الأبناء ومتابعة علاقتهم ببعضهم البعض، وأن لا يسمحوا بطغيان أحدهم على الآخر، أو بممارسة العنف في البيت بينهم

1-مراقبة سلوك الأبناء ومتابعة علاقتهم ببعضهم البعض، وأن لا نسمح بطغيان أحدهم على الآخر، أو بممارسة العنف في البيت بينهم.

2- مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وما يكتبه أبناؤنا فيها، فهم ينثرون من خلالها مشاعرهم المكبوتة، وقد نستفيد منها في فهم شخصياتهم ومعرفة طريقة تفكيرهم.

3- تقييم سلوكياتنا مع الأبناء، وهل نقوم بتوجيههم بطريقة مناسبة أم منفرة، ومحاولة تجنب الصدام المباشر مع رغباتهم أو أفكارهم، خاصة استخدام العنف معهم، مما يؤجج المشاعر، ويخزن في النفس الرغبة في الانتقام أحياناً.

4-ممارسة دورنا التربوي في زرع القيم والأخلاقيات الصالحة والإيجابية، وعدم الاكتفاء بالتربية الإسلامية في المدرسة، وهذا الدور يجب أن يكون مستمراً في جميع مراحل النمو عند الأبناء، ويجب أن لا يتوقف حتى عندما يصبحوا شباباً أو رجالاً.

5- التوعية بخطورة المخدرات وتعليمهم أنواعها، والأهداف المرجوة من ترويجها بين الشباب، ومن المناسب عرض ملفات صوتية وبصرية لتعزيز الرغبة في تجنب هذه الآفة الفتاكة.

6-تغليب لغة الحوار في البيت وسياسة المصارحة والاستماع إلى ما يقوله الأبناء، وإفساح المجال لهم في التعبير عن مشاعرهم خاصة السلبية منها، وإن كنا لا نقبل بها أحيانا، لكنه لا بد من الاستماع لها لتبلغ مداها، فإن لم تتح لهم الفرصة كان البديل هو القهر والكبت، والبحث عن تنفيسها بطرق أخرى أو في أماكن أخرى.

7-الإحاطة بشكل دائم بدائرة الأصحاب التي تحيط بالأبناء، وجعلهم يتواصلون معهم في البيت، ويحضرون لزيارتهم، مما يتيح للوالدين التعرف إليهم، ومن ثم التأثير بهم، أو منع تأثيرهم السلبي على الأبناء.

8-تفعيل العلاقات خارج الأسرة مع الأقارب والجيران؛ لتتوسع دائرة الفهم والإدراك لدى الأبناء، ويسهم ذلك في تطوير تفكيرهم وتوجيه سلوكهم إيجابياً.

لا يمكن أن نعفي المجتمع من مسؤولية ارتكاب مثل هذه الجرائم البشعة، لأنه يمثل الدائرة الأوسع التي يعيش فيها هؤلاء الشباب، ويتأثرون به سلباً أو إيجاباً

أخيرا لا يمكن أن نعفي المجتمع من مسؤولية ارتكاب مثل هذه الجرائم البشعة، فهو الدائرة الأوسع التي يعيش فيها هؤلاء الشباب، ويتأثرون به سلباً أو إيجاباً.

ومن الملاحظ في هذا الباب غياب التشريعات الرادعة في حق مروجي المخدرات في المدارس والجامعات وغيرها من الأماكن التي يتواجد فيها الشباب، مما ساهم في انتشارها وتوسيع دائرة تأثيرها.

كما أن المناهج في المدارس يمكن أن تؤدي دوراً إيجابياً في التحذير من مخاطر آفة المخدرات، وفي غرس القيم الإيجابية اللازمة لحماية المجتمع من هذه الجرائم.

أضف إلى ذلك إيجاد فرص للعمل للشباب العاطل عن العمل والذي يمكن أن يوجه طاقات الشباب بشكل إيجابي لخدمة تطور المجتمع ورفاهيته، ويسهم في الوصول إلى الراحة النفسية والاطمئنان المفقودة عند الكثير من الشباب. مع ضرورة وجود دور إعلامي داعم للقيم والأخلاق. و لعل كل ذلك يسهم في حماية مجتمعاتنا من الجرائم المختلفة التي تكاد تعصف بنسيجنا الاجتماعي، وقيمنا الأخلاقية والدينية.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

نحن والمِحَن… فوائد نحصدها

إن مَهَمَّة بث الأمل ليست باليسيرة -خصوصاً في أوقاتنا التي نحياها- والأوضاع والأحوال التي نحياها …