أحداث سوريا والتعلق بأحاديث الملاحم

الرئيسية » حصاد الفكر » أحداث سوريا والتعلق بأحاديث الملاحم
syria22

تجنح بعض تيارات السلفية الجهادية، إلى ربط الأحداث الجارية في سوريا بعد عسكرة الثورة التي فرضها النظام على الثوار، بأحاديث الملاحم والفتن الواردة بشأن الشام، وما سيدور على أرضها من أحداث عظيمة، تدل بمجموع إشاراتها، وقرائن حيثياتها على وقوعها في آخر الزمان.

من اللافت أن ذلك الربط لا يبنى على احتمالية الوقوع وإمكانيتها، وإنما يصاغ بصيغة الجزم والقطع، وكأن قارئ تلك الأحاديث ـ ما صح منها بطبيعة الحال ـ قد علم يقينا أن زمن تحقق تلك الإخبارات هو هذا الزمان الذي نعيش فيه، فتراه يقطع ويجزم بذلك، من غير أن يلقي بالا لمن يدعوه إلى تخفيف مفردات اللغة الوثوقية التي يخاطب بها الآخرين.

كان واضحا ذلك المسلك في أدبيات ومنشورات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فقد علق قلوب أتباعه كثيرا بأسماء (دابق) و (الأعماق) الواردة في بعض الروايات الحديثة، وأطلقها على منابره الإعلامية لما لها من دلالة رمزية عميقة، عند التنظيم وأتباعه وأنصاره، وهو ما انعكس على مجمل أحاديثهم وكتاباتهم.

وليس الأمر مقصورا على تنظيم الدولة، بل ثمة رسوخ لتلك النزعة في أوساط تيارات السلفية الجهادية المختلفة، فهي تتعاطى مع الأحداث الجارية وكأنها إرهاصات بين يدي الملاحم الكبرى، ومقدمات لتحقق الوعود الإلهية في نصر المؤمنين وتمكينهم، وغالى بعضهم حينما اعتبر كل ما يجري على أرض سوريا يطابق تماما ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام.

من المعلوم أن الأحاديث النبوية الصحيحة المبينة للأحداث التي ستجري على أرض الشام، لم تحدد زمانا لوقوعها، بل وردت عارية عن تحديد الزمان، وبعض تلك الأحداث جاءت في سياقات تدل على أنها واقعة في آخر الزمان، كاقترانها بالمهدي وظهور الدجال وغيرها من علامات الساعة الكبرى، فكيف يندفع أقوام إلى إنزالها على أحداث وأوقات ليس لديهم أدلة قاطعة بأنها هي المقصودة في تلك الأحاديث؟

ألا ينظر أولئك المندفعون في إنزال تلك الأحاديث والروايات على زماننا ـ تماما كما اندفع غيرهم إلى إنزالها على أحداث وقعت في زمانهم ـ في مآلات فهمهم ونتائج إنزالهم؟ وماذا سيترتب عليها من نتائج سلبية، تنعكس على ثقة المؤمنين بتلك الوعود، وتهز صورة أولئك المتحدثين عند الناس، لأنهم أسرفوا في تبشيرهم (اليقيني والقطعي)، فإذا بمآلات الأحداث تأتي معاكسة تماما لتلك البشارات وما جاء فيها.

هنالك من لا يزال يعول على الثورة السورية، باعتبارها ستكون طريقا مفضيا إلى إقامة دولة الإسلام، رابطا ذلك بأحاديث نبوية، يفهمها بما يتوافق مع أفكاره ورؤاه، من غير أن يلقي بالا إلى مسارات الأحداث، وما تفتقده فصائل الثورة من عوامل النصر الذاتي أولا، وما يحاك ضدها من مخططات، وما تواجهه على الأرض من حملات عسكرية طاحنة ومدمرة.

ماذا لو كانت هذه الموجة العدوانية التي تتعرض لها سوريا والعراق، كغيرها من الموجات العدوانية التاريخية السابقة؟ بمعنى أنها ستمضي كما مضت غيرها، من غير أن ترتبط بالأحداث والعلامات التي ورد ذكرها في الروايات والأحاديث النبوية، فلماذا يتم إقحام تلك الإخبارات النبوية ـ ما صح منها ـ على واقع لم يتحدد يقينا أنه زمن وقوعها؟.

في هذا السياق فإن علماء الدين يشددون على ضرورة توخي الحيطة والحذر في التعامل مع أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، ويوجهون المسلمين إلى ترك تلك البشارات والنبوءات لتفصح عن نفسها بنفسها، فهي حينما يأتي زمانها، فإنها ستظهر وتتحقق قطعا ويقينا، من غير حاجة إلى علماء يتعبون أنفسهم في فهمها وتأويلها.

ليت المسلمون يتحررون من أسر عقلية التعاطي مع الأحداث والوقائع بنظرة خوارقية، التي تتطلع دائما إلى تدخل السماء لإنقاذهم، بخارقة تخالف مألوفات البشر، وما اعتادوا عليه، إلى رؤية الوقائع والأحداث وفق مسار السنن الجارية، التي تعم المسلمين وغيرهم.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة السبيل الأردنية
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الريسوني وزيارة القدس.. وإضافة غريبة أخرى

أنقل هذا الكلام من موقع الشيخ أحمد الريسوني؛ رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حتى لا …